بعد أربعة أشهر من الاحتجاجات التي اندلعت في كافة أرجاء السودان وخلفت وراءها 55 قتيلًا، فشلت كافة أدوات التظاهر في إسقاط النظام؛ بداية من إحراق مقرات الحزب الحاكم والمباني الحكومية، مرورًا بإعلان العصيان المدني الشامل، وانتهاءً بتظاهرات الخارج في كل من واشنطن ولندن وباريس، لم يتبق للثوار سوى الورقة الأخيرة التي أعلنوها قبل ثلاثة أيام بالاعتصام المفتوح أمام مقر القيادة العامة للجيش، وسط العاصمة لمطالبة المؤسسة العسكرية بالانحياز لهم وتأييد مطالبهم، كونها الجهة الوحيدة التي باستطاعتها حسم الموقف.

هذا التقرير يشرح لك كيف تدخل الجيش السوداني في السياسة منذ الاستقلال وحتى التظاهرات الحالية.

«الفيل داخل الغرفة».. ثنائية البشير والجيش

يُشير المَثل الإنجليزي «الفيل داخل الغرفة» إلى حقيقة كبيرة وواقع سياسي يدركه الجميع، لكن لا أحد يريد التحدث عنه، وترتكز النظرية على أنّ هناك فيلًا ضخمًا موجود داخل غرفة، لكنّ جميع الأشخاص تظاهروا بعدم وجود الفيل، فالعسكريون أداروا المشهد من وراء الستار لعقود؛ فبينما نُسب انقلاب النميري عام 1969 إلى «الحزب الشيوعي الاشتراكي»، فإن انقلاب البشير عام 1989 نُسب إلى «الحركة الإسلامية»، في ظاهرة يشير لها المفكر السوداني عبد الله علي إبراهيم بأن الانقلابات صُبغت بالهوية المدنية الإيديولوجية في تجاهل صريح لهُويتها العسكرية، على أساس أنّ الفيل الكبير لا دخل له بالسياسة.

في بلدٍ عائم على الانقلابات، حكم البشير السودان طيلة 30 عامًا لم ينجح فيها انقلاب واحد ضده، كما فشلت كافة التظاهرات المتكررة طيلة العام في التحوّل إلى ثورة ناجحة في بلدٍ يعاني أزمة اقتصادية طاحنة، وتزامنًا مع رغبة الحزب الحاكم في القيام بتعديلات دستورية تسمح للبشير خوض انتخابات عام 2020، حصل الرئيس بموجبها على دعم الحزب الحاكم والحركة الإسلامية لترشح لولاية ثالثة، لكنّ موافقة الطرف الثالث ـ التي كانت غائبة ـ تمثلت ضمنيًا في المؤسسة العسكرية التي لم تعترض.

وحين وصلت الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت في 19 ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي إلى طريق مسدود، حرص الرئيس السوداني على ضمان ولاء الجيش باعتباره طريق أوحد للسيطرة على الأوضاع لصالحه؛ ففي أواخر فبراير (شباط) الماضي أقال حكومة الوفاق الوطني ضمن تغييرات شملت تعيين وزير الدفاع الفريق عوض بن عوف نائبًا أول لرئيس الجمهورية، بينما جاء التغيير الثاني الأخطر في تعيين كمال عبد المعروف رئيسًا للأركان، وهو الذي تربطه بالبشير صلات دم وقرابة، واللافت أنّ رئيس الأركان معروف عداؤه لمدير المخابرات صلاح قوش، ضمن صراع الأجندات في الأجهزة السيادية، وهو ما كان ضامنًا للبشير بألّا يشهد خيانة من الظهر.

Embed from Getty Images

جانب من الاحتجاجات السودانية الحالية أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني 

شنّ كمال عبد المعروف هجومًا على قادة الاحتجاجات، في الوقت الذي تدخل فيه الجيش السوداني لحماية المنشآت الاستراتيجية والمتظاهرين معًا، في رسالة أراد القادة العسكريون إيصالها إلى الثوار بأن انتفاضتهم محمية، خاصة بعدما صدرت الأوامر العليا للضباط في الشوارع بعدم التعرض للمتظاهرين، وهو ما ساهم في تقليل عدد القتلى – حاليًا نحو 55 قتيلًا – مقارنة بأحداث عام 2013 التي أودت بحياة 200 من المعارضين بسبب عنف جهاز المخابرات والشرطة في التعاطي مع الأحداث. وبدلًا عن أن يُتهم الجيش بتجاهل آلام الشارع، أصبحت المؤسسة العسكرية هي شعرة معاوية التي تجمع المعارضين بالنظام.

