لم يُخيب رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، آمال أكراد العراق، عندما منحوه دعمًا رئيسيًا لتولي رئاسة الحكومة العراقية في أبريل (نيسان) الماضي؛ إذ يشهد على ذلك صور الاحتفاء الكبير به على أرض إقليم كردستان العراق، التي لم تطأها قدم مسؤول رسمي من الحكومة الاتحادية العراقية في بغداد منذ زمن.

وقبيل زيارة الكاظمي في العاشر من سبتمبر (أيلول) الحالي، مهدت عدة أحداث إلى قرب حل عدة قضايا عالقة بين الجانبين، إذ سبق وأن تعهد رئيس الوزراء العراقي في برنامجه الحكومي الذي قُدم للبرلمان بعد أيام من توليه المنصب، بالعمل من أجل جميع المواطنين العراقيين بمن فيهم مواطني إقليم كردستان.

ليتبع ذلك إرسال الكاظمي مبلغ 320 مليار دينار (نحو 268 مليون دولار) شهريًا إلى أربيل، التي عجزت بسبب قطع بغداد الأموال عنها، عن دفع رواتب موظفيها، وهي التحركات التي يمكن القول بأنها جسدت وجود إرادة حقيقية للوصول إلى اتفاق نهائي بشأن المشاكل العالقة بين الجانبين.

فهل يملك الكاظمي الذي يتمتع بعلاقات تاريخية مع أغلب زعماء الكرد، قدرات تساعده على حل مشاكل بغداد مع أربيل، هذا ما سيجيب عنه التقرير التالي لـ«ساسة بوست».

جملة قضايا خلافية بين بغداد وأربيل

هناك جملة من القضايا العالقة طويلة الأمد بين بغداد واربيل يعود تاريخ بعضها إلى عام 2004. من بينها عودة البشمركة الى المناطق المتنازع عليها، وملف تصدير نفط الإقليم، وحصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، ومرتبات موظفي الإقليم.

الأكثر بروزًا في الملفات السابقة، هو الملف النفطي، الذي يرتبط بقيام الاقليم بتصدير النفط الخام من حقوله منذ عام 2013 بشكل مستقل ودون موافقة بغداد. إذ وُضع هذا الملف دومًا في اطار الحسابات السياسية. فكردستان التي تُصدِّر 450 ألف برميل من النفط عبر خط أنابيب جيهان التركي كل يوم؛ أُلزمت فيما بعد باتفاقيات مع بغداد تجبرها على أن ترسل 250 ألف برميل النفط يوميًا إلى شركة «سومو» المملوكة لبغداد، على أن يذهب الباقي إلى ميزانية حكومة إقليم كردستان. فيما تلتزم بغداد بدفع مستحقات رواتب موظفي إقليم كردستان.

لكن هذا الاتفاق كان عرضة للاختراق والخلافات بين الجانبين، ففي أبريل (نيسان) الماضي، قررت بغداد قطع رواتب موظفي الدولة في كردستان بعد اتهام حكومة الاقليم بعدم الالتزام باتفاق تسليم 250 ألف برميل لبغداد، وهو ما نفت صحته حكومة أربيل.

ملف آخر من الملفات العالقة بين الجانبين يتعلق بقضية المنافذ الحكومية العراقية التي يمكن وصفها بالشريان الاقتصادي الثاني بعد النفط، إذ تؤمن ما نسبته 12% من اقتصاد العراق. فالكاظمي الذي وضع سيطرة حكومته علي المعابر الحدودية البرية على رأس أجندته السياسية والاقتصادية، ونجح في مضاعفة عائدات العراق من تلك المنافذ (ارتفعت من 30 مليون دولار إلى 52 مليون دولار)، يتعرض الآن للضغط من أجل السيطرة على خُمس المعابر العراقية المعتمدة دوليًا، التي تقع في اقليم كردستان ولا سلطة لحكومة بغداد عليها.

يقول مستشار «مركز العراق الجديد للبحوث والدراسات»، شاهو القرة داغي، أن المشاكل السياسية بين إقليم كردستان وبغداد هي نتيجة لتراكم عشرات السنين منذ تأسيس الدولة العراقية. وهذه المشاكل استمرت بعد تغيير النظام السابق ومشاركة الكرد في النظام العراقي الديمقراطي بعد 2003، والمساهمة في كتابة الدستور بسبب غياب إرادة حقيقية للوصول إلى اتفاقيات نهائية والتركيز على اتفاقيات شخصية كانت تنتهي آثارها بمجرد حدوث تغييرات سياسية في بغداد.

الأكراد معنيون بـ«الصلح» مع بغداد

على وقع الاحتجاجات الشعبية التي كانت تشهدها العراق منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان إقليم كردستان أيضًا يشهد مثل تلك الاحتجاجات بسبب الفساد وارتفاع معدلات الفقر وتعثر الحكومة وتأخير دفع الرواتب، كما تُظهر شعارات المحتجين في مناطق متعددة من الإقليم.

Embed from Getty Images

على سبيل المثال، خرج سكان الإقليم في منتصف أغسطس (آب) الماضي بعد أن عجزت الحكومة عن دفع رواتب الموظفين لثلاثة أشهر متتالية بسبب الخلافات بيننها وبين حكومة بغداد حول إدارة ملف الثروة النفطية كما أسلفنا، ويعود تاريخ الأزمة المالية لحكومة كردستان العراق إلى فبراير (شباط) 2016، حين بدأ تطبيق نظام ادخار الرواتب بنسب تراوحت بين 15% إلى 75%، ثم أجرت تعديلا في 2018 على النظام لتصبح نسب الاستقطاع بين 10% إلى 30%.

وقد تفاقمت الأمور في أبريل الماضي، فمن أجل الضغط على الإقليم الذي لم يلتزم باتفاق تسليم 250 ألف برميل من النفط يوميًا إلى بغداد قررت الأخيرة قطع رواتب الموظفين الشهرية الملزمة بها، والتي تصل إلى 453 مليار دينار عراقي (حوالي 380 مليون دولار) شهريًا، مما تسبب في أزمة اقتصادية خانقة خلقت استياء اجتماعي واسع النطاق.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
كردستان العراق ليست الأولى.. 5 دول كردية استقلت غالبًا لم تسمع عنها!

الآن وفي ظل خطورة الوضع بسبب الأزمات المتكررة التي لا تقف فقط عن تراجع أسعار النفط عالميًا، التي تسببت في انخفاض دخل حكومة كردستان بنسبة 75 % إن لم يكن أكثر، أو ما خلفته جائحة كورونا؛ فإن قادة الإقليم معنيين لحد كبير بحل المشاكل مع الحكومة الاتحادية في بغداد. وكما يقول مستشار مركز العراق الجديد للبحوث والدراسات شاهو القرة داغي لـ«ساسة بوست»: فـ«الإقليم يمر بظروف اقتصادية صعبة ومديونية تصل إلى 27 مليار دولار، والحكومة عاجزة عن دفع رواتب الموظفين بشكل كامل في مواعيدها، وبالتالي هي بحاجة إلى اتفاق سريع مع بغداد بخصوص الرواتب لمعالجة المشاكل المالية».

كما ينوه داغي خلال حديثه مع «ساسة بوست» إلى وجود تفاؤل كردي بالكاظمي بسبب خلفيته العلمانية وعدم انتمائه إلى الأحزاب الشيعية وحديثه المتكرر عن الاحتكام للدستور، ما يشجع قادة الكرد على التعاون الجدي مع الكاظمي للوصول إلى تفاهمات حقيقية مستقبلًا.

ويضيف: «يبقى هناك بعض المخاوف من قبل الأحزاب الرئيسية في الإقليم – وخاصة الديمقراطي الكردستاني – من قيام الكاظمي بتحجيم الصلاحيات الدستورية للإقليم مقابل موافقته على ارسال الرواتب والوصول إلى الاتفاقيات المالية مع أربيل، أو نية الكاظمي الدخول في المنافسة الانتخابية في إقليم كردستان والتأثير على أصوات الأحزاب الكردية في الانتخابات المبكرة القادمة. ولكن لم يتخذ الكاظمي – حتى الآن – أي خطوات تؤكد وجود هذه النية في التعامل مع الإقليم». 

هل يستطيع الكاظمي حل القضايا العالقة مع إقليم كردستان العراق؟

بالتأكيد، هناك عدة عوامل قائمة تصعب مهمة الكاظمي في التوصل إلى اتفاقيات نهائية مع اربيل، منها وجود ضغوطات كبيرة من جانب الأحزاب الشيعية في بغداد تطالب الكاظمي بالتعامل مع الإقليم بصورة شديدة ورفض ارسال الرواتب ومحاولة السيطرة على المعابر الحدودية باستعمال القوة بعيدًا عن الأساليب الدبلوماسية.

يقول الصحافي العراقي إياد الدليمي لـ«ساسة بوست»: «هناك رغبة إيرانية في وجود أوراق ضغط على الإقليم في إطار سعي طهران للتضييق على القوى الكردية الايرانية المعارضة التي تتخذ من كردستان العراق منطلقا لها»، ويضيف: «الكاظمي يحاول أن يقدم مقاربة جديدة تتعكز على منح بغداد صلاحيات أوسع فيما يتعلق بالمنافذ الحدودية، وأيضًا إيرادات نفط كردستان – التي تشكل عصب الخلاف بينهما – التي تطالب بها بغداد، مقابل منح الإقليم حصته المقررة بالدستور والتي تبلغ 17٪؜ من ميزانية الدولة العراقية».

في الواقع، يبدو للمراقبين أن الكاظمي الذي بحاجة إلى وقت كافٍ لإنهاء الملفات العالقة؛ محاصر الآن بأزمات غير مسبوقة، مثل الانخفاض الكبير في سعر خام برنت إلى حوالي 27 دولار للبرميل، وذلك في ظل اعتماد ميزانية العراق على أكثر من 90% من عائدات النفط، وما أضافته أزمة كورونا، من مزيد من المعاناة على العراقيين مع تفشي الفساد الإداري وتفاقم الصراعات السياسة بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.

كما أن الكاظمي الذي يحتاج الآن لدعم سني كردي، معني الآن بكسب الموقف الأمريكي الداعم لإبرام صفقة ميزانية عاجلة مع حكومة كردستان وحل الملفات العالقة. جدير بالذكر أن الكاظمي سافر واشنطن في 18 أغسطس (آب) 2020 واصطحب معه وفدًا كرديًا، ويهمه الآت إنقاذ بلاده من فرض عقوبات اقتصادية مشددة بسبب النفوذ الإيراني.

وبناء على ذلك يعتقد الصحافي العراقي إياد الدليمي أن لدي الكاظمي فرصة جيدة لحل العديد من القضايا العالقة بين بغداد واربيل، في ظل وجود دعم دولي قوي لحل هذا الخلاف تمثل في المشاورات التي جرت خلال زيارة الكاظمي برفقة وفد من إقليم كردستان العراق لواشنطن.

ويوضح الدليمي: «لعل واحد من أهم أسباب عوائق حل القضايا العالقة هو عدم توفر دعم دولي سابق، فمن خلال ما يتوفر له من دعم دولي الآن، يحاول الكاظمي أن يصفر المشاكل التي تواجه العملية السياسية برمتها بما فيها موضوع الخلاف مع الاقليم، كونه يدرك، ويدرك من يدعمه من قوى إقليمية ودولية، أن فشله سيعني انهيار منظومة العملية السياسية».

عربي

منذ شهر
بدأ المعركة مبكرًا.. هل ينجح الكاظمي في كبح جماح الفصائل المسلحة العراقية؟

ويتابع القول: «قادة إقليم كردستان يدركون جيدًا أن الكاظمي بما يحظى به من دعم دولي، يمكن أن يشكل فرصة للخروج من عنق الزجاجة الذي يعيشه الإقليم في ظل عدم حل القضايا العالقة مع بغداد، لذا فان قادة الإقليم معنيون بحل تلك الخلافات خاصة وأن الشارع الكردي بدأ يتململ من غياب الرواتب وتأخر تسليمها».

المصادر

تحميل المزيد