ربما لم نعرف قصيدة مطوَّلة حفظتها الجماهير في مختلف الأقطار الإسلامية؛ مثلما حفظت البردة، التي كثرت حولها الشروح والمؤلفات منذ كتبها الإمام شرف الدين البوصيري في القرن الحادي عشر ميلاديًّا وحتى اليوم، وتُرجمت إلى الفارسية والتركية واللغات الأوروبية، وكانت – وما تزال – تُقرأ في الأوراد في الصباح، كما قُرأت أمام الجنائز في المساجد وفي مصر والشام، وعُقد في ضريح الحسين بالقاهرة بعد صلاة الفجر من كل يوم جمعة مجلس لها يأخذ بمجامع القلوب، واتخذ البعض من أبياتها تمائم يُعتقد أنها تشفي من الأمراض. 

مع ذلك فلم تكن البردة وشعر المديح النبوي كل ما قاله البوصيري، الذي قُدِّر له أن يشهد فترة متقلبة من تاريخ مصر؛ من بينها أفول نجم الدولة الأيوبية والحملات الصليبية، ثم هجمات المغول وبداية حكم المماليك، فعاصر 10 من حكامه، وكتب شِعرًا – ساخرًا أحيانًا – يصف تقلبات الحياة في مصر، محاولًا إصلاح الأحوال بتوصيل رسائله إلى الحكام لإنقاذ العامة من بطش موظفيهم، فما الذي قاله البوصيري أيضًا قبل أن يكتب البردة؟

أخطار خارجية وصراعات داخلية بدَّلت أحوال الناس في المحروسة

كانت الأخطار الخارجية تهدد العالم الإسلامي، بتوالي الحملات الصليبية، والغزو المغولي وما تسبب فيه من قتل لأهالي بغداد، واستباحة لمساجدها، حتى صار المغول أسطورة عسكرية، ورغم تصدي السلاطين العظام من حكام الأيوبيين والمماليك لهذه الأخطار، فإن الحكم الداخلي لم يكن مستقرًّا بسبب الصراع على السلطة والانقلابات والمكائد، ما تسبب في تبدُّل أحوال الناس وسوء الأحوال الاقتصادية، فاجتمعت على الناس حروب متعاقبة من الصليبيين والمغول، والجفاف الذي كان يضرب مصر بين الحين والحين، مسببًا المجاعات والأوبئة، وعلى رأسها الطاعون. 

شارع الغورية بالقاهرة- بريشة جون فردريك لويس

عاش البوصيري هذا الواقع، وكتب في أشعاره عن فقر حاله، وعن فساد الموظفين والعمال، خاصة وقد اقترب من طبقة المعدمين، وعرف معاناتهم، وعبَّر عن أحوالهم. ويدخل كثير من شعر البوصيري تحت باب النقد الاجتماعي؛ إذ تناول الآفات التي انتشرت بين مستخدمي الدولة، من خيانة، وسرقة ورشوة، وخلافات طائفية، قبل أن يستقر شعره على موضوع واحد، وهو مدح النبي محمد، ويقول فيه أشهر قصائده؛ البردة والهمزية.

ولد الإمام شرف الدين البوصيري سنة 608 هجريًّا 1212 ميلاديًّا بقرية بوصير، في بنى سويف، وانتقل في بداية حياته إلى القاهرة ليدرس العلوم الدينية، وعلوم اللغة والأدب، وجانبًا من التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية، ودرس التصوف على شيخه الإمام أبي العباس المرسي، وابن عطاء الله السكندري، وعاصر من شعراء الصوفية عمر بن الفارض، والبهاء زهير. 

البوصيري يكشف بشعره أوجه الفساد في الدواوين

لكن البوصيري عاش فقيرًا يعاني من شظف العيش وقلة الرزق، ورغم تتلمذه على الإمام أبي العباس المرسي، وعلاقته المتينة به، فلم يستطع أن يعيش حياة التصوف، وفي ذلك قال: «أثْقلتْ ظَهْري العِيالُ وَقد كنت زَمانا بهم خَفيفَ الكَارَهْ، ولوَ أني وحْدِي لَكُنْتُ مُرِيدًا في رِباطٍ أَو عَابِدًا في مَغَارهْ»

وهكذا بحث البوصيري عن الزرق في أعمال حكومية، فعمل كاتبًا في ديوان بلبيس، وحين لم تفِ الوظيفة بمتطلبات الحياة، عاد إلى القاهرة وفتح كتَّابًا لتحفيظ القرآن، يعلِّم فيه الأولاد. لكن ضيق الرزق اضطره للعودة إلى الوظائف الحكومية مرة أخرى، فعرف أوجه الفساد في الدولة، وراح يقاومها بالشعر ليكشف عما يلاقيه الناس، ويرفع ذلك – بقصائده – إلى الوزراء ويتجاوزهم أحيانًا فيخاطب السلاطين