اللافت أنه بعد أربعة أشهر من الاحتجاجات، اتجه السودانيون أخيرًا للاعتصام المفتوح أمام مقر القيادة العامة للجيش، مُعلنين أنه الأمل الأخير في حراكهم السلميّ، وبينما حاول الأمن فض الاعتصام بالقوة؛ تدخل حرس وزارة الدفاع لحماية المتظاهرين، وكانت النتيجة سقوط أول قتيل من الجيش برصاص الشرطة، لتخرج التسريبات بعدها مُعلنة قُرب تنحي البشير، تزامنًا مع ذكرى انتفاضة أبريل (نيسان) عام 1985، التي أطاحت بالرئيس النميري عقب انحياز المشير حسن عبد الرحمن سوار الذهب الذين كان وقتها وزير الدفاع لها، ثم حكم لمدة عام في الفترة الانتقالية، وسلّم الحُكم طواعية بعد انتخابات حرّة جاءت بحكومة الصادق المهدي.

لكنّ الفيل الضخم الذي تجاهله الجميع عمدًا، تحرك أخيرًا داخل الغرفة وأعلن أنه لن يسمح بسقوط النظام، وبحسب البيان الذي أصدره وزير الدفاع عقب اجتماعه مع قادة الجيش، فإن «القوات المسلحة تقّدر أسباب الاحتجاجات، وهي ليست ضد تطلعات وطموحات المواطنين، ولكنها لن تسمح بانزلاق البلاد نحو الفوضى»، وهي رسالة حملت انحيازه للشعب وتمسكه بالبشير، وبخلاف الخِذلان الذي سببه الجيش للمتظاهرين، فإن عددًا من رؤوس المعارضة كان يعلمُ مُسبقًا بالفصل الأخير في القصة.

في أول تصريح لها بعد خروجها من الاعتقال إثر الاحتجاجات الأخيرة، قالت مريم الصادق المهدي نائب رئيس «حزب الأمة» المعارض لـ«ساسة بوست»: «لا أعتقد أنّ كمال معروف سينحاز للثوار، ولن تفشل الثورة حال تمسك الجيش والنظام بالبقاء»، وبسؤالها حول تصعيد  الأمور إلى الصراع المُسلح في حال يأس الثوار من ورقتهم الأخيرة أجابت: «هو احتمال موجود، ولكنه غير مرجح في هذا التوقيت»، في إشارة واضحة إلى أنّ كل السيناريوهات مُتاحة لإسقاط البشير.

كمال عبد المعروف.. كلمة السر في صمود عرش البشير بوجه الاحتجاجات

ثورة الإنقاذ.. هل حرّك الإسلاميون قادة الجيش لصالحهم؟

روّجت «الحركة الإسلامية» على لسان زعيمها حسن الترابي بأنّ الأشهر الستة الأولى التي تلت انقلاب 1989 كان مخططًا لها وفق كل الاحتمالات، وأن الإسلاميين آثروا عدم الظهور علنًا في المناصب، لكنهم كانوا يديرون الأمور من وراء الستار، بينما اقتصر دور الضباط على تنفيذ أوامر السُلطة الجديدة، حتى أنّ الترابي نفسه يشير إلى أنّ اعتقاله في بداية الانقلاب جاء ضمن الخطة المرسومة، وهي القصة التي سمح الجيش بتمريرها؛ لأنها تحافظ على صورته باعتباره مؤسسة محايدة.

Embed from Getty Images

قبل أربعة أشهرٍ من انقلاب البشير، أصدرت القيادة العامة للجيش السوداني مذكرة لحكومة الصادق المهدي مثّلت اعتراضًا صريحًا علنيًا على الحكومة المنتخبة بسبب رفضها تطوير الجيش وتحديثه، في ظل الحرب التي يخوضها في جنوب السودان، والمؤسسة العسكرية الغاضبة منحت الحكومة أسبوعًا واحدًا لتنفيذ مطالبها قبل الانقلاب، والمذكرة جاء فيها: «كل ما سيرد من مقترحات وتوصيات يمثل الرأي العام العسكري بعد استقصائه بواسطة الأجهزة المختصة، وبعد إجماع آراء القادة في كل المستويات».

والحديث نفسه عن أنّ ثورة الإنقاذ كانت إسلامية يتنافى مع تصريح كل من الترابي الذي اتهم البشير بأنه كان من البعثيين ونسب نفسه للإسلاميين، والرجل نفسه يكشف أنّ عدد الضباط داخل الجيش الذين كانت لهم علاقة بالحركة الإسلامية لم يتجاوز 150 ضابطًا وجنديًا، وأنّه روّج لنفسه على اعتبار أنّ الحركة الإسلامية دفعت به للالتحاق بالمؤسسة العسكرية؛ ليصبح بعدها أحد «الضباط الإسلاميين» الذين قادوا انقلابًا ناجحًا حوّل السودان نحو المشروع الإسلامي وطمس هُويتها العلمانية.

على جانب آخر يكشف البشير بعد 30 عامًا الوجه الآخر للجيش الذي لم يكن راضيًا عن حكومة المهدي، ويقول: «كنا في مركز قوة كبيرة، واستخدمنا 30٪ من قوتنا داخل القوات المسلحة، وقمنا بتجنيب القوة المتبقية احتياطي»، والشهادات نفسها تشير أنّ الجيش بعد عام من الانقلاب حاول الإطاحة بالإسلاميين، وعلى رأسهم الترابي بعدما توغلوا في القرار الحكومي وسيطروا على المشهد.

(شهادة زعيم الحركة الإسلامية حول عدم معرفة البشير بانقلاب 1989)

كانت أولى بوادر الخلاف بين الجيش و«الحركة الإسلامية»، تأسيس الترابي قوات الدفاع الشعبي التي تشكلت من الإسلاميين ـ على غرار الحرس الثوري الإيراني ـ لتكون قوة رادعة لحماية المشروع الإسلامي من انقلاب الجيش، ثم تأسيس جهاز الأمن الداخلي داخل الحزب الحاكم، وفي عام 1994 أعلن الترابي حلّ مجلس قيادة الثورة، ثم طلب من البشير التنحي، وهو ما دفع الجيش للتدخل لحماية مصالحه.

وحين تُوفي نائب البشير عام 1998، رفض الرئيس السوداني تعيينَ التُرابي نائبًا له، وفي نفس العام بدأ التحرّك الفعلي من الجيش للانقلاب التام على السُلطة؛ واستعان البشير في حربه بصلاح قوش، أحد أذرع الترابي في الحركة الإسلامية، وتمثّل دوره حينها بتقديم كافة الأسرار عن جناح الحركة الإسلامية المعارض، وبعدما انقسمت الحركة من الداخل؛ تقدّم 10 من القياديين الإسلاميين بمذكرة بغرض تقديم إصلاحات حزبية، وتقليص سلطات الترابي وهو الأمين العام، ورئيس البرلمان، وهو ما استجاب لها البشير غريمه، ثم قدمه للمحاكمة، وبقي الجيش خارج المشهد، بينما كان هو المحرك الرئيس للأحداث.

صلاح قوش.. «ظل البشير» الذي لا يثق فيه ويراهن عليه لقمع الاحتجاجات

 انقلاب النميري.. هل شهد السودان حقًا ثورة شيوعية؟

في عام 1964 شهد السودان أول ثورة شعبية ناجحة ضد حكم إبراهيم عبود العسكري، وامتدت فترة الحكم المدني خمس سنوات انتهت بالانقلاب على حكومة الصادق المهدي، عبر البيان الذي أذاعه جعفر النميري وأصبح بموجبه حاكم البلاد، وكان السبب المُعلن للانقلاب هو فشل التجربة الديمقراطية في الحُكم التي أرجعها العسكريون لتعدد الأحزاب، والصراع الذي نشب بين الإسلاميين والشيوعيين على الدستور، والذي انتهى بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان.

كان القرار الأول الذي اتخذه النميري هو تشكيل حكومة يسارية ضمت الشيوعيين، في الوقت الذي كان فيه النظام يشنّ حربًا على الإسلاميين انتهت باعتقال قادتهم ومقتل زعيم الطائفة المهدية الإمام المهدي، وبدا الانقلاب في ظاهره ثورة قام بها الشيوعيون بمساعدة الجيش للانتقام من الإسلاميين.

(الرئيس السوداني يتوسط مجلس قيادة الثورة عقب انقلاب 1969)

في شهادته على العصر، يقول عضو المكتب السياسي لـ«الحزب الشيوعي الاشتراكي»: «انقلاب مايو (أيار) 69، لم يخطط له الحزب الشيوعي الاشتراكي ولم يدبره أو ينفذه، وهو حدث في ظروف غامضة بعد طرد أعضاء نواب الحزب الشيوعي من الجمعية التأسيسة»، ويضيف الرجل الفصل الهام من الشهادة: «النميري لم يكون شيوعيًا ولم يكن عضوًا في الحزب مثل عدد من ضباط الجيش آنذاك».

المثير أنّ الجيش نفسه قاد عملية تصحيحية من الداخل للانقلاب على النميري بعد عامين، لكنّ المحاولة فشلت وانتهت بإعدام رئيس «الحزب الشيوعي»، وعددًا من ضباط الجيش الشيوعيين، يقول زعيم «الحركة الإسلامية» حسن الترابي متحدثًا عن قادة الانقلاب: «لم يكونوا أذكياء.. التف حولهم قطاع كبير من الضباط، لكنهم صمموا على رفع الأعلام الحمراء، وهو ما استفز الجيش لحماية قائده»، وبسبب رفع الأعلام الشيوعية تم إنقاذ النميري الذي نجح الانقلابيون في القبض عليه بالفعل.

تعرض النظام العسكري لمحاولة انقلاب أخرى من الجيش عام 1976، شارك فيها هذه المرة الإسلاميون، ليضطر النميري لتغيير أيدلوجية نظامه السياسي من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، رافعًا شعار «المصحف والسيف»؛ فعقد مصالحة مع «الحركة الإسلامية» برئاسة زعيمها حسن الترابي، وانتهت الصفقة عام 1983 بإعلان قوانين سبتمبر (أيلول) لتطبيق الشريعة الإسلامية، والتي أصبح الرئيس الشيوعي بموجبها إمامًا للمسلمين لا يجوز عزله أو محاسبته، ولا يجوز كذلك نقض بيعته والخروج عليه، لكن نظامه سقط عقب انتفاضة أبريل عام 1985، والتي انحاز لها الجيش، صانع الأحداث دائمًا.

شريعة في خدمة الدكتاتور.. كيف طوّع البشير الإسلام لإرهاب معارضيه؟

إبراهيم عبود.. كيف غيّر انقلابًا تاريخ السودان؟

في 19 ديسمبر عام 1955 أعلن رئيس الوزراء السوداني إسماعيل الأزهري من داخل البرلمان انفصال السودان عن مصر وإعلان الجمهورية، ورُفع العلم السوداني في الأول من يناير (كانون الثاني) من العام الجديد، بعد استقلاله عن بريطانيا بواسطة زعيم الأغلبية والمعارضة في آخر لحظة انسجام سياسية قبل العاصفة.

(إسماعيل الأزهري يرفع العلم السوداني عقب الانفصال عن مصر 1956)

شهد السودان صراعًا بين الأحزاب على كافة توجاهتها للاتفاق على نظام الحكم السياسي والدستور، واستمر الصراع لمدة عاميين فشلت فيه كل الأطراف للوصول إلى صيغة توافقية، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1958 استولى الجيش على السُلطة برئاسة إبراهيم عبود الذي فتح بابًا كبيرا من الانقلابات العسكرية لا يزال مستمر إلى اليوم، حتى أن البشير تعرض لعدة انقلابات لم تنجح أيٌ منها حتى الآن، بداية بانقلاب 1990 الذين عُرف باسم «انقلاب رمضان»، مرورًا بانقلاب عام 2004 الذي اتُهم فيه غريمه حسن الترابي، نهاية بالمحاولة الفاشلة التي جرت عام 2008.

تعاطي نظام عبود مع الأزمات الثلاث (الدستور وأزمة الجنوب، والتنمية) الذي انقلب على الحكومة المدنية من أجلها سبب تدهور الأوضاع فالبلاد، فالرئيس السوداني أجّل صياغة الدستور تجنبًا لنقل السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى برلمان منتخب، كما أن سياسته العنصرية في الجنوب والتي تمثلت في انتهاج الحل العسكري ومحاولة فرض اللغة العربية ونشر الدين الإسلامي، تسببا في اندلاع النزاع المُسلح الذي فشل في حلها الرؤساء اللاحقين حتى انتهت بانفصال جنوب السودان.

سياسة حل الأحزاب، وفرض نظام الصوت الواحد ضاق ذرعًا بالجماهير التي خرجت ضد حُكم عبود في ثورة شعبية عام 1964 أجبرته على تسليم السُلطة، وكانت الاحتجاجات أول وآخر الثورات التي تنجح في إسقاط نظام عسكري بدون تدخل الجيش، وهي الحالة الوحيدة في التاريخ السوداني الحديث منذ استقلاله عام 1955 التي ينجح فيها الشارع في فرض صوته بدون الاعتماد على المؤسسة العسكرية، عكس ما يحدث حاليًا.

يقول المحلل السياسي السوداني لـ«ساسة بوست»: «الأزمة الحالية تتلخص في أنّ الجيش لا يريد مواجهة المتظاهرين، والحكومة في الوقت نفسه تسعى لإيجاد حلول سياسية عبر الحوار وهذا مستحيل»، وهو ما يضع الكرة مرة أخرى في ملعب الجيش «الفيل الذي في الغرفة» الذي يأبى التحرك.

«هنا السودان».. قصة أول ثورة ناجحة ضد العسكر في العالم العربي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد