تمر العراق بمنعطفات سياسية كُبرى وتحولات نوعية في سياستها الداخلية والخارجية، والتي آتت متزامنة مع صعود مصطفي الكاظمي لمنصب رئيس الوزراء، الذي أضفى تعيينه في هذه المهمة إثارة في المشهد العراقي، كان أبرز مظاهرها سلسلة التغييرات في الكثير من المناصب الأمنية، والهجوم على مجموعات منضوية تحت ميلشيات الحشد الشعبي والإفراج عنها لاحقًا، وأخيرًا اغتيال الباحث، والمستشار السابق للحكومة العراقية هشام الهاشمي.

الكاظمي صاحب الخلفية الاستخباراتية، المدعوم أمريكيًا وخليجيًا، والذي ارتقى للمنصب بموافقة برلمانية من أغلبية داعمة لإيران، يحاول تفكيك تعقيدات المشهد الداخلي والخارجي للبلاد، بسياسة يلتزم فيها بقدر كبير من ضبط النفس، دون أن يخرج بتصريحات تُظهر انحيازًا لجهة على حساب أخرى.

في المشهد المتداخل، تبرز الطوائف السياسية كفاعل سياسي مؤثر في أي سياسة خارجية أو داخلية للعراق، وهو ما سيحاول كاتب التقرير تتبعه عبر التعرف على انطباعاتها تجاه الأوضاع الداخلية والخارجية، وتحديدًا سياسات الكاظمي الذى سحب الأضواء من الجميع مؤخرًا.

ما فعله الكاظمي في شهرين: صدامات وهيكلة «ستغضب الجميع»

شرع مصطفى الكاظمي، رئيس المخابرات السابق، عقب صعوده لمنصب رئيس الوزراء، في إصدار سلسلة قرارات نحو كثير من القضايا المحظور الاقتراب منها طيلة السنوات الماضية، ليتصدر بهذه السياسة الجديدة المشهد العرقي، ويصبح تحت المجهر من الجميع في الداخل والخارج، ممن حرص على نيل دعمهم جميعًا دون الإعلان عن مواقف عدائية تجاه أحد.

كان الأبرز من بين هذه القرارات هي اقتحامه ملف الميلشيات المُسلحة المدعومة إيرانيًا، من خلال تفويض قوّات «جهاز مكافحة الإرهاب» العراقي في 25 يونيو (حزيران)، للقبض على 14 عنصرًا من «كتائب حزب الله» أثناء قيامهم بإعداد هجمات صاروخية على مطار بغداد والسفارة الأمريكية، بحسب ما صدر في البيان الرسمي.

وسبق هذا الهجوم تعهد من الكاظمي للجانب الأمريكي بوقف هجمات الميلشيات على القوات الأجنبية في البلاد، وعلى رأسها القوات الأمريكية. و«الكتائب» التي تُدرجها واشنطن على لائحة المنظمات الإرهابية، هي أكبر الميليشيات المدعومة من إيران في «الحشد الشعبي»، الذي تشكل على أثر فتوى دينية في عام 2014 لمواجهة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وتم اعتباره فيما بعد جزءًا من القوات العراقية الرسمية، وصعدت هذه الكتائب للواجهة بعدما أصبح أفرادها القوام الرئيس لقوات الحشد، عقب وفاة أبي مهدي المهندس.

الاستثنائية فيما أقدم عليه الكاظمي حينها هو أن أفراد كتائب «حزب الله» لم تتهمهم الحكومات السابقة بأي شيء، خلال السنوات الماضية، بالرغم مما برز من أدلة على تنفيذهم هجمات صاروخية تجاه قواعد عسكرية أمريكية أدت لإصابة العشرات.

وأمام الاستثنائية في تنفيذ هذا القرار، كان رد الفعل كبيرًا من قادة هذه الكتائب التي تحركت سريعًا من خلال تنظيم عرض عسكري لأفرادها المُسلحين في «المنطقة الدولية» ببغداد، مطالبةً الحكومة بإطلاق سراح الرجال المحتجزين ووضعهم في عهدتها.

وتبع هذا العرض سلسة تهديدات للكاظمي، حتى تم الإفراج عنهم بعد أربعة أيام من الحبس، وسط احتفاء أنصارهم، وعزمهم على مقاضاة الكاظمي بتهمة «خطف» المقاتلين، استنادًا إلى «تهم كيدية» بحسبهم؛ ليبدو الكاظمي عاجزًا أمام وعده لواشنطن بالحد من قدرات الميلشيات التي هاجمت قواعدها. وقد تعززت هذه الصورة مع رفضكتائب حزب الله دعوات الكاظمي لتسليم السلاح، مؤكدين على أن السلاح «لن يسلَّم إلا بيد مولانا ابن الحسن سلام الله عليه»، في إشارة إلى المهدي المنتظر، في العقيدة الشيعية.

غير أن المواجهة بين الكاظمي والميلشيات المدعومة إيرانيًا لن تتوقف عند الجولة الحالية، بل ستتبع بمواجهات لاحقة، بحسب دبلوماسيين ومصادر غربية تحدثت لصحيفة «الواشنطن بوست»، عبر أتباع الكاظمي، المدعوم أمريكيًا، وسيلة للضغط على قادة الحشد الشعبي لتنحية المجموعات الخارجة، خصوصًا مع عدم ارتياح قادة في الحشد الشعبي للسلطة الموازية التي تحتفظ بها بعض الجماعات المرتبطة بإيران، وتصاعد الخلافات بين هذه المجموعات للاستحواذ على الدعم الإيراني.

وتوج الكاظمي سياسته الجديدة بإعلانه عملية تغيير إدارية وهيكلية كبرى «تغضب الأحزاب والكتل السياسية»، كما أعلن في اجتماع مع مجموعة من الإعلاميين. ظهرت هذه التغييرات سريعًا بتعيين قاسم الأعرجي، مستشارًا للأمن الوطني، وتكليف الخبير عبد الغني عجيل بإدارة جهاز الأمن الوطني، واختيار نبيل جاسم رئيسًا لشبكة الإعلام العراقي.

المشهد الختامي في مسيرة الكاظمي الحافلة خلال الشهرين الفائتين منذ صعوده للمنصب هو اغتيال أحد أصدقائه المُقربين، وهو الباحث والمستشار السابق للحكومة العراقية هشام الهاشمي، أمام منزله وسط بغداد؛ ليخرج رئيس الوزراء متعهدًا بالقبض على المتورطين في تنفيذ الهجوم، والقضاء على «المافيا»، مع قراره بإعفاء قائد الفرقة الأولى بالشرطة الاتحادية من منصبه.

ولا ينفصل مقتل الباحث العراقي عن مهاجمة الكاظمي لكتائب حزب الله، ويقول على أديب، الباحث العراقي، والصحافي السابق بصحيفة «الواشنطن بوست» الأمريكية، على صفحته عبر «الفيسبوك»بأن «مقتل الهاشمي رسالة إيرانية دموية للكاظمي، ولكل من يفكر في اختراق الخطوط الحمراء في العراق»، بحسبه.

عربي

منذ 3 شهور
الكاظمي.. استراتيجية رجل المخابرات العراقي للنجاة من أفخاخ الخصوم والأصدقاء

وبحسب مصدر يعمل باحثًا متخصصًا في «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وكان مُقربًا من الكاظمي قبل صعوده للمنصب، وصديقًا للهاشمي، تحدث لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته، فالكاظمي، المدعوم أمريكيًا وخليجيًا مُدرك أنه لن يستطع مواجهة النفوذ الإيراني، وهو لا يسعى إلى ذلك الأمر؛ لكنه في النهاية يحاول استثمار الخلافات داخل قوات الحشد الشعبي التي يمتدحها دومًا، للحد من قدرات قوات الميلشيات التي تتمسك باستقلاليتها بالرغم من انخراط أفرادها في الحشد.

لكن كيف ترى الطوائف السياسية الكاظمي في العراق؟

حظيت سياسات الكاظمي خلال الشهرين الفائتين بتقديرات وانطباعات متباينة من الائتلافات السياسية، التي تُعد أبرز النافذين في الساحة العراقية، والتي يعكس نفوذها حجم تأثير الدول الداعمة لكل ائتلاف في الداخل العراقي، ويوجد داخل البرلمان العراقي تسعة ائتلافات سياسية من أبرزها تحالف «سائرون نحو الإصلاح» الذي يتزعمه المرجع الشيعي مقتدى الصدر، و«ائتلاف النصر» الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، والذي ينظر له بوصفه قريبًا من أمريكا ودول الغرب.

وتضُم الكتل السياسية كذلك ائتلاف الوطنية الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، «تحالف القرار» الذي يقوده السياسي السني أسامة النجيفي، «الاتحاد الوطني الكردستاني»، وتيار «الحكمة الوطني» الذي يتزعمه عمار الحكيم.

غير أن الأغلبية والنفوذ في البرلمان، تذهب للكتل المدعومة من إيران، وهما بالترتيب تحالف «الفتح» بزعامة هادي العامري، ونظيره «دولة القانون»، وهو تحالف رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وقد تباينت رؤى الكتل المدعومة إيرانيًا تجاه تمرير ترشيح الكاظمي على منصب رئيس الوزراء، ففي حين وافقت عليه كتلة الفتح «اضطرارًا»، رفضه ائتلاف نور المالكي، الذي كان يعوِّل على دعم ائتلاف «الفتح» وبعض الأطراف الكردية في رفض التشكيلة الحكومية.

لكن «هل تغيرت مواقف الائتلافات السياسية وتحديدًا القريبة من إيران باعتبارها الأكثر نفوذًا بعد شهرين من وجوده في المنصب» يُجيب عن هذا السؤال الباحث العراقي ياسر هلاوي، في معهد الدفاع العراقي البحثي، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، قائلًا: إن أبرز الكتل السياسية النافذة في الداخل وصاحبة الأغلبية هي كتلة الفتح، المُقربة من إيران، وتحالف «دولة القانون» وهو تحالف رئيس الوزراء السابق نوري مالك، مؤكدًا أن الكاظمي حاول التقرب منهم بطرق مختلفة، غير أن هذه المحاولات قوبلت بتذكيره من جانبهم أنه مجرد رئيس وزراء تسوية لحل الأزمة بعد استقالة عادل عبد المهدي بسبب التظاهرات التي انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول).

ويضيف هلاوي أن هناك أشخاص من مثقفي الأحزاب الموالية لإيران يكتبون عن اجراءات الكاظمي بأنها «انقلاب ناعم»، ويحاولون محاربة كل ما يقوم به ويروجون بأنه يسعى للتخلص من «الحشد الشعبي»، مؤكدًا أن نيل الكاظمي الدعم الأمريكي لن يجعله قادرًا على تجاوز المحطات الصعبة والعراقيل التي تضعه أمامه الكتل المدعومة إيرانيًا في مسيرته السياسية. 

ويرسم هلاوي صورة كاملة لنفوذ الائتلافات السياسية ومواقفها من الكاظمي وقراراته الأخيرة، قائلًا أن تحالف النصر للعبادي «مفكك» وأغلبهم داعمون لائتلاف الفتح على خلاف موقف رئيسهم، والكتل السنية ضعيفة، وتحالفات الأكراد تذهب لمن يحقق مصالحها، مع العلم أن هناك أزمة قائمة حاليًا مع الحكومة بسبب تأخر دفع الرواتب، مؤكدًا أن الائتلاف الأكثر نفوذًا وصاحب الأغلبية الفعلية في ظل دعم نواب له من جانب «تحالف النصر»، و«دولة القانون»، و«تيار الحكمة».

ويلتزم تيار الفتح رسميًا الصمت دون التأييد أو الاعتراض على سياسة الكاظمي، غير أن القنوات الموالية له تصف اختيارات الكاظمي للوزراء بأنها «حكومة نشطاء الفيسبوك»، بحسب الهلاوي، الذي يُضيف أن بعضًا من أفرادها شارك في العرض العسكري الذي نظمته كتائب «حزب الله» احتجاجًا على سجن أفرادها قبل الإفراج عنهم.

«لكن هل يستمر الكاظمي؟» يجيب المصدر المُقرب من رئيس الوزراء العراقي، قائلًا «الكاظمي في موقف لا يحسد عليه، هو يحاول التغيير؛ لكن الوضع أكبر من قدرته كشخص منفرد. وهو يتعرض للوم الأصدقاء قبل الخصوم عند كل هفوة».
ويُضيف المصدر البحثي أن عند اضطرار الحكومة لاطلاق سراح الخلية المعتقلة، أكثر من هاجمه النشطاء العلمانيون واعتبروه ضعيفًا، غير مقدرين صعوبة الوضع وتعقيده بحسبه، موضحًا أن البعض يرى أن اغتيال الهاشمي رسالة من المليشيات للكاظمي إذ كان الهاشمي بمثابة مستشاره يستشيره في كثير من القضايا، ومع ذلك كتب المدونون المعارضون للميليشيات ضد الكاظمي أيضًا معتبرين أن موقفه غير مناسب لما حدث، ويعتبرون هذا الأمر اختبارًا له، وأن عليه كشف الجناة، لكنه يستدرك مختتمًا حديثه: «مصلحة الائتلافات السياسية المدعومة من إيران استمرار الكاظمي، لكن أن يكون تحت ضغط دائم وترهيب لأي قرار يصدره خشية أن ينال مزيدًا من النفوذ وسلطات أكبر».

المصادر

تحميل المزيد