الزمان: أواخر عام 1421 من الميلاد. المكان: خارج «باب زويلة» أو «بوابة المتولِّي»، حيث يتجمَّع المسافرون القادمون من شتى بقاع العالم لدخول قاهرة المعز إبان حكم المماليك لمصر.
تحتشد جموعٌ غفيرة خارج الباب ويبدو أن في القاهرة حدثًا جللًا إذ انتشر الحراس على مداخل الباب وفوقه في حالة تأهب كبرى لأيّ محاولة غزو أو اعتداء. ما أن يعبر المسافرون البوابة حتى يلاحظوا وجود حشدٍ غفير من المصريين عن يسارهم أمام مسجد «المؤيد شيخ»، أحد أجمل التحف المعمارية في العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
الحدث: وفاة السلطان أبي النصر المؤيد شيخ المحمودي الشركسي أحد أشهر حكام مصر من المماليك، جلس على رأس السلطة في البلاد زهاء ثمانية أعوام.


«فإذا كان هو مؤيَّدًا – بفتح الياء –، فكذا هو مؤيِّد – بكسر الياء – يعني يؤيد شرائع النبي صلى الله عليه وسلم ويقوي أحكام الدين. وقد اجتمعت فيه هذه المحاسن، وهي: اسمه الشريف شيخ الذي يدل على ما ذكرنا (من) أنه شيخ الملوك والسلاطين، وكنيته الشريفة أبو النصر التي تدل على ما ذكرنا (من) أن النصر صار جزءًا منه وأنه لا يفارقه، ولقبه الشريف المؤيد الذي يدل على أنه مؤيد من عند الله، ومؤيد لدينه وشرائعه«. *المؤرخ بدر الدين العيني عن المؤيد شيخ.

 

القصة من بدايتها

قدِم «شيخ المحموديّ» إلى مصر عبدًا مملوكًا يبلغ من العمر 12 عامًا آتيًا من الشام مع سيده التاجر الكبير محمود اليزدي ومنه أخذ المؤيد اسمه: المؤيد المحموديّ الشركسيّ. نظرًا لما أبداه المؤيد من ذكاءٍ وحسن تصرف في طفولته بالإضافة إلى حسن طلعته وجماله ومهارة كبيرة في الفروسية والمبارزة فقد اشتراه الخواجة محمود باشا البزداري وأهداه للسلطان برقوق قبل أن يتولى عرش الحُكم.
وبعد أن أصبح حاكمًا أعتق السلطان برقوقُ المؤيد شيخ وجعله حاملًا للكأس. توطدت العلاقة أكثر بين برقوق والمؤيد فقام برقوق بتعيينه في الحرس السلطانيّ ثم أرسله بعد ذلك للشام لصدّ تمرد وقع هناك، فعاد إليها فارسًا مغوارًا بعد أن قدِم منها عبدًا مملوكًا.

المؤيد داخل السجن

 


ولأن الدنيا لا تدوم على حالٍ أبدًا؛ فبعد أن عاد المؤيد إلى مصر ظافرًا منتصرًا وقعت «فتنة منطاش» التي غيّرت التاريخ. نحن الآن في عصر المماليك، إذ تشتدُّ الفتن وتكثر المؤامرات على السلطان ويكاد لا يمر عامٌ أو عامان إلا ويقع تمرد كبير على الحاكم، لكن هذه المرة كان الحدث أجلّ وأعظم خطرًا.
نزل الأمير منطاش من الشام بجندٍ كثيفٍ إلى مصر كي يخلع السلطان برقوق. قبض منطاش على المؤيد باعتباره أحد أهم مؤيدي السلطان برقوق وأمر بسجنه في «خزانة شمائل»، أبشع سجون القاهرة في ذلك الوقت ومطلّ على شارع الغورية بجوار باب زويلة.
داخل السجن لاقى المؤيد صنوفًا شتى من التعذيب النفسي والجسدي، إذ كان المكان غاية في الظلمة والقذارة وفيه قُيِّد المؤيد من يديه وقدميه وعنقه بسلاسل من حديد مثبَّتة في الحائط داخل حفرة مظلمة وعانى لياليَ طويلة من الظلمة والحشرات، لذا نذر على نفسه أنه إن خرج من هذا السجن على قيد الحياة فسيحوله إلى مسجد ومدرسة يتغنَّى بهما التاريخ، وهو ما حدث بالفعل.
بعد فترة قصيرة استطاع السلطان برقوق التغلب على منطاش وأعدمه على باب زويلة وخرج المؤيد من السجن إلى الحكم.
تولّى المؤيد حكم مصر عام 1412 من الميلاد وواجهته العديد من المشاكل في بداية حكمه كالطاعون فصبر حتى استقرت الأمور، وبعد ثلاثة أعوام من توليه الحكم تذكر ما كان عليه الحال في السجن فلم يخلّ بوعده وبدأ ببناء مسجد ومدرسة وضريح له ولأبنائه بجوار باب زويلة على أنقاض سجن خزانة شمائل الذي أمر بهدمه على الفور. استغرق بناء المسجد ستة أعوام ليتم افتتاحه في العشر الأواخر من رمضان عام 1421 في أبهى صورة وأجمل حلّة.

«فهو الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه، وضخامة بنيانه أن مُنشِئَه سيد ملوك الزمان، يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنوشروان، ويستصغر من تأمل بديع أسطوانة الخورنق وقصر غمدان». *المقريزي متحدثًا عن مسجد المؤيد شيخ.

112916_1408_3.jpg

1 حقوق الصورة لـBruce Alardies


الزمان: 2016 من الميلاد، والمكان: حي الغورية أحد أعرق أحياء القاهرة.
ما أن تطأ قدماك الحي وتنظر إلى أعلى حتى تلحظ من بعيد مئذنتين ضخمتين على مقربةٍ من نهاية الشارع فوق باب زويلة. حين تتبع المئذنتين في سيرك بعد مسافة قصيرة تصل إلى نهاية الشارع وتنظر عن يمينك فتجد مسجد المؤيد شيخ بكامل بهائه وجماله الآخذ بالأبصار.

بوابة المسجد

بعد أن تصعد بضع خطوات على السلم أمام المسجد تجد بابًا ضخمًا ربما سيظلُّ محفوظًا في ذاكرتك دومًا لجمال منظره، وما أن تدقق النظر حتى تجد اسم السلطان حسن مطبوعًا على الباب، نعم أنت لم تخطئ الاسم؛ السلطان حسن وليس المؤيد شيخ بالرغم من أن المسجد يحمل اسم المؤيد، وهذا يرجع إلى أن المؤيد أثناء بنائه للمسجد أخذ بوابة مسجد السلطان حسن المصفحة بالنحاس شديد الصلابة والمُكفَّت بالذهب والفضة، وحين ترفع وجهك لتنظر إلى أعلى البوابة تجد تحفة معمارية في فن البناء على الطراز المملوكي القديم من أحجار متراصة بانتظام ومقطوعة بشكل جماليّ بحيث تحفظ التوازن فوق البوابة الثقيلة.

2 بوابة المسجد المأخوذة من مسجد السلطان حسن

 

أول ما يطالعك بعد دخول المسجد استراحة للمصلين، ثم تتجه يمينًا لصحن المسجد لتفاجأ بهذا الجمال الفريد من نوعه. يتكون المسجد من صحن مفتوح للسماء تتوسطه ميضأة رخامية للمصلين تتجلى فيها روعة البناء وبساطته. تقف الميضأة على ثمانية أعمدة رخامية والسر وراء ذلك يرجع إلى تشبيههم لها بالعرش في آية من القرآن: «ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية».
تنظر لأعلى فتجد مئذنتي المسجد على الطراز المملوكيّ وتحت واحدة منهما يرقد جثمان المؤيد وابنه وزوجته. كان للمسجد ثلاث مآذن حين تم بناؤه إلا أن واحدة منهم انهارت في القرن التاسع عشر وبقيت اثنتان على باب زويلة مع قبة كبيرة تعلو بوابة المسجد. يحيط بصحن المسجد أربعة أروقة، لم يبق منها إلا رواقٌ واحد والباقي قد دُمّر مع مرور الزمن.

3 الميضأة

على يسار الصحن المفتوح تطالعنا «دكة المُبلِّغ» الرخامية المرتفعة عن مستوى الأرض والتي كان يقف عليها شخصٌ عذب الصوت كي يردد وراء الإمام في الصلاة حتى يصل الصوت إلى المصلين في الصفوف الخلفية. تتكون أرضية المسجد من رخام عالي الجودة تم إحضاره خصيصًا من أماكن مختلفة في مصر واقتطعه المؤيد من أماكن أثرية أخرى؛ كما فعل مع بوابة المسجد التي أخذها من مسجد السلطان حسن.
بعد متابعة السير إلى الأمام ترى القبلة وقد تزينت بمحرابٍ مكسوٍّ بالرخام الملون يتخلله عمودان أحمران لهما تيجان مذهبة. أما المنبر فهو غاية في الجمال؛ إذ يتكون من نقوشات بديعة لا يمكن تصوُّر كيفية رسمها على قِدَم الزمان الذي رُسمت فيه. تتكون النقوشات من دوائر كبيرة مُطعمة بالعاج والصدف وبداخلها قطع خشبية ملونة بالأبيض والأسود على خلفية بُنيّة اللون في تناسق مذهل للألوان.

4 حقوق الصورة لـBruce Alardies

على يسار الصحن المفتوح تطالعنا «دكة المُبلِّغ» الرخامية المرتفعة عن مستوى الأرض والتي كان يقف عليها شخصٌ عذب الصوت كي يردد وراء الإمام في الصلاة حتى يصل الصوت إلى المصلين في الصفوف الخلفية. تتكون أرضية المسجد من رخام عالي الجودة تم إحضاره خصيصًا من أماكن مختلفة في مصر واقتطعه المؤيد من أماكن أثرية أخرى؛ كما فعل مع بوابة المسجد التي أخذها من مسجد السلطان حسن.
بعد متابعة السير إلى الأمام ترى القبلة وقد تزينت بمحرابٍ مكسوٍّ بالرخام الملون يتخلله عمودان أحمران لهما تيجان مذهبة. أما المنبر فهو غاية في الجمال؛ إذ يتكون من نقوشات بديعة لا يمكن تصوُّر كيفية رسمها على قِدَم الزمان الذي رُسمت فيه. تتكون النقوشات من دوائر كبيرة مُطعمة بالعاج والصدف وبداخلها قطع خشبية ملونة بالأبيض والأسود على خلفية بُنيّة اللون في تناسق مذهل للألوان.

أمام المنبر تتواجد أعمدة المسجد الرخامية على الطراز الروماني. وما أن ترفع عينيك إلى السقف حتى تفاجأ بفنٍّ إبداعيٍّ يندر أن تجد له مثيلًا في سائر المساجد؛ آيات قرآنية مزخرفة مكتوبة بماء الذهب الخالص والتي لم يجر عليها الزمان ولم يُنقِص من رونقها.

5 دكة المبلغ

تعود مرة أخرى إلى الصحن المفتوح وتنظر إلى السماء من خلاله فتشعر برهبةٍ وخشوعٍ غريبين، فما يُذهلك في داخل مسجد المؤيد ليست أبنيته البديعة ولا منبره بالغ الإتقان ولا دكة مبلغه الرخامية الجميلة، وإنما ذلك الشعور بالخشوع والسكينة المصحوبة بالهدوء البالغ لهذا المكان الذي يربو عمره على أكثر من ستة قرون وتتابعت عليه النكبات تلو النكبات فقام بقصفه أحمد باشا الوالي العثماني حين احتمى بداخله جماعة من المتمردين وهو ما أوقع ضررًا كبيرًا بأروقة المسجد وتهدمت ثلاثة منهم، ومرّت عليه زلازل شتى ضربت القاهرة؛ إلا أنه مع كل ذلك ظل صامدًا شاهقًا شاهدًا على براعة صانعيه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد