على أعتاب الجامع الأمويّ في دمشق كانت مخايلُ الثراءِ لا تشي بأنّ المدينة العتيقة قد فقدت هيبة الخلافةِ منذ أمدٍ بعيدٍ جاوز الأربعة قرون، بعدما صارت بغداد حاضرة الدنيا وعاصمة العباسيين (750-1517م)، لكنّ أسوار المدينة المُحطّمة كانت تحكي قصص النوازل والنكبات التي وصلت إليها الدولة العباسية في طور ضعفها خلال القرن العاشر الميلادي، فدمشق سقطت مرارًا في أيدي الطولونيين والإخشيديين، ثم تعرضت لغارات القرامطة والبيزنطيين، حتى أصبحت مُلكًا تليدًا للدولة الفاطمية الشيعية في مصر، قبل أن تعود للخاتم العباسي للمرة الأخيرة.

وفي عام 1181م، وفيما كان العصر الإسلاميُّ يموجُ باضطراباتٍ سياسيةٍ فاصلة انتهت بتحرير بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي في مصر، استقبل أحد فقراء دمشق طفلًا أسماه «عبد العزيز»، ليصحب أباه فيما بعد غلامًا وشابًا في حمل الأمتعة، ونقل البضائع الثقيلة، وتنظيف المتاجر والأسواق، لكنّ الشاب النحيل صاحب الملابس الرثّة الذي عمل في تنظيف المسجد الأموي لم يكن يحسب أنه سيصير في شيبته «سُلطان العلماء»، وقاضي قضاة مصر، وشيخ المذهب «الشافعي» في زمانه الذي سيقضُّ مضاجع الملوك والأمراء.

بين هدايا الأقدار وحد السيف.. هكذا اعتلى صلاح الدين الأيوبي عرش مصر

الشريدُ المطرود من حلقات العلم

كانت دمشق بين أهلها مَجْمَع الأضداد؛ حياة ترف تتمثلُ في القصور الفخمة، والملابس زاهية، والسيوف الذهبية التي لم تُصنع للقتال وإنّما للفخر، ومنحدر فقرٍ مُدقعٍ يُغرق الفقراء في العمل الشاق، والحرمان من شرف تلقِّي العلم في المسجد الأموي، وعلى هذا العهد لم ينتظم الشاب وأبوه في عمّل واحد، وكانا يجوبان الأسواق بحثًا عن النُّذُر اليسير، وحين مات الأب على حين غُرةٍ، وجد الابن نفسه شريدًا بلا مأوى أو عائلة.

على أبواب المسجد الدمشقيّ، جمعت الصدفة الشاب الفقير بشيخ الشافعية في الشام وخطيب الجامع الأموي الشيخ فخر الدين ابن عساكر، الذي توّسط لعبد العزيز ليقوم بأعمال النظافة وحراسة نِعال المُصلين، كما سمح له بالنوم في أركان المسجد، يقول المؤرخ الإسلامي وقاضي قضاة دمشق تاج الدين بن السُّبكي في كتابه: «طبقات الشافعية»: «كان الشيخ عز الدين في أول أمره فقيرًا جدًا، وكان يبيت في الكلّاسة، وهي الزاوية والبناء والمدرسة عند الباب الشمالي للجامع».

ظلّ عبد العزيز غريبًا في المسجد الأموي بالرغم من كونه أحد عُمّاله، والقائمين على أمره، لكنّ غاية الفتى تاقت صوب حلقات العلم التي لم يمنعه منها سوى ثوبه المُمزّق وضيق يديه عن طلب العلم، وتحكي الروايات التاريخية بأنّه تسلَّل ذات يومٍ إلى إحدى الحلقات بعدما ترك عمله في حراسة الأحذية، فرآه شيخ الحلقة فطرده منها بعدما نهره؛ لأن رثاثة ملابسه لا تليق بطالب علمٍ.

ومرةٌ أخرى قادت الصدفة الشاب الطريد وهو يُكابد دموعه خارج الجامع الأموي للقاء الشيخ فخر الدين بن عساكر الذي استوقفه للحديث، ثم وعده في النهاية بأن يُلحقه بحلقات تعلّم القراءة والكتابة والخط وحفظ القرآن على نفقته الخاصة، كما تكفّل بملابسه وحاجاته، وما كان يدري شيخ المذهب الشافعي بأنه يمّهد الطريق للشاب الفقير لخلافته في العلم.

