تزامن صعود بشار الأسد إلى السلطة في بداية الألفيّة الجديدة في سوريا مع صعود مجموعة كبيرة من رجال المال، أتاحت علاقتها مع الرئيس الشاب آنذاك الحصول على امتيازات لافتة، حتى باتوا شبه مُحتكرين لكافة القطاعات الاستثمارية في سوريا، لتتجاوز هذه الاستثمارات حدود الداخل السوريّ إلى أسواق خارجيّة.

صعدت هذه النخبة المالية في سُلم الصّعود مع الأسد الابن؛ كلاهما يخطو خطوات واثبة نحو مزيد من الهيمنة والنفوذ السياسي والمالي؛ قبل أن تبدأ وقائع الثورة السورية في مارس (آذار) 2011، ويصير هذا الصعود مهدّدًا تحت نيران الثوار السوريين، فتشتعل ذروة الأحداث، وتبدأ معركة جديدة لهذه النخبة في الحفاظ على مكتسباتها، والدفاع عن سُلطة رجلهم المُفضل، وصديقهم الذي منحهم كُل الامتيازات.

استدعى بشار الأسد هذه النخبة للحفاظ على نشاط الاستثمارات داخل بلاده؛ باعتبارها محاولة للبقاء والتحايل على هروب الاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن  توزيع مهام مختلفة عليهم في معركة البقاء على السلطة.

يرسم التقرير التالي صورة شاملة لجنود الخفاء هؤلاء في معركة بقاء الأسد على كرسي الحُكم؛ وأدوارهم الهامة في دعمه ماليًا، وخرق العقوبات الدوليّة المفروضة عليه، للحفاظ على واجهة سوريا الاستثمارية رغم ظروف الحرب التي بدت آثارها في كُل ضاحية.

 لنتذكر جميعًا من أطلق الرصاصة الأولى.. كيف بدأت 7 سنوات عجاف من عمر سوريا؟

من هي نُخبة الأسد المالية؟

في هذا التقرير نُتابع ثلاثة من أبرز رجال المال والأعمال الذين اعتمد عليهم النظام السوريّ أثناء الحرب السوريّة الأخيرة، من أجل الالتفاف على العقوبات الاقتصاديّة المفروضة عليه.

سامر فوز.. الثريّ الذي يشتري أيّ شيء من أجل بقاء «الأسد»  

في عام 2013، بدأ اسم سامر فوز، 44 عامًا، يُتداول بين أوساط النخبة المالية العربية؛ بعد واقعة  اشتراكه مع 10 آخرين في قتل رجل الأعمال المصري الأصل – الأوكراني الجنسية «رمزي متّى»، على إثر خلافات مالية بينهما، وذلك في إسطنبول، قبل أن يقبع في السجن لأشهر معدودة، وينجح في المغادرة بعدها بالطائرة إلى دمشق.

رجل الأعمال السوري سامر فوز –  مصدر الصورة

أقر فوز بارتكاب جريمته؛ مبررًا الأمر بأن الضحية نصب عليه في مبلغ 15 مليون دولار، وفقًا لما ذكرته صحيفة «ملييت» التركية حينها، قبل أن يُثير خروجه – بعد تدخلات كبيرة لإطلاق سراحه – ملمحًا عن نفوذ الرجل الواسع.

رسمت هذه الواقعة ملامح الرجل، الذي يفعل كُل شيء من أجل توسيع إمبراطوريته المالية،  فيحتمي في أفعاله بنفوذه الواسع، متحولًا في غضون سنوات لأيقونة الاستثمار داخل سوريا وخارجها بتسهيلات حكومية، وصلاحيات مفتوحة، وبدعم مباشر من الرئيس السوري بشار الأسد.

مرت سنوات من بعد هذه الواقعة، كفلت لابن مدينة اللاذقية السورية، تصدّر اسمه في قائمة بورصات عدّة دول، ليس فقط سوريا، بل حتى دبي وإسطنبول؛ وأصبحت شركاته في قائمة «أوفشورليكس» بعدد من الملاذات الضريبية، ويصير في غضون هذه السنوات رئيسًا لمجلس إدارة «مجموعة الفوز القابضة» التي أُسست عام 1988، والرئيس التنفيذي لـ«مجموعة أمان القابضة»، والتي تتبع لها شركات «فوز» للتجارة، و«المهيمن» للنقل والمقاولات، و«صروح» الإعمار.

