800

وسط أجواء أمنية مشددة يعيشونها منذ أيام، تلقى أهالي مدينة العريش الواقعة شمالي سيناء في مصر ضربة موجعة بتصفية عشرة من أبنائهم على يد قوات الشرطة المصرية، بعد الكشف عن أسمائهم في بيان لوزارة الداخلية المصرية، لتحمل حكاياتهم ما يُؤكد على أنّهم كانوا قيد الاعتقال حين تمت تصفيتهم في أحد المنازل.

ووفقًا لبيان الداخلية المصرية، فإن قتلها هؤلاء الشباب، كان ردًا على هجوم نُفذ على كمين المطافي، الاثنين الماضي، في حي المساعيد بالعريش، وهو الهجوم الذي وُصف بالأسوأ في تاريخ المدينة، منذ ثلاث سنوات بدأت خلالها الحرب بين قوات الأمن المصرية، وتنظيم «ولاية سيناء». وبحسب الرواية الرسمية، فقد أسفر الهجوم عن مقتل ثمانية رجال شرطة، ومدني واحد، وأعلن «ولاية سيناء» مسؤوليته عن هذا الهجوم الذي نفذه بتفجير سيارة، وإطلاق نيران.

حكايات من تعرضوا للتصفية

«ربنا يفك سجنه واعتقاله ويرجعه لك على خير يا حاج يوسف»، على هذا المنوال كانت التعليقات على صورة جمعت الوالد مع ابنه «أحمد يوسف رشيد»، المختفي قسريًا منذ الشهر الأول لزواجه، في أُغسطس (آب) 2016.

انتهت التعليقات الراجية اطمئنان الوالد على ولده، صباح السبت 14 يناير (كانون الثاني) الجاري، واستبدل بها تعازيَ ملأت الصفحة الشخصية لوالد أحمد يوسف، على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»؛ وذلك بسبب نبأ تصفية أحمد على يد قوات الشرطة المصرية، هو و10 آخرون.

هناك أيضًا «محمد محمود المطري» (21 عامًا)، الذي كان قد اُصيب برصاصة طائشة في كمين للجيش بحي الزهور جنوب العريش، بترت ساقه على إثرها، قبل أن يختفي هو الآخر، ثم تظهر جثته مع غيره ممن صفتهم قوات الشرطة المصرية أخيرًا.

صُفّي كذلك «بلال محمد حمدان النجّار»، الذي يصغر المطري بعام واحد، بعد اختفائه قسريًا لأسابيع، كما لحق به من بين من صفوا، «منصور أبوجامع» (27 عامًا)، الذي كانت قد اعتقلته قوات الأمن من منزله في منطقة كرم أبونجيلة بالعريش.

وممن تمت تصفيتهم أيضًا، «محمد إبراهيم أيوب» (22 عامًا) من قبيلة الفواخرية، وكان يعمل سائقًا لسيارة أجرة، قبل أن يُعتقل منذ نحو شهرين، ثُم يُعرض جثمانه بين من صفتهم الشرطة المصرية في العريش. هناك أيضًا «محمد طلال قدري أبوشيتة» (26 عامًا)، كان يعمل مُحاسبًا، قبل اعتقاله في سبتمبر (أيلول) 2014، وهو في طريقه إلى العمل في مصنع إسمنت. أما «عبد العاطي علي عبد العاطي» (25 عامًا)، فقد تصادف اليوم الذي قتلته فيه الشرطة المصرية، اليوم الـ100 لاعتقاله، منذ أكتوبر (تشرين الأوّل) الماضي.

شواهد عدة تفند الرواية الرسمية

ما أن أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن عملية التصفية، حتّى عجّل الأهالي والنشطاء من مدينة العريش بتفنيد رواية الداخلية؛ إذ أثبتت منشورات سابقة لذوي الضحايا، على فيسبوك، أنهم كانوا مختلفين قسريًا، أو معتقلين لدى جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا) في العريش.

