4,757

لسنواتٍ طويلة بدا أن شبكة «الجزيرة» الإعلامية عصيّة على المنافسة أو الاستنساخ، وصار الانضمام إلى طاقم عملها حُلمًا يكفل لصاحبه راتبًا مجزيًا، واستقرارًا وظيفيًا، فضلًا عن نظرة الجمهور إليك كأحد «نجوم» المجتمع؛ باعتبارها المحطة التلفزيونية الأبرز عربيًا على الإطلاق، لكن اندلاع الربيع العربي، وما فرضه من استقطاب إعلامي واصطفافاتٍ سياسية، قد جعل بعض إعلاميي القناة يعيدون صياغة مواقفهم من الشبكة، ويقرر بعضهم إنهاء العمل معها؛ لينتهي الحال ببعضهم في الجانب المضاد تمامًا لها.

اقرأ أيضًا: «الجيش الذي لا يُهزم».. معارك الجزيرة السياسية والمهنية

لونا الشبل.. من شاشة الجزيرة إلى «عرين» الأسد

منتصف العام 2010، وفيما كانت شبكة الجزيرة في أوج تألّقها وتوسّعها، بحيث صار الانضمام إلى المحطة منتهى آمال الكثير من الإعلاميين العرب، استيقظت الساحة الإعلامية على نبأ استقالة خمس مذيعات من قناة الجزيرة، ذكرت بعض وكالات الأنباء أن سبب الاستقالة يعود إلى خلافات مع الإدارة حول عدة مسائل، بينها الضوابط على اللباس والماكياج، فيما ذكرت بعض المذيعات المستقيلات لاحقًا أن الخلاف كان يعود إلى أسبابٍ «مهنية بحتة».

من بين تلك المذيعات الخمس، كانت الإعلامية السورية «لونا الشبل» التي انتقلت إلى العمل بالقناة قادمة من شاشة التلفزيون السوري، فقدمت برنامج «للنساء فقط»، قبل أن تصير من أبرز مذيعات النشرة، كما أجرت العديد من اللقاءات والمقابلات الصحافية والتغطيات الهامة، الأمر الذي جعلها من أهم وجوه القناة.

لكنّ «خلاف» الشبل مع الجزيرة لم يلبث أن استحال إلى «عداء» ظاهر، فلم تكد تمضي أشهر قليلة على استقالتها من المحطة، حتى اندلعت الثورة السورية التي اتخذت فيها القناة موقفًا مؤيدًا للمتظاهرين ضد حُكم الأسد، فيما اصطفت الشبل إلى جانب معسكر النظام، فخرجت على شاشات الإعلام الموالي لتدافع عن الأسد، وتصف الثورة ضده بـ«المؤامرة الإعلامية والسياسية» المخطط لها، كما شنت هجومًا على زملائها السابقين في الجزيرة، والتي اتهمتها بالكذب وخيانة الأمانة الصحافية، معلنة أن ذلك هو السبب الحقيقي وراء استقالتها.

زاد انخراط لونا الشبل في الحملة المدافعة عن النظام، فعينت مستشارة إعلامية للأسد، كما كانت عضوًا في وفد النظام الذي شارك في مفاوضات «جنيف 2»، وقد كان يُشاع على نطاق واسع أن الشبل هي الآمر الناهي في ملف الإعلام الرسمي، بحكم موقعها وقربها من الأسد، وأنها هي المتحكم الحقيقي في المشهد الإعلامي برمّته، قبل أن تنتشر لاحقًا بعض الأنباء – لم يتسنّ التأكد منها – عن قيام عقيلة الرئيس السوري «أسماء الأسد» بطرد الشبل من منصبها كمستشارة في القصر الجمهوري، وإصدار تعميم للدوائر الحكومية يقضي بوقف التعاون معها أو تقديم التسهيلات لها.

غسان بن جدو ومجموعة «الميادين».. الأبناء المتمردون

يعرف متابعو قناة الجزيرة اسم «غسان بن جدو» جيدًا، الصحافي التونسي- اللبناني الذي عملَ مديرًا لمكتب القناة في طهران، ثم بيروت، والذي أطلّ مرارًا على شاشة القناة عبر برنامج «حوار مفتوح»، حيث جذب الكثيرين بطريقته الفريدة في إدارة الحوارات والمقابلات، حتى صار من أهم وجوه القناة.

لكن صفو العلاقة بين «بن جدو» والجزيرة لم يدم طويلًا بعد اندلاع ثورات الربيع العربي؛ إذ تقدّم باستقالته من القناة اعتراضًا على ما اعتبره «لامهنية» القناة في تغطية الأحداث في سوريا والبحرين، مؤكدًا بأنه لن يكون «شاهد زور» ولن ينجرف إلى إعلام «انحدر إلى التحريض والعنف».

وكما رسمت استقالة «بن جدو» لقطة النهاية مع الجزيرة، فقد كانت كذلك إيذانًا ببدئه تجربة اعتبرها «منافسة» للقناة؛ إذ أعلن بن جدو في يونيو (حزيران) 2012، انطلاق فضائية «الميادين» التي اتخذت من بيروت مقرًا لها، ويلاحظ أن عددًا كبيرًا من طاقم عمل «الميادين» كان من صحافيين وإعلاميين عملوا سابقًا في الجزيرة، كالمذيعة اللبنانية لينا زهر الدين، والإعلامي «سامي كليب»، وهو الزوج السابق للمذيعة «المنقلبة» على القناة كذلك لونا الشبل، والتي سبق أن أشرنا إليها.

وتتخذ الميادين خطًا تحريريًا على النقيض تمامًا من خط الجزيرة؛ إذ يلاحظ دعمها لنظام الأسد وحزب الله، واحتفاؤها بالانتصارات الحكومية على المعارضة المسلحة، وتثور الاتهامات حول مصدر تمويل القناة؛ لتشير أغلبها إلى إيران وحزب الله، لاسيما بالنظر إلى العلاقة المميزة التي تجمع «بن جدو» بحزب الله وبزعيمه حسن نصر الله، وبصلاته التي استمدها خلال عمله الصحافي السابق في إيران، وبالإشارة كذلك إلى كون مشروع «الميادين» كان قد انطلق في الأساس بشراكة مع اللبناني «نايف كريم» المدير العام السابق لقناة المنار، لسان حزب الله وذراعه الإعلامي.

لميس الحديدي.. الانقلاب من النقيض إلى النقيض

لا تخفي المذيعة المصرية «لميس الحديدي» عداءها الشديد لقناة الجزيرة، ولقطر وعائلتها الحاكمة بشكل عام، وتمتلئ صفحات الإنترنت بمقاطع الفيديو التي تهاجم فيها «الحديدي» الجزيرة وإدارتها، وتتهمها بالـ«كذب»، أو تهاجم دولة قطر، وتتهمها بالتآمر ضد مصر وشعبها.

إلا أن المفاجأة كانت مع انتشار مقطع فيديو يعود إلى أواخر تسعينات القرن الماضي، وتظهر فيه «الحديدي» وهي تقدم برنامج بعنوان «للنساء فقط» على شاشة القناة القطرية، وقد أثار ذلك سخرية نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اتهموا الإعلامية المصرية بتبديل جلدها وتغيير مواقفها.

محمد فهمي.. مع السجّان ضد الجزيرة

جرت العادة على أن المعتقلين السياسيين الذين يجدون سبيلًا للخروج من وراء القضبان، والانتقال إلى فضاء الأرض الواسعة، يكرسون ما بقي من حياتهم للتشهير بسجّانيهم، وفضح انتهاكاتهم، كان هذا ما يتوقعه الجميع من صحافي الجزيرة السابق «محمد فهمي» الذي قضى شهورًا خلف جدران السجون المصرية، قبل أن يُطلق سراحه، ليتخذ المسار الذي فاجأ الجميع.

كان «محمد فهمي»، الصحافي المصري الذي يحمل الجنسية الكندية، يعمل لصالح قناة الجزيرة عندما اعتُقلَ مع صحافيَّين آخرين، بينهما الاسترالي بيتر غريسته، على يد السلطات المصرية التي اتهمتهم بنشر أخبار كاذبة، والدعاية لصالح جماعة الإخوان المسلمين المصنفة من قبل السلطات جماعة «إرهابية»، في القضية التي عُرفت إعلاميًا باسم «خلية الماريوت».

وعلى مدار أكثر من عام، لم تُفلح محاولات فهمي لنفي التهمة، فلم يجد في نهاية المطاف سبيلًا لاسترداد حريته، إلا بالتنازل عن جنسيته المصرية، للاستفادة من تشريع يسمح للرئيس المصري بترحيل المتهمين الأجانب في قضايا محلية إلى بلدانهم الأصلية، وهو ما تم بالفعل، ليخرج محمد فهمي من السجن، ويشمر عن ساعديه، لينطلق في رحلته لـ«الانتقام».

والمثير أن غضب فهمي بعد خروجه لم يتوجه إلى السلطات المصرية التي اعتقلته لشهور طويلة، بل ارتد على قناة الجزيرة نفسها، جعل فهمي يصول ويجول، يوجه الانتقادات للجزيرة، ويتهمها حينًا بتضليله، أو بالتقاعس في الدفاع عنه، كما اتهمها بأنها كانت بوقًا للإخوان المسلمين، وبأنها لا تدعمهم فقط، بل إنها ترعاهم، وأنها تأوي بين صفوف العاملين بها «هاربين من العدالة».

صارت قضية فهمي الشخصية هي الهجوم على الإخوان والجزيرة، وعلى دولة قطر وحكامها، حتى إنه كان ضمن الحضور فيما سُمّي «مؤتمر المعارضة القطرية» الذي انعقد في لندن قبل أيام، حيث شن كعادته هجومًا عنيفًا على القناة والنظام القطري، وقد ظلت قصة فهمي محيرة للكثيرين، حتى كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» النقاب عن  تفاصيل «صفقة» ما، بين السفير الإماراتي في واشنطن «يوسف العتيبة» وبين فهمي، تلقى بموجبها الأخير ربع مليون دولار، نظير رفع دعوى قضائية ضد الجزيرة والتحريض عليها، فضلًا عن طلبه تغطية وسائل إعلام إماراتية مؤتمره الصحافي ضد القناة.