يقول الشيخ العز بن عبد السلام عن نفسه: «ما احتجتُ في علمٍ من العلوم إلى أن أُكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه، وما توسطته على شيخ من المشايخ الذين كنتُ أقرأ عليهم إلا وقال لي الشيخ: قد استغنيتَ عني فاشتغل مع نفسك، ولم أقنع بذلك، بل لا أبرحُ حتى أكمل الكتاب الذي أقرأه في ذلك العلم».

ورغم أنّ العز في بداياته كان يجالس الصبية في حلقات العلم كونه بدأ مُتأخرًا، إلا أنّه في النهاية أصبح لقّبه «سُلطان العلماء» بعدما وهب نفسه للعلم. يقول عنه المؤرخ الدمشقي ابن عماد الحنبلي: «برع في الفقه والأصول والعربية، وفاق الأقران، وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف أقوال الناس ومآخذهم، وبلغ رتبة الاجتهاد».

يحكي العز بن عبد السلام قصة الرؤيا التي بثّها لشيخه ابن عساكر والتي نقلها ابن السبكي في كتابه: «أنّ العز سمع نداءً في حلمه يقول له: يا ابن عبد السلام، أتريدُ العلمَ أم العمل، فقال: العمل؛ لأنه يهدي إلى العلم»، ولمّا أصبح روي لشيخه رؤياه فأجابه ابن عساكر: «لقد بلغت مبلغ الرجل، وها النداء هاتفٌ من السماء يأمرك بأن تهب نفسك للعلم».

خطيب الجامع الأموي الذي خَلع بَيعة سلطان الشام

عكف العزُّ نفسه على العلم وعلى مجالسة العلماء، ودرس على يد الشيوخ في جامع دمشق والعراق حتى أجازوه، وعُيّن مُدرسًا للفقه، وتدريس المذهب الشافعي السائد في عهد الأيوبين أثناء حُكمهم للشام، وسُرعان ما ذاع صيت الشيخ حتى وصل إلى قصر الأيوبيين في مصر، فعُيِّن عام 1237م بأمرٍ من الملك الكامل قاضيًا للقضاة في دمشق في عهد أخيه الملك المعظّم عيسى، ولم يكن الأخير على وفاقٍ مع الشيخ، لكنه لم يكن يجرؤ على مخالفة أوامر السُلطان.

(مقطع تمثيلي لمواجهة الشيخ العز بن عبد السلام مع الملك الصالح إسماعيل)

يحكي ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» بأنّ العزّ أول ما تسلَّم منصبه تحلل من كافة تقاليد القضاة؛ فطرح العمامة، واستبدلها بقبّعةٍ من لُباد الصوف المصري التي كانت زي الفقراء، كما تخلّى عن الزي الأسود الذي ميّز القضاة، فكأنه أعلن حربًا على خصومه جميعًا من شيوخ السُلطان.

ولم تمضِ أربعة أعوامٍ على تولية العزّ حتى وقع الصدام الأكبر، فبعدما توفّي السلطان الأيوبي الكامل الذي تنازل للصليبيين عن بيت المقدس عقب حملتهم الخامسة (1213-1221)، حصل نزاعٌ على خلافته التي تمتد من مصر للشام، وانتهت السلطة إلى ابنه الأكبر الصالح أيوب، فاتجه إلى الشام لينتزع إمارة أبيه بعدما استقل بها عمّه الآخر الصالح إسماعيل، وحين خاف الأخير من ضياع سُلطانه لم يتحرّج من اللجوء إلى الصليبيين، فتحالف معهم لينجدوه من الصالح أيوب وليساعدوه عليه، كما أعطاهم حصن الصفد والثقيف بالشام، وسمح لهم بدخول دمشق لشراء السلاح والتزود بالطعام.

ولمّا وصلت الأخبار للعز بن عبد السلام، وكان خطيب الجامع الأموي، ومفتي الشافعية، ورأس علماء دمشق، صعد منبر الجامع يوم الجمعة، وأفتى بحُرمة البيع والشراء مع الصليبين، كما أحلّ دم البائع والمُشتري، وهاجم علانية «الصالح إسماعيل» وفي آخر الخُطبة ترك الدعاء له، واستبدله بمقولته التي سارت دعاءً سائرًا على المنابر: «اللهم أبرم لهذه الأمَّة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر»، فكان بمثابة خلع بَيعته وإعلان العصيان عليه.