لاحقًا؛ انتقلت استثمارات «فوز» إلى خارج سوريا، عبر مشاريع لشركته «مجموعة الفوز القابضة» في الاستثمار العقاري في تركيا وسوريا، بجانب معمل لتصنيع المياه المعدنية في مدينة أرز رزوم، ومستودعات للتخزين بسعة 150 ألف طن في إسكندرون، كما أشارت مصادر صحافية، والتي أوضحت كذلك امتلاكه منجمًا للذهب جنوبي العاصمة أنقرة، واستثمارات في القطاع الفندقي في مدينة بودروم ومجمعات سكنية فاخرة في إسطنبول.

أطل «فوز» بواجهته من جديد؛ بعدما أدّت ظروف الحرب الدائرة في سوريا إلى هروب عشرات المستثمرين الأجانب ورجال أعمال المنشقين عن النظام إلى الخارج، وتصفية استثماراتهم؛ ليحل محلهم عبر سلسلة استحواذات على هذه الشراكات كممتلكات عماد غريواتي، رئيس غرفة صناعة دمشق السابق، التي تنوعت بين شركات إسمنت، وبلاستيك، وصناعات حديثة، وإلكترونيات، وكهرباء، وحصص في بنوك.

وامتدّت أدواره لما هو أبعد من ذلك؛ إذ سعى لسد الفراغ في قطاع الاستثمار الحكومي في أعقاب العقوبات الغربية المفروضة تجاههم، وذلك من خلال منح وزارة التجارة العام الفائت حصريًا، شركة لإنتاج السكر، والتكفل بشراء صفقات قمح من الخارج على حسابه الخاص، ومن ثم تسليمها للحكومة.

وفي واحدة من مقابلاته النادرة، أكد على حتمية المُشاركة في تعمير سوريا، ودعم النظام تجاه الجماعات الإرهابية، من أجل سوريا أفضل لأبنائه.

ولا تقف أدوار «فوز» عند المهام السابقة؛ بل شملت تمويل «قوات درع الأمن العسكري»، وهي قوّة شبه عسكرية تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتحسين صورة النظام عبر تأسيس جمعية الفوز الخيرية، كى تنشط في تقديم المنح والمساعدات في مناطق اللاذقية ومحيطها الريفي.

وقد عاد فوز إلى الواجهة مُجددًا في الأسبوع الماضي، بعدما انكشف دوره في شراء حصة الوليد بن طلال في فندق الفورسيزونز بالعاصمة السورية بمبلغ قُدر بنحو 115 مليون دولار.

«الخصم والحكم».. كيف تحاول موسكو أن تبدو وسيطًا بين الجميع في سوريا؟

نادر القلعي.. مسؤول إعادة تعمير سوريا

في (مارس) آذار 2017؛ جرى إنشاء شركة تطوير عقاري برأس مال بلغ 50 مليار ليرة سورية، أي حوالي 90 مليون دولار على يد المستثمر السوري نادر القلعي، المدير العام السابق لشركة «سيريتل»، وهي شركة يملكها رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد ورجل الأعمال الأقوى في البلاد، كمحاولة من القلعي لسد الفراغ الكبير في سوق الاستثمارات؛ عقب هروب كثير من رؤوس الأموال خارج البلاد.

رجل الأعمال السوري نادر القلعي –  مصدر الصورة

وقد مثّلت هذه الخطوة أحد الأدوار التي وزّعها بشار على رجاله؛ فنادر القلعي هو الرجل الذي منحه بشار الصلاحيات الواسعة، ورسم له دورًا يتمثل في تأسيس شركات في قطاع العقارات لسد فراغ انسحاب الشركات العقارية، والاضطلاع بأدوار الحكومة، والقيام بإدارة جميع الأصول العقارية الكبيرة التي تعود ملكيتها للمحافظات والمدن السورية التي تعرضت للتدمير، فضلًا عن تمويل إعادة الإعمار عبر شركته.

وكانت الحكومة السورية قد أصدرت في مايو (أيار) 2015، مرسومًا يسمح للوحدات الإدارية  – المحافظات والمدن والبلدات – بإنشاء شركات قابضة مملوكة بالكامل للقيام بأعمال البنية التحتية نيابة عنها، وإحداث وإدارة مراكز خدمة المواطن، ومنح تراخيص البناء، وإدارة جميع عقارات الوحدة الإدارية.