انظُر بِحقِّـك فِي أَمرِ الدواوينِ فالكلُّ قَد غَيروا وضع القَوانينِ

لَم يبق شيءٌ علَى ما كُنت تعهده إلاَّ تغير مِن عالٍ إلى دونِ

الكَاتِبونَ ولَيـسوا بِالكِرامِ فَمـا مِنهم علَى المالِ إِنسانٌ بِمأْمون

وتنَقَّل البوصيري في القرى المصرية، واحتَّك بالعمال، وكتب عن ظلم أصحاب الدواوين وتماديهم في أكل حقوق الناس، ليرفعه إلى السلطان في القاهرة. وكان المجتمع الشعبي وإن عانى من «أهل القمة» من السلاطين والأمراء، فاتخذ منهم الأدب الشعبي موقفًا عدائيًّا؛ إلا أن علاقته اليومية كانت بالموظفين والإداريين الذين شكَّلوا قاعدة الهرم الإقطاعي، وقد عمل بينهم البوصيري، وكتب عن الآفات التي انتشرت بينهم، وتذكر بعض المصادر أنه «كان مكروهًا من الناس أجمعين»، وتُفصِّل أخرى «كان ممقوتًا لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء» كما يقول المقريزي. 

نَقَدتُ طوائفَ المُستخدمينا فلم أرَ فيهمُ رجلًا أمينا

فخذ أخبارهم مني شفاهًا وأنظرني لأخبرك اليقينا 

فقد عاشرتهمْ ولبثتُ فيهمْ مع التجريبِ من عمري سِنِينا

فكُتَّابُ الشَّمالِ همو جميعًا فلا صَحِبَتْ شِمالُهُمُ اليَمِينا

يقول الدكتور محمد رجب النجار في كتابه «الشعر الشعبي الساخر» في عصور المماليك إن البيروقراطية العاتية ضربت بجذورها في تاريخ مصر، واكتسب الجهاز الحكومي جاذبية فريدة، بوصفه سلمًا للصعود الاجتماعي. وكانت هذه الطبقة في عصر المماليك حكرًا على الأقباط الذين مثَّلوا عماد الدواوين، بسبب انتشار التعليم بينهم نسبيًّا، فكانوا يتوارثون الوظائف، ويهيمنون مع اليهود على الشؤون المالية والإدارية للدولة، ما أسهم في ثرائهم، وتنازعت هذه الفئات على كدح الطبقة المنتجة في مصر، بحسبه.

فرأى المسلمون والأعراب أنهم أصحاب البلاد، بوصفهم من عرب الفتح الإسلامي ولهم حقوق الفاتحين، ورأى الأقباط أنهم ملوك مصر الحقيقيون، واستفاد اليهود من الصراع بحسب ما يقول النجار، وكتب البوصيري عن هذا التنازع بين الموظفين من المسلمين والقبط واليهود على أكل أموال الناس، فقال: «يقول المسلمون لنا حقوق بها ولنحن أولى الآخذينا. وقال القبط نحن ملوك مصر وأن سواهم هم غاصبونا. وحلَّلت اليهود بحفظ سبت لهم مال الطوائف أجمعينا».

وكان البوصيري يحرِّض السلطان على كل من خان الأمانة، من قبط أو مسلمين، ويكشف احتيالهم وطرقهم لجمع المال من الأمراء، الذين لم يكن لديهم كثير خبرة بالزراعة وشؤون الأرض، «وكيف يُلام فساق النصارى إذا خانت عدول المسلمين».

وقد لقي البوصيري جزاء ذلك تنكيلًا أحيانًا، وتأخيرًا في راتبه أحيانًا، خاصة وأنه كثيرًا ما هجا المستخدمين المسيحيين – على كثرتهم – وإن وضع الباحثون ذلك في إطاره التاريخي من الحملات الصليبية المتتابعة على العالم الإسلامي حينها، فضلًا عن وجود طبقة من المسيحيين – قبط الدواوين – الذين سيطروا بالفعل على مقدرات الدولة.

وتذكر الدكتورة مديحة الشرقاوي في كتابها «برسباى وسياسته الداخلية والخارجية» أن سياسة سلاطين المماليك تجاه الأقباط قد اختلفت، فكانوا يصدرون ضدهم أحيانًا مراسيم قاسية ويُبعدونهم عن الوظائف الحكومية تحببًا إلى عامة الشعب، لكنهم كثيرًا ما تراجعوا عنها إذ كان الاقباط وفق قولها عصب الحكومة وضمانًا لسير الأمور المالية في البلاد لنشاطهم الظاهر في الدواوين الحكومية ودواوين الأمراء.

فيما يذكر الدكتور علي إبراهيم حسن في كتابه «دراسات في تاريخ المماليك البحرية»، أنه قد كان للأقباط نشاط ظاهر في الدواوين الحكومية المملوكية؛ حتى أنهم كانوا يديرون إقطاعات الأمراء المماليك، ومع ذلك وبالرغم من علمهم بضرورة وجودهم فيها لسير الأمور المالية في الدولة فكثيرًا ما لجأوا لإبعادهم عن الوظائف «تحببًا إلى الشعب وإذكاءً لروح التعصب» التي سببها نجاحهم في جمع الثروات والتسلط على عقول السلاطين والأمراء، بحسبه.

قصائد البوصيري على لسان العامة

يمكن القول بأن قصائد البوصيري كانت لسان حال الفقراء من أمثاله، يندد بظلم موظفي الدولة، ويرفع الأمر إلى الوزراء والسلاطين، معبرًا عن المساكين، ولهذا يُروى أنه كان ممقوتًا من المستخدمين – زملائه – بينما كان يلقى ودًّا من العامة بلغت أنهم كانوا يقبلون يده حين يمرُّ في الشوراع. 

مسجد الإمام البوصيري، الإسكندرية

مسجد الإمام البوصيري، الإسكندرية – مصدر الصورة: pinterest.com

وعُرف عن البوصيري الزهد مع ذلك، فلم يكن يقبل بأي وظيفة، فقد امتنع عن تولي الحِسبة، واعتذر بأنه ليس له معرفة بالحساب وأمور البيع والشراء، كما أن أخلاقه تأبى عليه أن يتحكم في رقاب العباد، بحسب ما قال: «تاللَّهِ لا يَرْضَى فضلي وَلا أدَبي وَلا طِباعِي في هذهِ السُّبَّهْ».

لكنه في الحقيقة كان يعرف الحساب، وقد ظهر هذا حين أخرج الملك الصالح 3 آلاف دينار صدقة على طلبة المدارس، وفوَّض أمرها إلى الفقيه بهاء الدين المسردي، فكتب البوصيري قصيدة يكشف فيها حدوث اختلاس لأموال الصدقة، وفصَّل كيف أنها لم تصل إلى المدارس بالفعل.

وهكذا انفرد البوصيري بما أطلق عليه العامة «الأوابد»، أي القصائد الدواهي السيارة، التي رمى بها الموظفين وشاعت بين الناس، ورددوها وصارت جزءًا من أوابدهم؛ أي تقاليدهم الراسخة، وهي تقوم على الهجاء السياسي الساخر، وكثيرًا ما ذكر أسماء من ينتقدهم، وحرَّض السلطان ليتخذ منهم موقفًا، ويكشف ألاعيبهم في الوشاية والسرقة، والطريف أنه كتب مرة قصيدة من 100 بيت بها هجاء ساخر، وخشي عليها من السرقة، وألا تصل إلى الوزير؛ فأصر أن يلقيها بنفسه.  

«بعل الأرامل أبو الأيتام»

عانى البوصيري في حياته من الفقر بسبب تكرار طرده من الوظائف التي شغلها، وظل أولاده في احتياج دائم، وقد رُزق بزوجة ولُود كما يقول في إحدى قصائده، وأزال الفقر ما بينهما من مودة، وكتب عن ذلك بروح الدعابة، لا تخلو من مرارة، سببها عجزه عن توفير أسباب الحياة لأولاده، وحاجتهم المستمرة، خاصة في المواسم والأعياد:  «إنْ زُرْتها في العامِ يَوْما أنتَجتْ وَأتَتْ لسِتَّة أشْهُرٍ بِغُلامِ. أوهذه الأولادُِ جاءت كلها مِنْ فِعْلِ شَيْخٍ ليسَ بالقَوَّامِ، مَنْ كانَ مِثْلِي لِلْعِيالِ فإِنَّهُ بَعلُ الأَرَامِلِ أَوْ أَبو الأَيْتامِ، أصبحتُ من حملي همومهمُ على هِرَمي كأني حاملُ الأهرام».

ويستدعي السبب فيما آل إليه حاله من فقر، فيعود حتى في القصائد التي كتبها ليصف معاناته إلى إدانة الفساد في الدولة.

هكذا عاش البوصيري حياته وختمها بين الفقر والعجز والمرض، حتى وفاته بالإسكندرية سنة 696 هجريًّا، 1296 ميلاديًّا، وربما كان مديح النبي ملجأه الأخير، الذي احتمى به، فخلق واقعًا بديلًا خرج عن حدود زمانه ومكانه، وتوَّج مدحه بالبردة التي «تفوق فيها على نفسه»، وصارت ملاذًا لكل الناس في أرجاء العالم الإسلامي. 

مجتمع

منذ سنتين
«يا رسول الله أغثنا».. كيف روَت البردة محنة المسلمين عبر التاريخ؟ 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد