«كانت مصر هي مسقط رأسي، وملعب أترابي، ومجمع ناسي، ومغنى عشيرتي وحاميتي وموطن خاصتي وعامتي» *المقريزي في مقدمة «الخطط المقريزية»

كتب المقريزي عن مصر كما لم يكتب مؤرخ قبله، وقُدر له أن يعاصر أيامًا شديدة التقلب والصعوبة، وتسنى له الاقتراب من نبض الشارع، ودفعه حبه الشديد لمصر لأن يخط بقلمه كتابات صارت مدرسة في التأريخ، عن مصر وعن غيرها من البلاد التي حل بها أثناء انتقاله بين مصر والشام ومكة المكرمة. 

كانت كتابات المقريزي تنبض بالحياة، فكأن قارئ مؤلفاته يشاهد حركة المارة في الأسواق، ويعرف أسعار البضائع في الأسواق، ويسمع جلبة الأصوات، ويشعر بنبض الناس، ويتحسس مواضع أقدامهم وآثار خطواتهم، يشتم روائح طبخاتهم المختلطة في الحارات ويعرف منها أحوالهم.

فتكشف كتاباته عن حب جارف يكنه المؤرخ الكبير للمحروسة، وهو الذي لم يُخفِ في مقدمة أشهر كتبه ولعه بالقاهرة ورغبته في الإحاطة بكل أخبارها في ماضيها وحاضرها، كما ذكرنا في المقدمة.

ابن حارة برجوان.. محتسب القاهرة والوجه البحري

ولد تقي الدين المقريزي في حارة برجوان بالقاهرة عام 766هـ/ 1366م، وتعود أصول عائلته لحارة المقارزة في مدينة بعلبك، ويطابق اسم الحارة إحدى ضواحي روما، ويرجَّح أنها كانت سكنًا للجالية الإيطالية التي قدِمت مع الحملات الصليبية، واكتسبت الأسرة هذا الاسم حين سكنت الحارة بعد أن خلت من سكانها الصليبيين، ولا تعود أصوله البعيدة إلى إيطاليا كما يتصور البعض.

مصدر الصورة

ومثل غيره من أبناء الطبقة الوسطى؛ حفظ المقريزي القرآن الكريم، ودرس علوم النحو، والتفسير، والفقه والحديث، والتاريخ والأدب، والحساب، وصار من «أهل القلم والمعرفة» بحكم طبقته التي سُمي أهلها بهذا تمييزًا لهم عن «أهل السيف» من المماليك. 

التحق المقريزي بعدد من الوظائف الحكومية في مصر والشام، فتولى الحسبة في القاهرة عدة مرات، وتولى الخطابة في مسجد عمرو بن العاص ومدرسة السلطان حسن، وتولى الإمامة بجامع الحاكم، وعمل قاضيًا ومدرسًا للحديث بالمدرسة المؤيدية. 

تمكن المقريزي من منادمة السلطان الظاهر برقوق وابنه الناصر فرج، وفي عام 801هـ/ 1398 م اختاره السلطان برقوق محتسبًا للقاهرة والوجه البحري، وهي الوظيفة التي احتك خلالها المقريزي بكافة طوائف المجتمع؛ أصحاب المهن والصنائع، وأرباب الأسواق والمتاجر.

كانت وظيفته هي ضبط الموازين والمكاييل والأسعار، ومراقبة أحوال النقد، وحفظ الآداب العامة ونظافة الشوارع، وتنظيم حركة المرور، والإشراف على المدارس والحمامات، كما كان عليه مراقبة أحوال الباعة المتجولين، والمتسولين الذين مثَّلوا خطرًا على البلاد حينها، فكان المقريزي يجلس في دكة المحتسب يفصل في شكاوى أهل السوق، ويوقع العقوبات على المخالفين، ويصدر الأوامر للعرفاء والنقباء. 

مجتمع يتغير والمقريزي يدون ويؤرخ

كان المقريزي يعايش أدق تفاصيل حياة الناس، وكانت الكتابات التاريخية تشهد تحولًا ملحوظًا؛ إذ لم تعد تقتصر على تسجيل شؤون الحكم والنخبة، بل خصصت مكانًا للحياة اليومية للناس وأحوال العامة، فالحضارة الإسلامية كانت قد وصلت إلى أوج نشاطها وأقصى نموها حين قدمِت الحملات الصليبية ثم المغولية، وتوقف الابتكار والإبداع.

وتوجه النشاط الثقافي نحو الحفاظ على التراث الفكري الكائن بالفعل، فظهر التجميع والشرح وشرح الشرح، وكانت حركة التدوين التاريخي مزدهرة بشكل لافت للنظر، فوصلت في عصر المماليك إلى أرقى مستوى وصلت له في تاريخ العصر الإسلامي، في مجتمع كان يموج بكثير من الظواهر النفسية والاجتماعية، فبدا للمؤرخين والمجتمع يتغير من حولهم دون أن يفهموا ما يحدث، أن يسجلوا تفاصيل ما كانت عليه حياة الناس، ويحتفطوا به مدونًا في المجلدات.

تناول المؤرخون أخبار السوق والشائعات، والعجائب والجرائم، والاحتجاجات الشعبية، وعلى رأسهم كان المقريزي يسجل تاريخ مصر منذ عصر الدولة الفاطمية وحاضرها في عصر المماليك، وهو الذي عاصر 10 سلاطين من بين 50 سلطانًا تعاقبوا على الحكم في عصر دولتي المماليك، وشهد أوبئة متعددة تعصف بمصر وهزات اقتصادية متتابعة تضرب الأسواق وتفقر الناس.

المقريزي والسنوات الدمشقية

شغلت وظيفة الحسبة المقريزي عن القراءة والتدوين، وضاق بالمنصب الذي تطلب منه الانشغال به ليل نهار، فرحل في عام 811هـ/ 1408م إلى دمشق للتدريس في المدرسة الإقبالية والمدرسة الأشرفية، وقضى هناك ما يقرب من 10 سنوات كانت غزيرة الإنتاج، فكتب فيها أول مؤلفاته الطويلة، وهو السيرة النبوية «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والحفدة والأخوال والأتباع»، ثم كتاب «النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم».

مصدر الصورة

أعرض المقريزي بعد ذلك عن كل الوظائف، أو ربما  أُبعد عنها كما يرجح البعض، ولم يكن على استعداد لاسترجاع هذه الوظائف؛ إذ كان هذا يعني أن يلجأ للرشوة كما كان شائعًا حينها، فقد كان حصول الناس على الوظائف الكبرى مرهونًا بما يبذلونه من مال لدى الحكام، فتعفف المقريزي عن ذلك ولزم بيته منصرفًا إلى العبادة والتأريخ.

رحل المقريزي عن دمشق إلى مكة المكرمة ليحج بيت الله ويفصل بين مرحلتين مهمتين من حياته، فعاش هناك خمس سنوات يدرس الحديث، وهناك كتب مؤلفاته عن بلاد العرب؛ «الكلام ببناء الكعبة بيت الله الحرام»، و«التبر المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك»، وكتابه « الطرفة الغريبة في وصف حضرموت العجيبة». 

عاشق القاهرة وتلميذ ابن خلدون

بلغ عدد الشيوخ الذين تتلمذ المقريزي عليهم 600 شيخ كان أبرزهم ابن خلدون، وقد جمعت بينهم صداقة متينة، وكان أكثر شيوخه تأثيرًا فيه، خاصة وقد عرفه في مرحلة النضج، فتأثر بمقدمته تأثرًا كبيرًا، وبرؤيته في التاريخ والعمران.

ظهر أثر ابن خلدون في رسالة المقريزي «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، التي عالج فيها الظواهر التي أدت إلى ما حل بمصر من خراب ودمار، فأخذ يشرح النظم السياسية والاقتصادية التي توالت على مصر وأسباب ما حدث.

كان المقريزي يحلل أسباب الأزمة ويعرض طرق معالجتها، وعلى غير المعهود حينها، لم يُرجع السبب إلى القدر وحده، ولم يدعُ إلى التوبة فقط، بل تجاوز ذلك ليقول إن للكارثة أسبابها المادية البحتة؛ إذ انخفض منسوب النيل فتعطلت الزراعة وارتفعت الأسعار، ويشير إلى أصل الفساد، وهو ولاية الخطط السلطانية وتوزيع المناصب بالرشوة، وغلاء الأطيان بسبب إقطاعات الأمراء، ثم وضح حل الأزمة بتصحيح وضعية النقد وإعادته إلى الذهب والفضة، والحد من إغراق السوق بالنقد الذي لا قيمة له، الذي يسبب التضخم عنه.

خطط المقريزي.. أعظم كتبه عن مصر  

في عام 845هـ/ 1441م عاد المقريزي إلى حارة برجوان بالقاهرة وصارت داره فيها مكانًا لتعليم تلاميذه ولتأليف مؤلفاته الكثيرة، وأبرزها مؤلفه عن تاريخ القاهرة «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار».

«ما زلت مذ شذوت العلم وآتاني ربي الفطانة والفهم، أرغب في معرفة أخبارها، وأحب الإشراف على الاغتراف من آبارها» *المقريزي

كتب المقريزي في الخطط عن كثير من الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وأفاد من تنوع معارفه واطلاعه على أحوال مجتمعه وتنوع مصادره، غير أن جل ما كتبه كان مشاهداته وما شارك فيه سكان المحروسة في سنوات التغيير بين عصر المماليك البحرية وعصر المماليك الجراكسة، يكتب المقريزي فيقول «شاهدت كذا»، أو «أدركنا كذا»، ويصف ما تحتويه الخطط فيقول:

«أردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر عن الآثار الباقية والقرون الخالية، وما بقي بفسطاط مصر من المعاهد غير ما كاد يفنيه البلى والقدم، ولم يبق إلا أن يمحو رسمها الفناء والعدم، وأذكر ما بمدينة القاهرة من آثار القصور الزاهرة، وما اشتملت عليه من الخطط والأصقاع، وحوته من المباني البديعة الأوضاع، مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان الأماثل، والتنويه بذكر الذي شادها من سراة الأعاظم والأفاضل»، ثم يقول «وأنثر خلال ذلك نكتًا لطيفة وحكمًا بديعة شريفة، من غير إطالة ولا إكثار». 

مصدر الصورة

لم يكتفِ المقريزي بذكر الحوداث وإنما استخلص العبر وبحث عن العظة، وكشف في مواضع كثيرة عن عاطفته حين يصف ما حل بالمدن والشوارع والمساجد، وكان بين ما وجهه الباحثون إلى الخطط من انتقادات، كثرة ما احتوته من «خرافات» يصدقها المقريزي ويذكرها ويدلل على صحتها، رغم أن فيها «ما يمجه العقل ويأباه الذوق».

فيذكر المقريزي مثلًا أن أعمدة السواري انتقلت من الصعيد إلى الإسكندرية حملًا تحت الآباط، ويؤكد أن هذا إنما يبرره أن قوم عاد تميزوا بأجسام عظيمة وفق ما ورد في القرآن الكريم، رغم أن المعروف أن قوم عاد ليسوا من شيد السواري!

ترك المؤرخ الشهير مؤلفات في التاريخ، والعقائد، والفقه، والأدب زادت على 200 مجلد، لم يبق منها سوى ما يقارب 40 كتابًا، ورحل في السادس والعشرين من رمضان عام 826هـ/ 1423م ودفن بحوش الصوفية البيبرسية. 

وقد قال عنه أشهر تلامذته، شمس الدين السخاوي: «عُرف بحسن الخلق، وكرم العهد، وكثرة التواضع، وعلو الهمة لمن يقصده، والمحبة في المذاكرة والمداومة على  التهجد والأوراد، وحسن الصلاة، ومزيد الطمأنينة فيها، والملازمة لبيته».

تاريخ

منذ 7 شهور
من قبر المقريزي إلى جبانة المماليك.. حكايات عن إهمال التراث المصري

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد