أزيلت تلك السقّالات الحديدية والألواح الخشبية التي حجبت الجمال الرخامي البهي لقبة الصخرة وقبة المسجد القبلي في الحرم القدسي، وأصبح بإمكان المصلين والزائرين التقاط الصور التذكارية مظهرين الزخارف الفسيفسائية لواحدة من أجمل أبنية التحف المعمارية.

انتظرت هذه اللحظة ثمانية سنوات هي عمر الترميم الأول الذي عمل عليه 70 خبيرًا وفنيًّا، تمكنوا من إعادة الفسيفساء والزخارف لجمالها الأول حتى تفاجأ رواد المسجد الدائمين من هذه الحلة، لقد تمكن فريق العمل من وضع تلك الزخارف بزاوية مائلة بمقدار 45 درجة حتى تعكس أشعة الشمس، وتظهر الزخارف كأنها لؤلؤ.

ترميم قبة المسجد القبلي

يقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من القدس، الحرم القدسي على مساحة تقدر بـ260 مترًا مربعًا، محاط بسور فُتح منه خمسة عشر بابًا، تتعدد منشآت الحرم ذات المعمار الإسلامي، مآذن ومنابر ومحاريب وأسبلة وقباب، بالطبع أبرزها قبة الصخرة والمسجد الأقصى.

مع بداية العام 2014 بدأت عملية ترميم فسيفساء قبة المسجد القبلي (الجامع الأقصى) ذي القبة الرصاصية اللون، وذلك على مساحة تزيد عن 240 مترًا مربعًا، تم ذلك على أيدي خبراء إيطاليين وخبراء محليين تدربوا في الخارج على آلية ترميم الزخارف الجصية في المسجد.

كان الهدف من الترميم إعادة القبة إلى ما كانت عليه، إذ تعرض المسجد القبلي للحرق من قبل المتطرف اليهودي الأسترالي مايكل روهان في العام 1969، وهو ما أدى إلى تدمير منبر صلاح الدين الأيوبي، والواجهة الجنوبية للمسجد، حسب خبراء مقدسين.

وكان التحدي الكبير الذي واجه الحرفيين والمهندسين المشرفين على هذا العمل هو بناء منبر صلاح الدين الأيوبي، فقد عملوا على «تجميع 16.500 قطعة بعضها لا يتعدى طوله المليمترات القليلة، في بناء فني طوله ستة أمتار بدون استخدام مواد تثبيت من صمغ أو مسامير أو البراغي أو الغراء»، كما جاء في تصريح مكتوب، صدر عن الديوان الملكي الأردني آنذاك.

يقول مدير الأوقاف الإسلامية في القدس عزام الخطيب: «تم تثبيته باستخدام طريقة التعشيق لإنتاج ما يمكن تسميته بفن المنبر، الذي تمثل في فنون الزخرفة الهندسية والزخرفة النباتية والخط العربي والمقرنصات والخراطة والتطعيم بالعاج والأبنوس والتعشيق، وهي الأنماط الستة الرئيسية المكونة للفن الإسلامي«.

قبة الصخرة تستعيد زخرفتها

«هي الآن طبق الأصل لما كانت عليه، بدون أي تغيير أو تعديل«، لم تعد قبة الصخرة لأصلها كما قال مدير الأوقاف الإسلامية في القدس عزام الخطيب إلا بعد عمل مضني استمر ثمانية سنوات لترميم القبة الداخلية التي لحق الخراب برسوماتها وزخارفها بسبب العوامل الطبيعية.

أيدي مهرة بدأت بترميم الفسيفساء والزخارف الجصية منذ العام 2008 وانتهت في يونيو (حزيران) العام 2016، كان يجب أن تجري عملية الترميم ببطء لأن إعادة قبة الصخرة إلى شكلها وألوانها ورسوماتها وزخارفها المتنوعة هي عملية معقدة تحتاج دقة متناهية، فهي قبة بارتفاع 35 مترًا، يعلوها هلال بارتفاع 5 أمتار، لقد عكف فريق العمل على تلوين رسوم الفسيفساء وزخارف القبة والأشكال الهندسية بعد صيانتها من الداخل للخروج بأشكال زخرفية نباتية وهندسية، استخدموا فُرَشًا، وسكاكين صغيرة، وملاقط خشبيّة، وبراغي للتثبيت، وكلف الترميم «الصندوق الهاشمي الأردني لإعمار الأقصى وأوقاف القدس« ملايين الدولارات كونه على مساحة 1800 متر مربع.

يقع مسجد قبة الصخرة ذو القبة المطلية بألواح الذهب في قلب الحرم القدسي الشريف، وهي أقدم معلم من معالم الحضارة الإسلامية، يحدها الجدار الشرقي للحرم، وهي تشكل أعلى بقعة في الحرم الشريف، أنشأها الخليفة عبد الملك بن مروان خلال عامي (691-692م) فوق صخرة المعراج المشرفة، التي أسرى إليها النبي محمد، وعرج منها إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج، كما هو مذكور إسلاميًا.

التذهيب مهمة الحاج «سُميرة»

تكسى جدران مبنى قبة الصخرة بأضلاعها الثمانية بالبلاط القيشانيّ أزرق اللون، ولها شبابيك خارجية ستة مصنوعة من الجبس، ومزخرفة بزجاج ذي أشكال هندسية، في حين صُنِعَت الشبابيك الداخليّة من الزجاج المعشق.

واحد من أهم العاملين في ترميم قبة الصخرة هو عضو لجنة إعمار المسجد الأقصى الحاج سيف الدين سُميرة، تخصص الرجل في تذهيب زخارف المسجد الأقصى الجبسية والرخامية، لذلك كان ضمن فريق ترميم زخارف قبة الصخرة التي انتهى العمل منها مؤخرًا.

تبدأ مهمة الحج سُميرة بتهيئة مكان الزخرفة ثم تنعيمها وطلائها بمادة «الشلق» التي تعمل على إغلاق المسامات الجبسية، ثم يقوم الرجل بوضع مادة لزجة وشفافة لتبيت الإغلاق، وتنقله الخطوات السابقة لعملية التذهيب التي يستخدم فيها ذهب عيار 24 قيراطًا، مستورد من فرنسا أو إيطاليا؛ يقص الحاج سُميرة الورق الذهبي بمساعدة فريق العمل حتى تناسب كل قطعة منه الزخرفة التي يراد تذهيبها، وبعد تثبيت القطعة تطلى بمادة معنية لتخفيف إشعاع الذهب وحتى يبدو كذهب قديم.

https://www.youtube.com/watch?v=C_IoM51SqZQ

تقول هبة أصلان: «تتكون القبة نفسها من ثلاثة أقسام؛ هي الرقبة المشغولة بالفسيفساء، والقبتان الداخليتان اللتان يبلغ ارتفاعهما أربعة وثلاثين مترًا، وهما مشغولتان بالخشب والجبس والألوان والذهب، والقبة الخارجية المصنوعة من معدني النحاس والنيكل المطليّين بالذهب، وقد احتاجت القبة الخارجيّة عند ترميمها آخر مرة إلى ثمانين كيلو من الذهب»، وتضيف: «استخدم الفنيون ثلاثة ألوان رئيسية سيطرت على زخارف قبة الصخرة، هي الأخضر والأزرق والذهبي، إضافة إلى مشتقاتها وألوان أخرى ثانوية».

ويؤكد المحاضر في قسم العمارة بجامعة النجاح الوطنيّة، الدكتور هيثم الرطروط: «على وحدة المضمون والطابع الفني اللذين تعكسهما زخارف قبة الصخرة، وأن جماليتها ترتبط بالمكان الذي وُجِدَت فيه، إذ أنّها مبتكرة وتتكامل مع تصميم المبنى المعماري، كما أنها وثيقة الارتباط بالفكر والفلسفة الإسلاميين»، ويتابع الرطروط القول: «الوحدات الزخرفية في مباني المسجد الأقصى متنوعة النماذج، منها النباتية والهندسية والكتابية، وتُعْرّفُ تلك الوحدات بأنها كل عمل زخرفي يتكون من وحدات أساسية متداخلة ومتناصفة ومتوازنة، عن طريق التكرار والتشعب والتناظر والتماثل والتعاقب، وقد صُمِّمَت تلك النماذج وفق معايير محدّدة، من حيث التجريد ومخالفة الواقع».

الاحتلال لم يكف عن عرقلة الترميم

يقع على رأس الاعتداءات الإسرائيلية تجاه المسجد الأقصى، محاولات منع إعماره التي تؤكد على معالم وهوية المسجد الإسلامية وهو ما لا تريده، لم تتوان دولة الاحتلال عن وضع العراقيل، كمنع إدخال مواد الترميم، واشترطت لهذا الدخول تصريحًا منها حتى لو كانت عبارة عن كرتون.

وكررت منعها لموظفي لجنة الإعمار من الدخول لاستكمال أعمال الترميم داخل مسجد قبة الصخرة المشرفة، بل اعتقلت بعض موظفي اللجنة أثناء قيامهم بأعمال الترميم وسحبت هوياتهم الشخصية، ووصل الأمر ذات مرة لاعتقال مدير مشاريع لجنة الإعمار، المهندس بسّام الحلّاق، رغم أنه موظف في وزارة الأوقاف الأردنيّة، ومكلّف من إدارة الأوقاف الإسلاميّة بمهامه تلك.

يقول مدير الأوقاف الإسلامية في القدس عزام الخطيب: «نعاني كثيرًا من التعقيدات الإسرائيلية في إدخال مواد الترميم، لا سيما أن السلطات الإسرائيلية تحاول التدخل بعملية الترميم ذاتها، وهو تدخل خطير جدًا، ومن ناحيتنا فإننا لن نسمح لأي جهة، مهما كانت، بالتدخل في عملية الإعمار التي نُنفذها«، ويوضح الخطيب: «هناك نحو 15 مشروعًا عرقلتها سلطات الاحتلال، إذ كانت تشترط الحصول على إذن منها للبدء بأعمال الترميم، إضافة إلى اشتراطهم مشاركة موظفي سلطة آثار الاحتلال، وقد رفضت أوقاف القدس ذلك جملةً وتفصيلا».

عرض التعليقات
تحميل المزيد