وحين انتهت الصلاة ماجت الشوارع بجرأة العز بن عبد السلام، وتحادث العامة سرًا وجهرًا بالإنكار على السُلطان الذي كان ينتظر قدوم جيش عدوه من مصر، فما كان من الصالح إسماعيل إلا أن أمر بعزل الشيخ العز عن الخَطابة والإفتاء، وأرسل جنوده لاعتقاله فأثار الخبرُ في الناسٍ غضبًا على غضب، وأشعل نيرانًا كانت تحت الحطب.

أُرسل العز بن عبد السلام أسيرًا إلى بيت المقدس – سلّمها الملك الكامل قبل موته للصليبيين – حيث عسكرت جيوش الصالحُ إسماعيل إلى جانب جيوش الفرنجة انتظارًا لجيش الملك الصالح نجم الدين أيوب الذي وصل وهزم جيش الشام والصليبيين معًا، ثم أُطلق سراح الشيخ ورجع مع الجيش الظافر إلى القاهرة، حيث عيّنه السُلطان إمامًا وخطيبًا لجامع عمرو بن العاص، ثم قاضيًا لقضاة مصر.

وخلال الفترة التي قضاها في مصر، عكف العز بن عبد السلام على كتابة الكُتب؛ فوضع كل مؤلفاته في مصر، والمفارقة أنّها لم تكن سرّ شهرته على عكس مواقفه في مُجابهة السُلطة، فألف في الفقه، والتفسير، وعلوم القرآن، والحديث النبوي، والسيرة، وعلم التوحيد والأصول، والتصوّف. ومن أشهر كتبه «قواعد الإحكام في مصالح الأنام»، و«أحكام الجهاد وفضائله»، و«زبد خلاصة التصوف».

العزّ بن عبد السلام: القاضي الذي باع الأمراء ولا يهابُ السلاطين

«فيم المُقام بأرضٍ يُستضعفُ فيها أهل الشريعة، ويُعتدى فيها على القضاء» العز بن عبد السلام

لم يطُل مُقام العز بن عبد السلام في مصر حتى قلب حال أهلها؛ فالأمراء وقادة الجيش كانوا من المماليك الذين اشتراهم السُلطان من بيت المال وعلّمهم اللغة العربية وفنون القتال من أجل الانضمام في الجيش، الذي ملكوا لاحقًا المناصب العُليا وأسسوا ما عرف في التاريخ باسم «دولة المماليك»، وعلى ذاك فهم بحسب الشريعة الإسلامية عبيدٌ لا أحرار، ومن ثمّ فليس لهم حقوق الأحرار بالبيع والشراء والزواج.

(ضريح الشيخ العز بن عبد السلام)

وبحسب ما أورده الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» فإنّ الخليفة العباسي المستعصم ببغداد بسبب فتوى الشيخ العِزّ، رفض رسالة جاءته من السلطان نجم الدين أيوب، بسبب أن مُؤدي الرسالة هو نائبه الأمير المملوكي فخر الدين الذي ظل فاقدًا الشهادة حتى مات.

ومثلما صدح الشيخ وأبطل بيعة الصالح إسماعيل في دمشق، أفتى بإبطال كل ما أبرمه المماليك من عقود البيع والشراء وحتى الزواج، وصمّم على أن يُباعوا في السوق، ثم يُرّدَ ثمنهم إلى بيت المال الذي اشتراهم السُلطان منه، ثم يُعتقوا فيصبحون أحرارًا، ولأنّ نائب السُلطان نفسه كان من المماليك، فقد أغضبته الفتوى وعزم على قتله، لكنّ الخوف منعه، فشكاه للسُلطان الذي لم يشأ أن يتدخل بين قوتين فيهما هلاكه، فجهّز الشيخ متاعه وعزل نفسه عن القضاء، وعزم على ترك مصر، قبل أن يلحق به أهلها وعلى رأسهم الملك الصالح نجم الدين نفسه.

يذكر المؤرخ المصري المُعاضر محمد الزحيلي في كتابه «العز بن عبد السلام» مشهد بيع الأمراء قائلا: «جمع السُلطان كل الأمراء في القلعة، وعُرضوا في مزادٍ، ونادى الشيخ عليهم وغالى في ثمنهم، حتى إذا امتنع الحاضرون عن المزايدة في الثمن لارتفاعه الفاحش، تقدّم السُلطان ودفع من ماله الخاص، لا من بيت مال المُسلمين، حتى اشترى جميع الأمراء المماليك وأعتقهم، فأصبحوا أحرارًا».

أمّا الثمن الذي قبضه العز بن عبد السلام من المال الذي باع به الأمراء المماليك فقد استعمله في صرفه على فقراء مصر وأصحاب الحاجات، وطلاب العلم، كما شيّد مدارس لتعليم القرآن واللغة والفقه والحديث.

سطوة العز بن عبد السلام لم تتوقف عند المماليك، والرواية التي يرويها ابن السبكي في كتابه: «طبقات الشافعية» بطلها الملك الصالح نفسه، فبينما كانت مصر في يوم عيد خرج له السُلطان نفسه في موكبه، فاعترضه الشيخ وهو بين حاشيته وناداه باسمه قائلًا: «يا أيوب، ما حُجتك عند الله إذا قال لك ألم أُبوِّئ لك مُلك مصر ثم تبيحُ الخمور؟»، فأجابه السُلطان: «يا سيدي، هذا ما علمته من زمان أبي»، حينها صرخ فيه العز أمام جموع الحاضرين: «أأنت من الذين يقولون إنا وجدنا آباءنا على أمّة، أي تُقلد من سبقك دون تفكير»، فأصدر السُلطان أمرًا بإغلاق كل حانات مصر والشام.

«سُلطان العلماء» الذي استراح سلطان مصر بوفاته

 «لم يستقر مُلكي إلا الساعة.. هذا الشيخ لو أمر الناس بالخروج عليّ لفعلوا» السُلطان بيبرس بعد وفاة العز

أثناء إقامة الشيخ العز في مصر، واجه الملك الصالح الحملة الصليبية السابعة عام 1249 ميلاديًا بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع عشر الذي حاول الاستيلاء على القاهرة فاستولى على دمياط، ثم المنصورة (شمال مصر)، لكنّ السُلطان مات أثناء حصار الصليبيين، فتولى من بعده السُلطان المملوكي سيف الدين قُطز الذي تصدّى للصليبيين، ثم تفرّغ لقتال التتار الذين أسقطوا الخلافة العباسية في بغداد عام 1258، ثم زحفوا إلى الشام قاصدين القضاء على الدولة الإسلامية، وكانت مصر هي محطتهم القادمة.

حينها شرع قطز بجمع الأموال من رعيته لتمويل الجيش ضد التتار دون الأمراء وبيت السُلطان، واحتاج في ذلك لأخذ موافقة العلماء والفقهاء، لم يتكلم أحدٌ من الحاضرين في شأن زيادة الضرائب على العامة سوى الشيخ عز الدين بن عبد السلام الذي جهر برفضه علانية، وهدد السُلطان بفتواه. وجاءت الفتوى من قاضي القضاة تمنع أخذ أموال الفقراء من دون الأغنياء، واشترط «سُلطان العلماء» أنّ يأخذ كل أموال الأغنياء حتى يتساوو مع الفقراء، وحينها فقط يُمكن فرض ضرائب على الفقراء.

وكان نصُ الفتوى: «إذا طَرَقَ العدوُّ بلادَ الإسلام وجب على العالَم قتالُهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج الذهبية والفضية غير ذلك، وأن تبيعوا مالكم من الحوائص الذهبية والآلات النفيسة، ويقتصرَ كلُّ الجند على سلاحه ومركوبه، ويتساوون هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا».

وبعدما جهّزت مصر جيشها عام 1260، خرجت لقتال التتار في معركة «عين جالوت» في معركة فاصلة في التاريخ الإسلامي انتهت بفوز قُطز وقتله في طريق عودته على يدّ صديقه القائد بيبرس الذي بايعه عموم أهل مصر إلا العز بن عبد السلام، فقد بايعه فقط بعدما تأكد أنه حُر وليس مملوكًا.

وحين بلغ الشيخ العز 83 عامًا، كان لايزال يواصل التدريس في حلقات العلم في مدرسة الصالحية، وفي درس التفسير شرع في شرح سورة النور، لكنّه سقط ميتًا بين طلابه، وتذكر الروايات أنّ مشهد جنازته تقدّمه سُلطان مصر والشام، الذي حمل نعشه ودفنه في سفح جبل المُقطّم، في مُقبرة كُتب عليها: «هنا يرقد الشيخ العز بن عبد السلام.. سُلطان العلماء وبائع الأمراء».

المصادر

عرض التعليقات