على سبيل المثال، يظهر ذلك في المنشورات على صفحة والدة أحمد يوسف رشيد، المعتقل من منزله في 17 أكتوبر (تشرين الأوّل) الماضي، بعد أن اعتدت عليه القوات الأمنية أمام والديه وزوجته، واعتدت أيضًا على زوجته الحامل، حتى أجهضت في الحال.

تُثبت إذن هذه المنشورات المؤرخة بتواريخ سابقة على عملية القتل تلك، أن العملية ليس إلا تصفية جسدية لمعتقلين لدى الأجهزة الأمنية بالفعل، وهو ما يراه البعض نهجًا اتخذته الشرطة المصرية لتغطية «فشلها» الأمني أمام الرأي العام، خاصة وأنه قد تكررت عمليات التصفية الجسدية لمعتقلين، من بينها عمليات تصفية لمعتقلين في مدينة رفح.

من جانبها، فندت صفحة «سيناء 24» على فيسبوك، مقطع الفيديو الذي نشرته صفحة وزارة الداخلية المصرية، على أنه يُصور عملية قتل من أسمتهم «عناصر متورطة في أحداث إرهابية»، وقالت الصفحة «الوزارة نسيت أن من يقوم بالتصوير يجب أن يكون خلف القوات المدججة بالسلاح، التي تلبس واقيات الرصاص، وليس بالجهة التي تختبئ القوات لتصلها، حيث أظهر المقطع أنه مُصور من الوضع الأمامي لهذه القوات، وهي تقتل أحد أولئك الشباب».

وعلّق البرلماني السابق، «يحيى عقيل العقيل»، على ما حدث، قائلًا «تم تصفية 10 من الطلاب يقيمون في مدينة العريش، والادعاء أنهم إرهابيون. قتل على الأَسرّة، وبدم بارد، وإلقاء قطعة سلاح إلى جوار كل واحد، وتسويق ذلك في إعلام الانقلاب، ثم نسأل عن التهدئة والاستقرار في سيناء، أهل العريش عاوزين تفسير للحدث».

على نقيض ما رواه الأهالي وما قُدّم من أدلة، جاءت الرواية الرسمية لتشير أن قوات الشرطة أثناء اقتحامها أحد المنازل قتلت جميع من كانوا فيه بعد تبادل إطلاق النار معهم، بحسب بيان الوزارة، الذي قال «عناصر المجموعة فتحوا النار على قوات الأمن أثناء اقترابهم من مخبئهم في منزل مهجور في مدينة العريش»، رابطًا بين من قال إنهم مسلحون وببن تنظيم «ولاية سيناء».

اجتماع عائلات العريش

وبالرغم من خطورة الأوضاع الأمنية في مدينة العريش، إلا أن تصفية العشرة شبان، دفعت عائلات العريش إلى الاجتماع في ديوان «آل أيوب»، مطالبين بمعاقبة القيادات الأمنية المصرية التي تورطت في دماء الشباب المعتقلين.

وهدد الأهالي بإعلان العصيان المدني الجزئي أو الشامل، مع تكوين لجان لمناقشة الأهالي في جميع شوارع ومناطق العريش؛ وذلك في حالة عدم تنفيذ مطالبهم. وتضاف مجموعة من القرارات لهذا الاجتماع، منها رفض لقاء وزير الداخلية على اعتبار أنه «خصم للبلد»، كما طالبوا بالإفراج الفوري عن المعتقلين والمختفين قسريًا؛ إذ «لم نعد نأتمن عليهم أحد» كما قال المجتمعون، مقررين الاجتماع يوميًا في ديوان آل أيوب حتى تنفيذ مطالبهم.

وقال أحد النشطاء المقيمين في سيناء، وقد رفض الإفصاح عن هويته: إن وجود أربع جثث مجهولة حتى الآن «يرعب» سكان مدينة العريش، وخاصة أهالي المختفين قسريًا، مُضيفًا لـ«ساسة بوست» «الناس قلقة جدًا على أبنائهم المختفين»، واصفًا موقف أهالي المدينة في الاجتماع الذي خرج بعدة قرارات، بأنه موقف «جديد ومفاجئ»، متوقعًا أن تتخذ السلطات المصرية خطوات للتهدئة، ردًا على هذا الموقف الجماعي لأهالي المدينة.

رسائل تحملها «التصفية الجسدية»

تزامنًا مع اجتماع قبائل وعائلات العريش آنف الذكر، أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن تصفية مواطن في نهاية الثلاثينات من العمر، وهو «حمدان سليمان سالم النخلاوي»، بعد «اشتباكه» معها حسب بيانها، قائلةً: إنه من قيادات تنظيم «ولاية سيناء». وتُظهر الصورة التي نشرتها الداخلية المصرية، أن الرجل قُتل في ـ ما يبدو أنه ـ منزله، وهو يجلس أمام موقد نار (راكية النار)، ويحتسي الشاي كما يتضح.

وتستمر الشرطة المصرية في عمليات التصفية الجسدية لمعتقلين، أو آمنين، خارج إطار القانون، دون رادع أو عقاب، فيما تسجل محافظة شمال سيناء النسبة الأعلى بين المحافظات المصرية في التصفية الجسدية.

وتظهر أرقام رصدها المرصد المصري للحقوق والحريات في يونيو (حزيران) العام الماضي، أن هناك 681 حالة قتل خارج إطار القانون لمواطنين على يد قوات الجيش والشرطة، دون أن يُحقق في حالة واحدة منها.

وفي حديث لموقع «الجزيرة نت»، قال «أحمد مفرح»، مسؤول الملف المصري في منظمة «الكرامة» لحقوق الإنسان: إن «سياسة اغتيال المعارضين أو المشتبه بهم ترتكب بشكل ممنهج من قبل قوات الجيش والشرطة في شمال سيناء، منذ سبتمبر (أيلول) 2013»، مُضيفًا أن ذلك أودى بحياة أكثر من 800 مواطن، و«أوجد حاضنة شعبية للعمليات المسلحة ضد الشرطة والجيش، ثم انتقلت إلى باقي المحافظات منذ بداية العام الجاري».

وأضاف مفرح «الداخلية تسعى من وراء زيادة هذه العمليات إلى تأجيج الوضع الداخلي في باقي المحافظات، وخلق مناخ مشابه للأوضاع في شمال سيناء؛ مما سيؤثر بشكل كبير على السلم المجتمعي ويزيد من انتشار العنف وشريعة الغاب».

خلل أمني

تكاثفت عمليات تنظيم «ولاية سيناء» التابع لـ«تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، في سيناء، لتكشف عظم الخلل الأمني للشرطة والجيش المصري، وقد شهدت مدينة العريش على وجه التحديد عمليات نوعية ليس آخرها هجوم «كمين المطافي».

وتظهر مقاطع الفيديو التي ينشرها التنظيم عقب كل عملية، حجم الخلل الأمني في سيناء؛ إذ يبدو أن التنظيم قادر على استهداف أفراد الجيش والشرطة بسهولة، بالرغم من التحصينات والإجراءات الأمنية المشددة، وتظهر المتابعة الأخيرة لسلسلة عمليات التنظيم أن مدينة العريش التي كانت تعتبر أكثر بعدًا عن التنظيم من معقله في مدينة الشيخ زويد ورفح، باتت مسرح لعملياته بشكل كبير، وذلك لانتقاله نحو مركز ثقل عمليات الجيش والشرطة.

يقول الخبير الأمني «محمود قطري» لصحيفة «العربي الجديد» «هناك خلل أمني كبير في مواجهة الإرهابيين، في سيناء. وما يحصل ليس وليد الأمس، وحذّر كثيرون من تأثيرات ذلك».

ويرى قطري أن «ولاية سيناء» استطاع بدرجة كبيرة، النجاح في «مخطط إيجاد ثغرات أمنية لتنفيذ عملياته»، قائلًا «الكل يعلم أن مواجهة الإرهاب تحتاج فترة طويلة لاقتلاع جذوره، إلّا أن الفشل الأمني يصعّب من المسألة، ويطيل مدة المواجهة».

تعليقات الفيسبوك