ارتبط نفوذ القلعي ابن العاصمة السورية دمشق، بصداقة قديمة مع شقيق الرئيس باسل الأسد، وبعد وفاته، بات من المقربين لآل مخلوف، إذ شارك مع رجل الأعمال رامي مخلوف في إنشاء «سيرياتيل»، وقد أتاحت له تلك العلاقة نفوذًا للتوسّع في قطاع البنوك عبر إدارة «بنك بيبلوس سوريا».

امتد النفوذ التجاري للقلعي إلى امتلاك ثلاثة شركات في لبنان، خصوصًا تلك التي تتعلق بالتبادل التجاري وتعاملات «الأوفشور»، والتي لعبت دور الوسيط التجاري لتعاملات النظام السوري  مع الخارج، من خلال فتح اعتمادات وتحويل جزء من العقود إلى لبنان، خصوصًا في ظل تجميد حسابات الحكومة السورية، ووضع عقوبات على بعض الأشخاص المُقرّبين من بشار الأسد.

وبدأت مهام القلعي في التوسّع من خلال تصميم خطط تعمير لسوريا بأوامر حكومية؛ في ظل تحريض الإدارة الأمريكيّة لكافّة شركائها الأوروبيين والإقليميين من أجل عدم المشاركة في إعادة إعمار المناطق الخاضعة لسلطة الأسد، وتأكيد وزير الخارجية الأمريكي السابق تيلرسون في إحدى خطبه عن عدم مشاركة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وباقي الشركاء في الجهود الرامية إلى إعادة إعمار المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الرئيس بشار الأسد.  

توماس فريدمان: هذا ما تسعى إليه الأطراف المتصارعة في سوريا.. لكن متى تنتهي الحرب؟

محمد حمشو.. ورقة «الأسد» الرابحة في العاصمة السورية

حقّق رجل الأعمال السوري محمد حمشو نفوذًا واسعًا داخل الأوساط المالية من خلال شراكته مع رامي مخلوف، في شركة «شام القابضة» قبل أن تتوسع إمبراطوريته المالية لتشمل عددًا من الشركات التي تباينت استثماراتها؛ مثل  مجموعة حمشو الدولية، والتي تتضمن عددًا من الشركات، منها: الشرق الأوسط للتسويق، وسوريا الدولية للإنتاج الفني، وتلفزيون الدنيا، والشرق الأوسط للمقاولات، وشركة حمشو للحديد المبروم. كما أنه شريك في شركة الشام القابضة وشركة الشهباء للاتصالات، وكان قد دخل مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق مطلع عام 2014.

رجل الأعمال السوري محمد حمشو . مصدر الصورة

طالت العقوبات الأمريكية والأوروبية حمشو منذ منتصف عام 2011، معتبرة إياه من الداعمين والمرتبطين ببشار الأسد وشقيقه ماهر، غير أن محكمة الاستئناف الأوروبية برّأته ورفعت العقوبات عنه في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2014 لعدم كفاية الأدلة. لكن وبعد أقل من أربعة أشهر على رفعها، قدّمت بريطانيا أدلة جديدة وأعاد الاتحاد الأوروبي فرض العقوبات ضد حمشو.

تمتد إمبراطورية حمشو خارج حدود سوريا؛ إذ لعبت دورًا فاعلًا في تيسير العمليات التجارية للنظام السوري؛ توضّح سجلات لبنان التجارية ظهور اسم حمشو من خلال ابنيْه «أحمد» و«عمرو» اللذين يملكان شركتي «أوفشور» هما «إيبلا ترايد سيرفزس» و«الشركة الدولية للخدمات».

كيف نجح «رجال الأسد» في تقليص الخسائر المالية؟

أدّى انسحاب قطاعات واسعة من سوق الاستثمارات داخل سوريا، وهروب رجال أعمال إلى حدوث فراغ كبير داخلها، مما شكلت عاملًا ضاغطًا على نظام بشار الأسد؛ قبل أن يتحايل على هذه المشاكل باستدعاء رموز نخبته المالية الموالية له سياسيًا، والتي حققت أرباحًا بملايين الدولارات جراء الدعم غير المسبوق قبل الثورة السورية.

Embed from Getty Images
صورة لبشار الأسد مُعلقة على جدران إحدى المدن السورية

وتمثلت مهام هذه الشخصيات في تأسيس شركات استثمارية، تعمل بالنيابة عن النظام السوري؛ جرى استخدامها باعتبارها واجهة لتعاملات السلطة، وكذلك وسيطًا تجاريًا لاستيراد كُل المستلزمات الغذائية، ومواد البناء، خصوصًا في ظل الصعوبات التي تواجه أي تعاقدات مالية يكون طرفها النظام السوري على خلفية تجميد حسابات مسئوليه وفرض عقوبات بحقهم.

وشملت هذه المهام تكليف كُلّ من سامر فوز وعماد حميشو، اثنين من كبار المستثمرين السوريين، بالشراكة في تشغيل واحد من أكبر معامل صهر المعادن، في حين يخطط آخرون لإنشاء وحدات لإنتاج الإسمنت.

يوضح ذلك أيضًا شروع الحكومة السورية في تأسيس شركات أعمال ضخمة، كشركة دمشق الشام التي تأسست في نهاية عام 2016، كي تلعب دورًا رئيسيًا في التواصل مع الشركات الخاصة، وإدارة كافة عمليّات تطوير المناطق المُدمّرة بالعاصمة، مع شركات تكون مسئولة عن إعادة تنفيذ مشاريع عقارية.

واحدة من هذه المشاريع كانت بين شركة دمشق الشام، وشركة أمان القابضة والّتي شملت  قيمتها المالية نحو 150 مليار ليرة سورية، نظير تنفيذ عدد من المشاريع المعمارية بمدينة دمشق.

ويوضح الموقع الرسميّ للشركة أنها «تعمل على إدارة واستثمار أملاك وخدمات الوحدة الإدارية (أملاك المحافظة)، وذلك من خلال تأسيس شركات تابعة أو مساهم بها، والقيام بالمشاريع التجارية والاقتصادية والاستثمارية، في مختلف القطاعات المسموح بها ضمن قانون الشركات الخاصة».

وفقًا لأيمن عبد النور، صديق الأسد أثناء الدراسة الجامعية، ومستشاره السابق الذي غادر سورية في 2007 والتحق  بالمعارضة لموقع «الحرة» فإن: «هذه النخبة المالية هم من يساعدونه على الاستمرار. الحكومة لا تحصل على أي دخل، ولا أحد يدفع ضرائب ولا يصدّرون النفط. إنها مسألة حياة أو موت، وهم يشاركون في كل ما يمكنهم المشاركة. تجد شبكات تعمل في أوروبا والشرق الأوسط وخصوصًا لبنان لتسهيل التجارة».

إحدى الوسائل التي استخدمتها نخبة بشار الأسد في إخفاء أموالها عن العقوبات الأوروبية كانت بوابة لبنان، كواجهة لتسجيل عشرات الشركات المملوكة للنخبة المُقرّبة من بشار، خصوصًا تلك التي تتعلق بالتبادل التجاري وتعاملات «الأوفشور».

وساهم في استمرار عمل هذه الشركات المملوكة لأشخاص وضعتهم وزارة الخزانة الأمريكية تحت طائلة العقوبات، وجمّدت أرصدتهم في البنوك، قنوات نفوذ النظام السوري مع الحكومة اللبنانيّة وباقي حلفائه في الداخل اللبناني؛ ما ساهم في استمرار عمل هذه الشركات، وتعاظم أدوارها في السنوات الأخيرة كواجهة استثمارية يُمرر من خلالها النظام السوري صفقاته وتعاقداته.

وأظهرت «وثائق بارادايز»، التي كشف عنها أيضًا الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) أن أبرز رجال الأسد في قطاع المال ممن انكشفت شركاتهم في لبنان هم: رامي مخلوف، ومحمد عبّاس، وهو رجل أعمال من أقارب رامي مخلوف، وأحد شركائه في شركة «الشرق الأوسط للقانون»، وسامر فوز، ومحمد حمشو الذي استخدم أسماء ولديه على شركاته المُسجلة في لبنان، وعصام أنبوبا، واحد من بين رجال الأعمال الذين شملتهم العقوبات الأوروبية التي صدرت واتهمته أنه يدعم النظام اقتصاديًا، ونادر القلعي، ورجل الأعمال سوري عمّار الشريف، وقد أدرج على لوائح العقوبات الأوروبية عام 2016.

مترجم: «زوجي مقاتل من تحرير الشام».. هكذا تعيش السوريات زوجات المقاتلين الأجانب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد