أنتج قسم التحقيقات الاستقصائية في قناة «الجزيرة» لسنوات أفلامًا وثائقية ضمنت مواضيع عدة. وقد نشرت «الجزيرة» العام الماضي تحقيقًا استقصائيًّا عن اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا، ما أدى إلى استقالة شاي ماسوت -مسؤول في السفارة الإسرائيلية ببريطانيا- بعدما ناقش مع مراسل الجزيرة المتخفِّي، كيفية إطاحة عضو البرلمان البريطاني آلان دونكان.

في الوقت نفسه، كان طوني (الصحافي الذي يقوم عليه التحقيق الاستقصائي بخصوص اللوبي الإسرائيلي في أمريكا) بين دوائر اللوبي الإسرائيلي الأمريكي في أمريكا، يبحث ويسأل عن اللوبي وأسراره، مقابلًا رجاله ومؤسساته الكبرى، بوصفه رجل الأعمال المشهور، آدم ميلستين، وجاكوب بايمي، المدير التنفيذي لائتلاف إسرائيل في الجامعات الأمريكية.

من واشنطن إلى الدوحة، وبعد حصار قطر من شقيقتها السعودية، بدأت الأخبار تنتشر بوعودٍ قطرية بمنع نشر وثائقي اللوبي الإسرائيلي في أمريكا الذي كان طوني كلاينفيلد بطلًا له، بعد ضغوط من اليمين الإسرائيلي.

عندما منعت الجزيرة الوثائقي من العرض، خرج كلايتون سويشر (مدير دائرة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة) بمقالٍ يشرح أسباب منع شبكة «الجزيرة» عرض الوثائقي، معبرًا عن استيائه من القرار، الذي وصفه أنّه مضر بأخلاقيات مهنة الصحافة، ويثبت ادعاءات الآخرين بتبعية شبكة الجزيرة السياسية.

لكن سُرّب الوثائقي قبل عدة شهور على بعض المنصات، وفي ما يلي استعراضٌ لما يسميه جوش بلوك -المدير التنفيذي لمنظمة تيب في الوثائقي- الركائز الأساسية لعمل المجموعات الإسرائيلية في أمريكا.

التأثير في النخب

أسست منظمة «أيباك» عام 1951، وهدفها الأساسي الضغط على النخب السياسية الأمريكية، وخاصة مجلس الشيوخ، فرسالتها كما تعلن على موقعها الرسمي هي «ترويج العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، وتقويتها، وحمايتها، بما يحسِّن أمن الدولتين». وعليه تعمل «أيباك» للضغط على نوّاب مجلس الشيوخ من أجل مصلحة إسرائيل.

عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ماركو روبيو

في أحداث الوثائقي، يذكر ديفيد أوشس العامل في إحدى مؤسسات اللوبي الإسرائيلي لطوني: «إذا أردت من أعضاء مجلس الشيوخ شيئًا فعليك الضغط عليهم، والوسيلة الوحيدة لذلك هي المال»، ودعا ديفيد أوشس طوني إلى فعاليةٍ يجمعون من خلالها الأموال لأعضاء المجلس.

تُنظم هذه الفعاليات الاجتماعية لجمع الأموال للمرشحين في الانتخابات الفيدرالية، ويستهدف اللوبي من خلالها علاقة طويلة الأمد مع المرشحين. بداية، يدعو اللوبي المجتمع اليهودي المناصر لإسرائيل للتبرع من خلال هذه الفعالية، ووفقًا للقانون الأمريكي؛ فلا يسمح لأي فرد التبرع بأكثر من 2700 دولار، وعليه يتبرع الأفراد بهذا المبلغ على أقصى حد، وحتى لا تُعرف الجهة المستقبلة للمال، يُجمع في نهاية اليوم صندوق فيه بطاقات الائتمان ويسلم إلى المرشح، وبهذا إذ افترضنا أنّ 50 شخصًا حضروا الفعالية وتبرعوا بمبلغ 2700 دولار، فسيخرج المُرشح بـ50 بطاقة ائتمان، مجموع ما فيهم 135 ألف دولار.

وكما يظهر في الوثائقي، في كل سنة يُحضر اللوبي مئات الأعضاء من مجلس الشيوخ إلى إسرائيل في إجازة الصيف، وينفق على كل عضو ما يقارب 20 ألف دولار، ويتاح للعضو إحضار زوجته أو صديقته.

بعد انتشار هذه الظاهرة، عملت الحكومة الأمريكية على تشريع قانون؛ باعتبار مثل هذه الرحلات رشوة يعاقب عليها القانون، ونص القانون الجديد بالسماح لمجموعات الضغط بتوفير رحلة لمدة يوم فقط لأعضاء مجلس الشيوخ. لم يرق القانون لـ«أيباك»، فأسست جمعية تعليمية؛ تهدف إلى توفير ندوات تعليمية لصالح إسرائيل، من أجل إحضار أعضاء مجلس الشيوخ، وتوفر من خلال هذه الندوات ما كانت توفره في السفرات الصيفية.

في الناحية الأخرى، يعمل اللوبي لإزعاج الأعضاء الذي لا يوالون اللوبي الإسرائيلي، كعضو مجلس الشيوخ السابق جيم موران، الذي رفض التصويت لقرار الغزو الأمريكي على العراق، مما جعل اللوبي يعمل على إنهاء مسيرة موران المهنية، من خلال الضغط عليه إعلاميًّا، وتلفيق الأقوال، إذ نشرت صحيفة «واشنطن بوست» مقالة عن موران، تصفه بأنّه «غير كفء للعمل في المكتب العام». يؤكد ذلك مدير طوني، عندما سأله عن أيّ الجهات الإعلامية التي تعمل بقرب مع المشروع الإسرائيلي، فأجاب: «واشنطن بوست هي الأكثر تقربًا».

«معاداة السامية».. كابوس النشطاء في أمريكا

ربما يكون التحدي الذي تواجهه إسرائيل الآن هو محاولة البعض إعادة تعريف «معاداة السامية» على أنّها ليست متعلقة بنقد السياسات الإسرائيلية، يذكر كينيث كستين، رئيس مركز برانديس للأبحاث لطوني: «ما عليك إظهاره هو أنّ معاداة السامية ونقد إسرائيل ليسا متشابهين، ولكنّهما ليسا مختلفين كليًّا»، وما يعمل اللوبي عليه حاليًا إعادة التعريف بما يتوافق مع تعريف وزارة الخارجية الأمريكية للمصطلح.

بعدما قابل طوني أحد زملائه، والذي يعمل صحافيًّا في صحيفة «ألجاماينر»، المختصة بقضايا اليهود العالمية، عرض عليه عملًا للتجسس على أحد أنشطة حركة المقاطعة لإسرائيل «بي دي إس»، وبعدها بأيام اتصلت إحدى العاملات في الصحيفة، لتخبر طوني بما يجب عليه عمله، وذكرت في المحادثة: «ما نعمل عليه الآن، هو تصنيف الجامعات الأمريكية من حيث أنشطتها المعادية للسامية، والمعادية لدولة إسرائيل».

بعد عملية جمع البيانات، يستهدف اللوبي الجامعات التي تتواجد فيها أنشطة معادية لسياسات إسرائيل، وتصنيفها بأنّها معادية للسامية. كانت إحدى الهجمات الكبيرة موجهة ضد جامعة تينيسي، عندما نشر مقال في صحيفة «ألجاماينر»، يستعرض تغريدات من طلاب جامعة تينيسي، يظهرون بها معاداتهم لليهود وإسرائيل، واستغلت الصحيفة التغريدات بالضغط على جامعة تينيسي، مصنفة الجامعة على أنّها معادية للسامية.

وكتبت أفيفا فوجلستين، رئيسة قسم المبادرات القانونية في مركز برانديس البحثي، رسالة باسم مركز برانديس، مطالبة الجامعة باتخاذ موقف مما يحدث داخل الحرم الجامعي من أنشطة معادية لإسرائيل، تذكر أفيفا: «نحن نقول لهم إنّ عليهم اتخاذ موقف أشد صرامة، والبحث وراء خلفيات الطلاب المنضمين، وتوفير التعليم والتدريب اللازم لذلك»، ودعت أفيفا الجامعة إلى تبني تعريف معاداة السامية، الذي تعترف به وزارة الخارجية الأمريكية.

لماذا جامعة تينيسي؟ يستعرض الوثائقي أهمية ولاية تينيسي الأمريكية بالنسبة إلى اللوبي الإسرائيلي، فولاية تينيسي مسيحية متمسكة بالكنيسة، وينتشر بها الإنجيليون، الداعمون لإسرائيل، بسبب معتقدهم الإنجيلي بأنّ نزول المسيح مرتهنٌ بسيطرة اليهود على القدس، وبالتالي كانت الطائفة الإنجيلية من أول الداعمين نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

«نيوزويك»: إذا تخلت أمريكا عن دعم إسرائيل.. كيف ستنجو؟ وما المدة التي ستصمد فيها؟

فضاء سيبراني مجهول الهوية يناصر إسرائيل

بدأ موقع «كاناري ميشين» عام 2014، وقد نشر الرعب بين النشطاء الساعين لحقوق الفلسطينيين، ما يفعله الموقع يبدو بسيطًا، ولكنّ أثره كبير جدًا في مستقبل الناشطين المهني والحقوقي. يستهدف «كاناري ميشين» كما يظهر على موقعه الرئيسي الأشخاص والمجموعات، المروجة لكراهية الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، واليهود في جامعات شمال أمريكا.

وتظهر جملة على الصفحة الرئيسية تلخص عملهم: «إذا كنت عنصريًّا، فيجب على العالم أنّ يتعرَّف إليك»، يصنف الموقع بحثه بين أفرادٍ وأساتذة جامعة ومؤسسات، ويحمل 1842 ملفًا شخصيًّا، و557 ملفًا للبروفيسورات.

يوجد أيضًا مشروع «Stand with us»، وهي منظمة غير ربحية موالية لإسرائيل، ومهمَّتها ترويج البروباجندا ومهاجمة النشطاء عبر السوشيال ميديا، يظهر الوثائقي حملة نُظِّمت ضد طالبة اسمها سمية دين، والتي استخدمت شعارًا لها في الانتخابات الطلابية «Dintafada»، إذ استغلت المنظمة الشعار، وأعادت استخدام الشعار؛ لتشن هجومًا على سمية واصفة إياها بأنّها معادية للسامية، وعلى أنّ استخدامها لكلمة «انتفاضة»، كانت تحمل معاني العنف ومعاداة جميع اليهود.

يذكر جاكوب بويامي لطوني أنّ الاستراتيجية الأنجح هي الهجوم الإلكتروني المتخفي، من خلال مواقع مجهولة تهاجم الناشطين، وتلفيق بعض الأكاذيب ونشرها بين دوائرهم المقربة، ويظهر في الوثائقي موقف للبروفيسور بيل مولين، والذي عمل على حملات لـ«بي دي إس» سنوات طويلة، إذ وصل إلى زوجته رابط نقلها إلى موقع مجهول، وفيها رسالة مكتوبة لها من طالبة درست عند مولين سابقًا، وتدعي فيها أنّ مولين تحرش بها وبعدد من زميلاتها من جامعة بوردو، يذكر مولين: «استطعنا بعد 48 ساعة من العمل معرفة أنّ المواقع التي تهاجمني أنشئت في المدة نفسها تقريبًا، ويبدو أنّ العاملين عليها هم الأشخاص أنفسهم».

كيف تدير إسرائيل «حربًا» ضد النشطاء العرب في أمريكا؟

مستقبل إسرائيل الشائك في أمريكا

ربما ما يشكِّل الخطر الحقيقي على اللوبي الإسرائيلي الأمريكي، ليس الأذى الاقتصادي الناتج من حركة «بي دي إس»، وإنما انخفاض دعم الحزب الديمقراطي الأمريكي لإسرائيل، قديمًا كان دعم إسرائيل قضية لا خلاف عليها بين الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، ولكنّ لم تعد كذلك اليوم. يذكر جون ميرشيمر أحد مؤلفي كتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية لأمريكا»: «ما يحدث اليوم هو انخفاض في دعم الحزب الديمقراطي لإسرائيل، وارتفاعٌ في الحزب الجمهوري».

انخفض دعم الحزب الديمقراطي لإسرائيل خلال السنوات الماضية، مثل فوز عضو مجلس النواب في ولاية مينيسوتا، إلهان عمر، ممثلة عن الحزب الديمقراطي، وهي أول صومالية أمريكية تُنتخب للمكتب التشريعي في أمريكا، والتي أيضًا تعتبر أول عضوة في مجلس الشيوخ تدعم حركة المقاطعة «بي دي إس» علنيًّا.

كما يوجد أعضاء في الحزب الديمقراطي داعمون لحقوق الفلسطينيين، كألكسندريا أوكاسيو التي «أخطأت» في مقابلة لها، بوصف ما يحدث في فلسطين على أنّه احتلال (The Occupation of Palestine)، وعندما طلبت منها المقدمة الإسهاب في معنى الاحتلال، ذكرت متلعثمة أنّها تقصد بالاحتلال المستوطنات التي يصعب على الفلسطينيين العيش داخل أراضيها، كل هذه مؤشرات على مكانة إسرائيل داخل الحزب.

يذكر علي أبو نعمة في الوثائقي: «أصبحت علامة إسرائيل سيئة السمعة بشكل متزايد، وبالتالي فلا يمكنك الترويج لإسرائيل بطريقة مباشرة، وعلى ذلك عليك العمل على صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي تقدم محتوى ترفيهيًّا، وبين وقت والآخر تروج شيئًا عن إسرائيل».

في الوثائقي، يظهر طوني في مقابلة مع جوردان سشاشتيل، والذي يعمل في منظمة تشرف على حملات سرية في وسائل التواصل الاجتماعي، كصفحة «سول ماما» و«كاب أوف جين»، ويذكر سشاشتيل لطوني: «نريد أن نظهر للناس أنّ محتوانا موضوعي بقدر المستطاع»، ويضيف علي أبو النعمة: «ترويج صور القطط اللطيفة للناس عملية سهلة، ولكنّ ترويج التمييز العنصري بين الناس مهمة أصعب بكثير».

كما يوجد حراكٌ كبير من المجتمع اليهودي في أمريكا، لنزع شرعية مؤسسة «أيباك» من تمثيل اليهود في أمريكا، يذكر جوزيف بيرمان، وهو أحد الأحبار اليهود: «أيباك لا تمثل الأمريكان اليهود، معظم الأمريكان اليهود يعارضون سياسات دولة إسرائيل»، وعليها تعمل مؤسسة «صوت اليهود من أجل الحرية»، على حملات ضد «أيباك».

ومن أمثلة ذلك التظاهرات التي حدثت في شهر مارس (آذار) من عام 2017 أمام مبنى «أيباك» وقت انعقاد مؤتمرهم السنوي، حمل المتظاهرون فيها شعارات تنادي بحق اليهود الأمريكيين في تمثيل أنفسهم، وشعارات تنادي بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية. يذكر ميرشيمر في نهاية الوثائقي: «يوجد استبيان يشير إلى أنّ 32% فقط من الأمريكان اليهود تحت سن الثلاثين، تعني لهم إسرائيل شيئًا من حيث هويتهم اليهودية».

لا يقل قوة عن نظيره في أمريكا.. ماذا تعرف عن اللوبي الإسرائيلي في روسيا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد