بينما كان «تنظيم الدولة» يهيمن على العناوين الرئيسية ويشغل مسؤولي الأمن القومي على مدار الأعوام الماضية، كان «تنظيم القاعدة» يعيد بناء شبكته العالمية بهدوء أثار إعجاب بروس هوفمان في مجلس العلاقات الخارجية، ويسعى لعقد تحالفات مع الجماعات الإقليمية، حسبما يرصد ذو الفقار علي في «بي بي سي»، ليثبت مرونته واستمرار حيويته، سواء بالإعلان عن فرعٍ جديد لتحرير كشمير في صيف 2017، أو إحياء وجوده في أفغانستان، أو توطيد نفوذه في سوريا واليمن والصومال.

(المواقع التي ينشط فيها تنظيم القاعدة وفروعه حول العالم – المصدر: مجلس العلاقات الخارجية)

وتحت الرماد، الذي حسبه المتسرِّعون بقايا تنظيمٍ متحلّل، كانت تضطرم نيران الهجمات التي حرص «تنظيم القاعدة» على زيادتها باطراد خلال السنوات الأخيرة، عبر تفعيل فروعه المختلفة حول العالم. حتى شنت فروع التنظيم 316 هجومًا في مختلف أنحاء العالم خلال عام 2018، وفقًا لمشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED).

 

(عدد الهجمات التي نفذتها فروع القاعدة ما بين يناير 2017 وأبريل 2019 – المصدر: مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED)

من الهرمية إلى اللامركزية.. تحولات «القاعدة» منذ أحداث 11 سبتمبر

لم يعد «تنظيم القاعدة» تلك المنظمة الهرمية التي ينتظر أعضاؤها تلقى الأوامر مباشرة من فم قائدها المشهور ذي الشخصية الجذابة، كما كان الحال أيام هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بل أصبح التنظيم أقل مركزية لكنه أقوى وأكثر مرونة مما كان عليه في عهد ابن لادن، بشهادة الأمريكيين.

وعلى الرغم من «الحرب على الإرهاب» التي تتولى كبرها أعتى قوى الأرض، وكلفت 5.9 تريليون دولار، وتسببت في مقتل ما يتراوح بين 480 و 507 ألف شخص، واغتيال أسامة بن لادن، استطاع «تنظيم القاعدة» البقاء والانتشار في ريف أفغانستان وشمال وشرق أفريقيا، مرورًا بمنطقة الساحل ودول الخليج والشرق الأوسط وصولا إلى آسيا الوسطى. بل تمكن التنظيم في بعض المناطق من أن يحل مكان الحكومة المحلية.

حول العالم.. هكذا نشأت فروع «تنظيم القاعدة»

تحولت المجموعة التي كانت تضم أقل من 100 عضو في سبتمبر  2001، إلى منظمة عابرة للحدود الوطنية، استطاعت تجنيد حوالي 40 ألف مقاتل خلال السنوات الماضية، وفقًا لإحصائيات مجلس العلاقات الخارجية، وانتشرت في العديد من الأماكن التي منها:

  • «القاعدة» في بلاد المغرب الإسلامي

نشأت في عام 2006 عندما انضمت جماعة متشددة مقرها الجزائر إلى «تنظيم القاعدة». قبل انتقالها إلى الساحل وغرب أفريقيا، بعد حملة أمنية شنتها القوات الجزائرية. 

  • «القاعدة» في شبه جزيرة العرب

نشأت في عام 2009 باندماج فرعين إقليميين في اليمن والسعودية.

  • «القاعدة» في شبه القارة الهندية

تأسست في سبتمبر 2014، وتعمل في أفغانستان وباكستان والهند وميانمار وبنجلاديش.

  • جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»

تشكلت باندماج عدد من الجماعات المسلحة في مالي وغرب أفريقيا.

  • «حركة الشباب»

أعلنت ولاءها لـ«تنظيم القاعدة» في عام 2012، وتنشط في الصومال وشرق أفريقيا. 

  • «هيئة تحرير الشام»

نشأت باندماج عدة مجموعات جهادية سورية مسلحة، تسيطر على محافظة إدلب في شمال سوريا. على الرغم من إصرارها على أنها حركة مستقلة، فإن الأمم المتحدة والولايات المتحدة تعتبرها جماعة مرتبطة بـ«تنظيم القاعدة».

  • «تنظيم القاعدة» في مصر

يتكون من جماعات مرتبطة بـ«تنظيم القاعدة» تعمل في شبه جزيرة سيناء.

الوجه المفاجئ لتنظيم القاعدة: يشجعون أرسنال ويشاهدون ديزني ويقرأون المسيري!

«المتطرف المعتدل».. 3 خطوات استراتيجية أعادت الحياة للتنظيم

نجح «تنظيم القاعدة» في إحياء شبكته العالمية بفضل ثلاث خطوات استراتيجية اتخذها زعيمه أيمن الظواهري، والتي تتمثل في:

  • الخطوة الأولى

تعزيز نهج اللامركزية، الذي سمح لقادة ونواب المجموعات التابعة للقاعدة في المناطق البعيدة بالمشاركة في المداولات والاستشارات داخل التنظيم، مما أسهم في بقاء الحركة على قيد الحياة.

  • الخطوة الثانية

توجيه الظواهري في 2013 بتجنب العمليات التي تسفر عن إصابات جماعية، خاصة في صفوف المدنيين المسلمين. وهكذا تمكنت «القاعدة» من تقديم نفسها عبر وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها «المتطرف المعتدل».

  • الخطوة الثالثة

ترك «تنظيم الدولة» ليتلقى كل الضربات التي يوجهها التحالف الدولي، بينما يتفرغ «تنظيم القاعدة» لإعادة بناء قوته العسكرية في هدوء. 

التعلُّم من الإخفاقات.. تكييف التكتيكات والحفاظ على الأهداف

هذا التطوُّر شابته بعض الإخفاقات؛ فحين حاول «تنظيم القاعدة» في شبه جزيرة العرب تكييف أساليبه مع الثقافة اليمنية، ارتكب في البداية بعض الأخطاء التي رصدها كريستيان تايلور في مجلة «ناشيونال إنترست»

في عام 2011، حاول التنظيم فرض حكم إسلامي صارم على منطقتين يسيطر عليهما في جنوب اليمن، على غرار العقوبات الشائعة في أفغانستان، لكن هذه الطريقة أثارت القبائل السنية المسلحة، مما دفع التنظيم إلى مراجعة نهجه في المرة التالية التي سيطر فيها «تنظيم القاعدة» على أجزاء من اليمن. 

في عام 2015، لم يبسط التنظيم سيطرته المباشرة على الأراضي الواقعة تحت سيطرته، بل سمح للمجالس المحلية بحكمها وفق قواعدهم وعاداتهم، حتى أنه أبقى سوق القات مفتوحًا، واهتم بالخدمات العامة التي ظلت تعاني من الإهمال لزمن طويل، مثل المدارس والمياه والكهرباء، لتصبح المناطق الواقعة تحت سيطرته تدار بفعالية كما تدير الدول أراضيها.

ساعد هذا الموقف الأكثر ليونة في كسب عقول وقلوب السكان المحليين، كما تقول مجموعة الأزمات الدولية؛ مما وفَّر للتنظيم أرضًا خصبة في اليمن تصلح مقرًا إقليميًا. وقد حدث تحول مشابه داخل الفروع التابعة للتنظيم في الصومال والعراق وسوريا.

«الجهاد البراجماتي».. تجاوز العداءات الأيديولوجية لخدمة الهدف الأسمى

على مدار سنوات، عقد «تنظيم القاعدة» تحالفات استراتيجية مع مجموعة من الجهات الفاعلة الحكومية، متجاوزًا العداءات الأيديولوجية؛ إذ استفاد من الدعم الأمريكي والسعودي والباكستاني للمجاهدين المناهضين للاتحاد السوفيتي، واستطاع إقامة علاقة مع إيران التي وفرت الملاذ لبعض أعضاء التنظيم البارزين، رغم التوتر الذي كان سمة هذه العلاقة والمواجهات المستمرة التي انتهت أحيانًا بتبادل الأسرى.

تنظيم القاعدة في اليمن التشيع

حتى أن إيران والقاعدة عقدا «صفقة سرية» –بحسب وزارة الخزانة الأمريكية- تسمح للتنظيم باستخدام الأراضي الإيرانية «لتحويل الأموال ونقل العملاء» جيئة وذهابًا بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

 في البداية، بدا أن هذه الاستراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية، مع صعود «تنظيم الدولة» الأكثر تشددًا. بيد أن «تنظيم القاعدة» تحدى التنبؤات التي توقعت أن منافسه الجهادي سيفكك شبكته عبر الوطنية أو يستحوذ على فروعه الرئيسية. والآن، يبدو «تنظيم القاعدة»: «بفضل خبرته الواسعة وشبكة علاقاته التاريخية مع القوى الإقليمية، على أهبة الاستعداد للاستفادة من الفوضى التي تجتاح الشرق الأوسط»، كما يقول ديفيد جارتنشتاين-روس وفارشا كودوفايور في دورية «فورين أفيرز»

«هذا الاستعداد الذي أظهره «تنظيم القاعدة» للتعاون مع الدول، يتناقض بوضوح مع مقاربة المواجهة مع الدول التي ينتهجها «تنظيم الدولة» منذ انقسام المجموعتين في عام 2014. وعلى الرغم من النمو السريع الذي حققه «تنظيم الدولة» في عامي 2014 و 2015، إلا أن مزايا استراتيجية القاعدة الأكثر براجماتية أصبحت واضحة بشكل متزايد».

في أغسطس (آب) الماضي، كشف تحقيق لوكالة «أسوشييتد برس» أن التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات في اليمن أبرم صفقات مع جهاديي «القاعدة» في جزيرة العرب، وقدم لهم الأسلحة والمال مقابل إخلاء الأراضي. وأن الميليشيات التي يدعمها التحالف جندت مئات من مقاتلي «القاعدة» في جزيرة العرب. فإذا أحرز الائتلاف نصرًا في النهاية (وهو احتمال غير مرجح)، فإن التاريخ الحديث يشير إلى استبعاد أن يضع هؤلاء المقاتلون أسلحتهم ببساطة، أو أن يتخلوا عن قضيتهم القديمة.

كما يمكن رؤية فوائد هذه الاستراتيجية في سوريا. فبينما خاض «تنظيم الدولة» حربًا مع كل العناصر الفاعلة في الحرب الأهلية السورية تقريبًا -الدول العربية، ونظام الأسد، وإيران، وروسيا، والولايات المتحدة- سعى الفرع المحلي للتنظيم؛ «هيئة تحرير الشام»، إلى استغلال المنافسات بين الدول والفاعلين المحليين، وتلقى دعمًا من دول سنية تدعم المتمردين السنة ضد نظام الأسد ورعاته الإقليميين والدوليين. 

«رجال الجهاد الطيبون».. استراتيجية جديدة لكسب الجماهير

بخلاف «تنظيم الدولة»، يحرص «تنظيم القاعدة» على عدم عزل السكان المحليين، وتشدد استراتيجيته التي وضعها في عام 2013 على «بناء تحالفات محلية والمشاركة في مشاريع تنمية المجتمع»، وتنصح مقاتليه بتجنب أي سلوك قد يؤدي إلى «سخط الجماهير».

تقول الدكتورة إليزابيث كيندال، الزميلة البارزة في «كلية بيمبروك، أكسفورد»: «بذلك، تقدم «القاعدة» نفسها باعتبارها «منقذًا» محليًا، وترسم لأفرادها صورة «رجال الجهاد الطيبين» الذين يقفون على طرفي النقيض من «بلطجية داعش الوحشيين».

(انتشار المجموعات التابعة لتنظيمي القاعدة والدولة حول العالم- المصدر: مجتمع الاستخبارات الأمريكي، 2018) 

كما تغيرت تكتيكات «تنظيم القاعدة»؛ فبدلا من الهجمات الصاخبة التي تحتل العناوين الرئيسية وعمليات الإعدام العلنية الوحشية التي يستخدمها «داعش»، تتبع «القاعدة» الآن نهجًا أكثر مرونة وتسعى لنيل دعم المسلمين السنة داخل الدول التي مزقتها الحروب، وفق التحليل الذي أعده نبيه بولس في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»

أجراس إنذار  داخل المخابرات الأمريكية والبريطانية والأمم المتحدة

«إنه فكرة، ولا يمكن تدمير الفكرة باستخدام الأسلحة المتطورة وقتل القادة وقصف معسكرات التدريب»

كانت هذه التطورات كفيلة بإزعاج المخابرات الأمريكية التي حذرت في تقريرها الأخير من أن كبار قادة التنظيم «يعززون هيكل قيادة الشبكة العالمي، ويستمرون في تشجيع الهجمات ضد الغرب والولايات المتحدة». 

هذا هو عين ما أكده رئيس المخابرات البريطانية، أليكس يونغ، حين حذر في فبراير (شباط) الماضي من «عودة تنظيم القاعدة»، ودفع الأمم المتحدة، في تقريرها عن الإرهاب العالمي، إلى الاعتراف بأن التنظيم «يبدو وكأنه يزداد طموحًا.. وما يزال يتمتع بالمرونة والنشاط في العديد من المناطق، ويحتفظ بالطموح لبسط نفوذه أكثر على الساحة الدولية». 

وإذ تنظر الولايات المتحدة بعين القلق إلى انتشار «القاعدة» إلى جنوب غرب ليبيا، ومصير مخزونات الأسلحة في أنحاء المغرب العربي والساحل، يزداد قلقها بشكل خاص من أنظمة الدفاع الجوي المحمولة (MANPADS)، لا سيما وأن أكثر من 15 ألف من هذه الصواريخ ما يزال مفقودًا، مما يشكل تهديدًا كبيرًا للطيران المدني. ومع سحب إدارة ترامب للقوات الأمريكية من أماكن مثل سوريا وأفغانستان وغرب أفريقيا، يحذر كولن كلارك عبر مؤسسة «راند» من أن الفرصة قد تكون سانحة أمام «تنظيم القاعدة» للسيطرة على المزيد من الأراضي.

بيدَ أن «ما لم يدركه المسؤولون الأمريكيون هو أن هذا التنظيم أكثر من مجرد مجموعة من الأفراد»، كما تقول ريتا كاتز، مدير مجموعة «سايت إنتليجنس».

«مستقبل مشرق».. طبول الحرب تمتزج بترانيم الجهاد

يبدو أن طبول الحرب تُقرَع مرة أخرى في أنحاء الشرق الأوسط. وعلى الرغم من انتهاء الحرب السورية، إلا أن الحرب في اليمن تدخل عامها الخامس، والتوترات بين الولايات المتحدة وإيران وصلت الآن إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، فقد اتخذت إيران خطوات عدوانية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. 

مترجم: عن رواية مختلفة لقتل «بن لادن» والسؤال الذي لم يجب عنه «سيمور هيرش»

في خضم هذه الظروف، يتوقع ديفيد جارتنشتاين-روس وفارشا كودوفايور أن يحاول الجهاديون توظيف هذا التنافس، واستغلال التوترات الإقليمية المتنامية الأخرى، لمصلحتهم.

يضيف الباحثان: «يشير التاريخ الحديث إلى أن تجدد الصراع بين الدول سيؤدي إلى تقوية «تنظيم القاعدة». وفي المقابل، قد يؤدي الموقف الأيديولوجي الجامد الذي يتخذه «داعش» إلى شل قدرته على الاستفادة من دعم الدول. لكن حتى أكثر الجماعات المسلحة تشددًا تتطور مع مرور الوقت». 

ولا يستبعد جارتنشتاين-روس وكودوفايور أن «يتراجع «داعش» عن استراتيجيته الحالية، ويتخلى عن مقعد الجماعة الجهادية الوحيدة التي نرفض المساعدة مما تعتبره دولًا غير شرعية، أو يسعى إلى محاكاة نجاح التنظيم الأم الذي خرج من عباءته، ويخفف موقفه من أجل إعادة بناء قوته».

تجارة الأعداء في الشرق الأوسط.. يتقاتلون نهارًا ويعقدون الصفقات ليلًا!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد