بين مشاهد القتل والاعتقال والمنع التي يعكف على تنفيذها جنود الاحتلال الإسرائيلي، هناك أجمل المشاهد التي قد تراه عيناك في القدس، وفي محيط المسجد الأقصى. فقد ترى شيخًا كبيرًا يصلى أمام حاجزٍ من الحديد، يصده عن المرور جنديٌّ مدجَّج بالسلاح، وامرأة حملت ما لذ وطاب من الطعام والشراب لتقدمه للعامة في الساحات، وهناك أيدي غير آبهة بعقوبات الاحتلال، تحمل جثمان الشهيد، محمد شرف، وتهربه من على الأسوار العالية ليتم دفنه قبل أن يحتجز الاحتلال جثمانه.

هنا وحدةٌ تامة، لا اختلاف بين المرابطين فكريًا ولا حزبيًا ولا عقائديًا يظهر، لا ترفع راية ولا يهتف لحزب، فالكل ينشغل بقضية واحدة، المقدسيون مصرون على إزالة البوابات الالكترونية التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي لمن يريد الصلاة في المسجد الأقصى.

البوابات الإلكترونية تكشف عن معدن أهالي البلدة القديمة

على عجلٍ، أنهت السيدة المقدسية «جنّات الجلاد» أعمالها المنزلية كما اعتادت خلال الأيام الماضية، ثم تركت بيتها الكائن في منطقة العيسوية (شمال شرق المسجد الأقصى) وقصدت البلدة القديمة عازمة على أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء أمام باب الأسباط، أحد أهم أبواب المسجد الأقصى.

سيدة مقدسية توزع الطعام على المرابطين

تتحمل «أم إيهاب» كما تُكنَّى خطرًا كبيرًا على حياتها في سبيل البقاء في محيط المسجد الأقصى، تحدثنا أن يوم الثلاثاء الماضي، وبينما كانت تصلَّى ركعتي سنة صلاة العشاء في باب الأسباط، أخذ جنود جيش الاحتلال يطلقون قنابل الصوت تجاه المصلين، وسرعان ما وقعت إحدى هذه القنابل بجوارها لتسارع وتحتمي مع امرأةٍ أخرى بزاويةٍ ما في زقاق بالبلدة القديمة، فوجئت حينها برجلٍ من أهل القدس يقف حائلًا بينهما وبين جنود الاحتلال، ويفتح يديه لتلاقي القنابل الموجهة ضدهن، تقول أمّ إيهاب لـ«ساسة بوست»: «المسجد الأقصى أهمّ من بيتي وأولادي ومن الدنيا كلها، لا أتخيَّل حياتي بدون الأقصى، فالبوابات الإلكترونية هي بداية لوضع اليد الإسرائيلية عليه، وتحويله لكنيسٍ يهوديّ، وهذا لنّ يتم إلا على أجسادنا».

تحدثنا «أم إيهاب» عن التكافل الكبير بين أهل البلدة القديمة والقرى والمدن التي حولها، عن أصناف الطعام والحماية التي يجتهد أهالي البلدة لتوفيرها لهم، تقول: «وضع الاحتلال البوابات الالكترونية لكشف المعادن، فكشفوا لنا عن معدن أهالي البلدة القديمة الأصيل».

لا تنسى «أم إيهاب» مدى إصرار عائلة فلسطينية من مدينة الناصرة على التواجد في القدس بصحبة ثلاثة أطفال، تقول عنهم: «عجبت من صمودهم، كانت الأجواء حارة للغاية حيث بدأت الناس ترش المياه على المصلين لتحمل الأجواء الحارة، بينما أخذ الأب والأم بمؤازرة أبنائهم للتحمل والبقاء».

«لا همّ لنا إلا المسجد الأقصى»

تبدأ المقدسية «عايده الصيداوي» يومها بـ«الرباط» خلف أبواب المسجد، فهي كغيرها مصرَّةٌ على عدم الدخول إلى أروقة المسجد عبر البوابات الالكترونية، لذلك تتواجد خلف الأروقة وفي الشوارع، «حتى زوال البوابات الالكترونية» كما تقول.

إضراب عام في البلدة القديمة حدادًا على قتلى الأمس

تقطن «الصيداوي» في منطقة باب الحديد، الواقع غربي الحرم القدسي، بين باب الناظر وباب القطانين، يحزنها جدًا أنها على بُعد أمتار من المسجد الأقصى، لكنها لا تتمكّن من أداء الصلاة، ولا من دخول المسجد، تقول «الصيداوي»: «يهون علينا التضامن الكبير الذي يحيط بنا، المسجد الأقصى وحدنا، الناس في أقرب نقطة من المسجد يفترشون الأرض ويؤدون الصلاة، القدس أصبحت كلها أقصى، واتسعت مساحة المسجد الأقصى».

اليوم الذي تحدثت فيه «ساسة بوست» لـ«الصيداوي» وغيرها كان يومًا حزينًا عمَّ فيه الحداد العام على شهداء القدس الذي سقطوا بالأمس في مواجهات مع الاحتلال، ورغم حالة الفقر الذي يعيش فيها السكان، إلا أنهم عطلوا مصالحهم التجارية والاقتصادية من أجل المشاركة في حماية المسجد، تقول «الصيداوي»: «المسجد الأقصى هو بيت جميع المقدسين الذين كانوا في الصفوف الأولى لدفاع عن حرمهم، لا هم لنا إلا المسجد الأقصى، إذا الأقصى بخير نحن بخير».

«الله أكبر» في مواجهة جنود الاحتلال

يحاول الشاب «معتصم» كغيرهِ من الشباب المقدسي الوصول لآخر نقطة يستطيع الوصول إليها، دون أن يعترضه جندي مدجج بالسلاح، وصل بالأمس «باب الأسباط» أو كما يسميه خلال حديثه لـ«ساسة بوست» بمسرح الأحداث الرئيس، ومكث في المكان مع المئات من المقدسين.

أطفال من القدس يواجهون جنود الاحتلال (الفيسبوك)

يقول معتصم: «الأجواء هنا خطيرة للغاية، لكن الالتفاف والدعم الذي يتسابق لتقديم الأهالي يجعل المعتصمين يشعرون بالأمان ويصرون على استمرار اعتصامهم، وذلك بالرغم من الحر والضغط»، ويضيف: «كان من أكثر ما يرعب الجنود – الذين يبعدون أمتار بسيطة – هتاف المقدسيين .. كانت كلمة (الله اكبر) ترعبهم للحد الذي يوصلهم للبس الخوذة خوفًا منها».
يخبرنا «معتصم» أن ذروة الأعداد والهتافات تكون على موعد صلاة المغرب، حيث تكثر أعداد المعتصمين الذين يكون بعضهم قد انشغل في أموره الحياتية، ثم يكثر حضور الوجهاء والشيوخ، موضحًا أن أكثر المواقف التي تأثر برؤيتها خلال اعتصامه كانت حضور رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذوكس المطران «عطا الله حنا» ومشاركة المسلمين احتجاجهم ورفضهم للتضييق والتعدي على المقدسات، كما سعد كثيرًا بمشاركة زائري مدينة القدس من الأتراك للاعتصامات ووقوفهم مع أهل القدس، يقول لنا: «المقدسيون لن يقبلوا بالبوابات الإلكترونية بأي شكل من الأشكال، قدموا الكثير، ولن يتوقفوا حتى زوال البوابات هذا هدفهم وهذا مرادهم».

مواطنو أراضي 48 حاضرون في اعتصام المقدسين

ترك الحاج «محمد محاميد»، صاحب الواحد والستين عامًا، وسائل الراحة المتوفرة في منزله بمدينة «أم الفحم» الواقعة في إسرائيل، وعجل للالتحاق بحافلة عامة خصصت لتوجه أهالي المدينة نحو المسجد الأقصى.
وتحت أشعة الشمس، جلس «محاميد» أمام باب الأسباط رافضًا الدخول عبر البوابات الإلكترونية، جاء وهو مستعد لقضاء الكثير من الساعات في الطرقات وعلى الأرصفة، يصلى ويرابط غير آبه بجنود الاحتلال وأسلحتهم، يقول عن هذه البوابات: «هذا وضع مهين وإذلال لنا وهو مرفوض رفضًا تامًا؛ لأن هذه البوابات هي نفسها في المطارات والمعابر، وليست جديدة علينا، إذ إننا نرى ماذا يحصل لنا فيها من إذلال ومعاملة مهينة».

الحاج، محمد محاميد (موقع 48)

أيضًا، وبالرغم من الحواجز المتعددة في الشوارع الرئيسة للبلدات العربية في إسرائيل، تمكن المحامي المتخصص في شؤون القدس والأقصى «خالد زبارقة» من الوصول إلى القدس من مدينة الناصرة بعد ثلاث ساعات قطعها في الطريق، «زبارقة» كغيره من مواطني بلدات الجليل والمثلث والنقب والساحل اعترضت شرطة الاحتلال الإسرائيلية الحافلات والسيارات التي تقلهم للصلاة في المسجد الأقصى.

يقول «زبارقة»: «تراكم لدي المقدسيين وأهلنا في الداخل وعي كبير بالنسبة لمجموعة قضايا أهمها قضية المسجد الأقصى، لذلك كان إصرارهم على خوض هذه المعركة نابع من وعيهم، لقد تكونت لديهم حالة الوعي الجمعي لذلك نحن نلمس وحدة موقف بين أهلنا جميعًا».

ويوضح «زبارقة» لـ«ساسة بوست» أن الاعتصامات وما يدور حولها ستشكل حالة وعي عند الأمة كلها؛ وذلك لكونها حققت الكثير من الإنجازات، منها أنها أعادت القدس والأقصى إلى الأجندة، وحولت هذه الاعتصامات البوصلة المنحرفة نحو الاتجاه الصحيح، مضيفًا: «عدا أنها أداة تعبئة قل مثيلها».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد