1,892

إرهابيّون يخطفون الأطفال في سوريا وروايات أخرى

يشعر الجندي «سترايب» بصدمة كبيرة حين يقابل امرأة من «الجماعة الإرهابية» التي تُرِهِبُ سكان القرى، ليكتشفَ أنها هيَ وابنها ليسا إلا أناسًا عاديين تمامًا، بسيطين ولا يريدان إلا ما يريده الجميع من الحياة.

تشرحُ المرأة له وهي ترتجفُ خوفًا أن الحكومة قامت بزرع تكنولوجيا مطوّرة عصبية تقوم بتغيير حواسه، وجعلِه يرى الأعداء على أنهم مسوخ وغير إنسانيين، ليستطيع سحقهم دون رأفة.

مع أن هذه ليست إلا أحد سيناريوهات مسلسل الخيال العلمي البريطاني «بلاك ميرور»، إلا أن الباحث الفرنسي بيار كونيسا يؤكد في كتابه «صناعة العدوّ: أو كيف تقتل بضمير مرتاح» –الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- أن البروباغندا والتجييش الإعلامي لا يقل أثرهما أبدًا عن ذلك السيناريو، إذ يتم خلق العدوّ باحتراف إلى درجة يمكن فيها استخدام أقسى وأشنع أنواع الأسلحة عليه، وذلك عبر نزع الإنسانية عنه وتصويره بمثابة تهديد للأمن والمبالغة دائمًا بشأنه، فـ«المراسل الصحافي يؤدي دورًا بحجم كتيبة عسكرية على الأرض».

فهل استطاع النظام السوري تحقيق هذه المعادلة؟ وكيف استطاع إقناع رجاله للوصول إلى استخدام الأسلحة الكيماوية التي تلقى استنكارًا دوليًّا؟

نستعرضُ هنا بعض من تبريراته إثر كل مجزرة كيميائية جديدة.      

الكيماوي.. خطأ من المعارضة

جاء تفسير المحلل السياسي ناصر قنديل، صاحب شبكة توب نيوز الإخبارية للسبب الكامن وراء المجزرة الكيميائية في الغوطة عام 2013 أنه ليس إلا خطأ لم تحسب حسابه المعارضة، فوفقًا لتصريحات ناصر قنديل، قتلى الغوطة هم ضحايا لخطأ من المعارضة المسلحة، فأثناء تجهيزهم للكيماوي وتعبئته في الرؤوس الصاروخية بدأ يفيض من الأسطوانات ويتسرب في الجو ويقتل النساء والأطفال في الغوطة؛ في إشارةٍ إلى أن المعارضة هي من يستخدم الكيماوي عادةً ضد السوريين.

ناصر قنديل نفسه كان قد أكّد من قبل أن كل ما حصلَ ويحصلُ في سوريا هو فقط من أجل مدّ خط أنبوب غاز قطري تركي عبر الأراضي السورية بميزانية 100 مليار دولار، وأن هنالك «أمير قطري يُدعى حمد قال إنه مستعدّ لدفع هذا المبلغ لإسقاط سوريا» وفقًا لوصف قنديل، فسوريا بالنهاية هي عقدة أنابيب النفط والغاز، وكل هذه القوى المعارضة في سوريا هدفها تحقيق هذا الحلم القطري التركي.

المعارضة تخطف الأطفال

لدى الدكتورة بثينة شعبان مستشارة القصر الجمهوري رواية مختلفة عن ناصر قنديل، إذ قالت بثينة لقناة سكاي نيوز الإنجليزية: «إن الحكومة السورية ليست مسؤولة عن اعتداءات 21 أغسطس (آب)، بل المسؤول عن ذلك هي المعارضة حيث قامت باختطاف الأطفال والرجال المدنيين من قرى اللاذقية وأحضرتهم إلى غوطة دمشق، ومن ثم وضعتهم في مكان واحد لتستخدم ضدهم الأسلحة الكيميائية»، ووصفت ذلك بـ«الحقيقة التي يعرفها الجميع».
وفي هذا التصريح غمزٌ إلى أن ضحايا هذا الهجوم هم من أبناء الطائفة العلوية، في رسالة مبطّنة بأن الحرب هي حرب أهليّة طائفية، وليست ثورة شعبية، والقرى التي قالت بثينة إن الأطفال اختطفوا منها تبعد قرابة 380 كم عن الغوطة، ونقل الأطفال منها إلى مناطق المعارضة في الغوطة يستلزم المرور عبر عشرات الحواجز الأمنية التابعة للنظام، وأكثر من ست ساعات لتتم عملية نقلهم بالكامل، ما لا يترك المجال في هذا السيناريو المفترض إلا أن يكون النظام شريكًا في عملية الخطف هذه.

وبعد أشهرٍ من هذا التصريح عادت بثينة شعبان في لقاء آخر لها عبر قناة سكاي نيوز العربية لتقول: «هناك دراسة من (مركز محترم) في الولايات المتحدة أفادت بأنه من المستحيل أن تكون الحكومة هي من قامت بالهجوم الكيميائي بل الإرهابيون». مطالبةَ الإعلام بأن يكف عن «نشر أشياء من غير تحقيق»، لكن شعبان نفسها تركت الخبر مبهمًا دون أن نعرف من هو هذا (المركز)، و(كيف أثبتَ) ما أثبته رغم كل الإثباتات الدولية التي تجرّم النظام.

وقامت شعبان بالتملّص من العديد من الأسئلة التي وُجّهت إليها مكتفيةً بالتبرير «أن كل من هم في الخارج لا يحقّ لهم الحديث أو الحكم»، وأنه «لا أحد يعرف المعارضة كما أعرفها أنا»، وأنها «هي التي في داخل سوريا وهي من يحقّ لها الحديث»، رغم أن المعارضة السورية بتنظيماتها ومناطقها في الداخل أيضًا؛ ومن بينهم ضحايا للمجزرة.

سمة التصريحات التناقض والإنكار

تضاربت تصريحات النظام حول الهجمات الكيميائية في خان شيخون، كما هو الحال في الهجمات على غوطة دمشق، فبعد مجزرة الغوطة اتهمت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة قنوات «الفتنة والتضليل» بمحاولة إبعاد لجنة التحقيق الأممية المبعوثة إلى سوريا عن هدفها بالتحقيق في مجزرة خان العسل جنوبي حلب، وأن «كذبة الكيماوي في الغوطة» تعكس «حالة الهستيريا والتخبط والانهيار
التي تعانيها العصابات الإرهابية في سوريا».

عادت الحكومة السورية لتتهم «المجموعات المسلحة» بشكل مباشر بأنها هي من قصف الغوطة الشرقية بالسلاح الكيماوي، وأنها شنت الهجوم من المناطق الخاضعة لسيطرتها لإعطاء ذريعة لقوى التحالف الأجنبية للتدخل عسكريًّا في سوريا، وتابعت روايتها هذه في مناسبات لاحقة عبر تأكيدها أن جنودًا سوريين عثروا على أسلحة كيميائية في أنفاق المعارضة في جوبر، وأن بعضهم تعرض للاختناق، فيما اتهم حليف النظام الروسي المعارضة بقيامها بالمجزرة لغاية الاستفزاز.

أما وزير الخارجية السوري وليد المعلم خرج متحديًا بالقول: «إن سوريا لم تستخدم أسلحة كيميائية، ومن لديه دليل على أن الحكومة قد شنّت هجمات بها فليأت به»، ليجيء تقرير مفتشي الأمم المتحدة مؤكدًا استخدام السلاح الكيميائي في سوريا في خمسة مواقع من ضمن سبعة شملتها التحقيقات حينها، منها منطقة الغوطة، فيما وجهت منظمة الهيومن رايس ووتش أصابع الاتهام نحو قوات النظام السوري في مجزرة 21 أغسطس (آب)، بعد عملية تحليل مكثفة.

مرة أخرى تتضارب روايات النظام بعد مجزرة خان شيخون الأخيرة في ريف إدلب، إذ أدانت المؤسسة العسكرية الخاصة بالنظام الهجوم، محمّلة فصائل المعارضة المتحالفة مع جبهة النصرة المسؤولية، وأنها أبلغت المنظمات الدولية المعنية قبل أيام بأن المعارضة قد أدخلت من تركيا غازات سامة لأهداف عسكرية، مشيرة إلى تورط تركيا أيضًا، ودعمها لامتلاك المعارضة أسلحة كيميائية، وأن مصنعًا لتجهيز الصواريخ المحملة بالغازات السامة في خان شيخون بريف إدلب انفجر، ما أدى إلى مقتل وإصابة العاملين فيه، وتسرب المواد السامة تسبب بدوره في إصابة مدنيين على مقربة منه، وعدد من الأطفال.

وجاء بعده تصريح الحليف الروسي ذو الشطرين؛ شطر يؤيد رواية النظام، والثاني يدينه، حيث قال مؤكدًا: «أن القصف كان بطائرات سورية»، ومفاد هذا التصريح تبرئة سلاح الجو الروسي، وأكدت روسيا أيضًا أن أهداف طائرات النظام كانت معملًا للمتفجرات يخص المعارضة، وكان يحتوي على غاز السارين الذي تسرب نتيجة للقصف، مع إبقاء علم النظام بوجود السارين من عدمه مبهمًا.

الناشط السوري هادي العبد الله يتجوّل موضع المصنع المزعوم حيث حصلت المجزرة

وتتضمن الرواية الروسية إدانة ضمنيّة للنظام السوري، فإن كان الأخير يعلم بوجود غاز السارين مع المعارضة في هذه المنطقة، كيف يقوم بقصف المصنع والتسبب بهذه المأساة للمدنيين هناك، بالإضافة إلى قول المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف بأن هذا المستودع احتوى على ذخائر أسلحة كيميائية تم نقلها إلى البلاد من العراق، رغم عدم وجود «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) في مناطق المعارضة المحاصرة هذه.

لكن المجزرة الكيماوية لم تحصل أصلًا!

بعد كل التصريحات أعلاه، والتبريرات من قبل قوات النظام وحلفائه حول مجزرة خان شيخون، نشرت وكالة سبوتنيك الروسية عبر موقعها العربي خبرًا مفاده أن مجزرة الكيماوي ليست إلا تمثيلية، إذ أوردت الوكالة تقريرًا قالت إنه تابع لـ«منظمة أطباء سويديين لحقوق الإنسان»، وقالت فيه: «إن منظمة أطباء سويديين لحقوق الإنسان كشفت خداع الخوذ البيضاء»، وأن من يسمون أنفسهم منقذين ومتطوعين لم ينقذوا الأطفال السوريين؛ بل على العكس قاموا بقتلهم
من أجل تصويرهم، حيث قام أصحاب الخوذ البيضاء

بتخدير الطفل بمخدر عام، ويظهر الطفل وهو يحتضر بسبب زيادة جرعة المخدر، وأنه لم تظهر على الأطفال أي أعراض تسمم بالغازات الكيميائية.

«الخوذة البيضاء».. أخطر وظيفة في العالم تُغضب «الأسد»!

لكن المنظمة نفسها أصدرت بيانًا كذّبت فيه وسائل إعلام النظام، ونفت فيه اتهامها لرجال الخوذ البيضاء بقتل الأطفال عمدًا، معتبرةً أن هذه الصياغة هي تمامًا غير دقيقة، ولا تمثل موقفها من القضية المذكورة؛ مؤكدة أيضًا أن استنتاجاتها لا تتهم أو تؤكد أن العنصر الذي قام بعملية الإنقاذ تعمّد قتل الأطفال، وأن السبب الحقيقي للموت يظهره الطب الشرعي.

تعليقات الفيسبوك