على الرغم من أن “أسامة بن لادن” رمز القاعدة الأوّل, ينحدرُ من أمّ سورية, وأنه أمضى بعض من أيام شبابه الأولى في سوريا حيث قام بعقد قرانه على زوجته الأولى, “نجوى” السوريّة التي أنجبَ منها معظم أولاده, لكن “سوريا” نفسَها لم تكن هدفًا متوقعًا لتمددات تنظيم القاعدة.

ومنذ 1987م عام نشأة تنظيم القاعدة على يدِ “عبد الله يوسف عزام” وإلى عام 2011م حين بدأت الأحداث السورية، لم تكن “سوريا” بيئة مستهدفة لحضانة أجندة التنظيم, حتى حين أصبح وجودها مكثفًا في البلد المجاور, العراق.

كيف مكّن تنظيم القاعدة لنفسهِ ليصبحَ جزءًا لا يُمكن تجاهله من المشهد السوري، وأحد أهم اللاعبين في الميدان السوري؟ وما هي مخطّطاته وغايته من الوجود في سوريا؟

النشأة

ظهرت أسماء متعددة لقيادات حافظت على وجود القاعدة في الشرق الأوسط ما بعد مقتل أبي مصعب الزرقاوي في العراق عام 2006، ومنها أبو حمزة المهاجر وأبو عمر البغدادي وصولًا إلى أبي بكر البغدادي زعيم تنظيم “داعش” الآن.

وبعد اندلاع الثورة السورية قام البغدادي بأخذ البيعة من الجولاني – زعيم جبهة النصرة الحالي-, وهو ما أقرّ به في لقائه الأخير مع قناة الجزيرة, حيث يؤكد: “لم أبايعه إلا عندما أكد لي أن في عنقه بيعة للدكتور أيمن الظواهري”, ومن ثم قام البغدادي بعدها بإرساله إلى سوريا لتثبيت وتد القاعدة تدريجيًّا، والتمكين لها في المناطق السورية, ويُلاحظ أن تنظيم القاعدة درجَ على اتباع هذا الأسلوب, أي استهداف المناطق المقلقلة والتمكين لنفسه فيها.

أعلن عن تشكيل “جبهة النصرة” رسميًّا في كانون الثاني 2012, وتجنب فصيل “النصرة” الإعلان عن انتمائه للقاعدة أو الاصطدام بالفصائل المقاتلة الأخرى المتواجدة في سوريا, وانخرطَ الفصيل في العديد من المعارك البارزة ضد الأسد بعد أن دعا في بيانه الأول السوريين للجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري.

“نسعى لإعادة سلطانِ اللهِ إلى أرضِه وأن نثأر للعرضِ المُنتَهَك والدمِ النازِف ونردَّ البسمَةَ للأطفالِ الرُضَّع والنِساءِ الرُّمل”. بيان “جبهة النصرة” الأول

في 9 أبريل 2013 وبشكل مفاجئ، أعلن البغدادي عن ضم جبهة النصرة لتنظيمه عبر إلغاء اسمي “الدولة الإسلامية في العراق” و”جبهة النصرة” ودمجهما في كيان جديد يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” تحت قيادته, وقام معها بكشف تاريخ جبهة النصرة وبداياتها, رفضَ الجولاني على الفور الانضمام لتنظيم البغدادي, وأعلن على أثرها بيعته للظواهري, والتزم بالولاء لتنظيم القاعدة العالمي.

خريطة تبيّن تمركز “جبهة النصرة” في مدينة إدلب, المصدر: دايلي ميل.

 

عين “النصرة” على دمشق

كان انضواء جبهة النصرة تحت لواء “جيش الفتح” في مارس من العام الجاري تحوّلًا نوعيًّا في مسيرة تاريخ وجود جبهة النصرة في سوريا وعلاقتها مع الفصائل الأخرى, وجيش الفتح هو توحد لـ7 مجموعات كبرى من الفصائل المسلحة إحداها النصرة, وبدخولهم المعارك كجبهة واحدة أحرزوا حتى الآن نجاحات عدة أبرزها السيطرة على محافظة إدلب بشكل شبه كامل.

وفي 10 يونيو الجاري، دعت جبهة النصرة فصائل المعارضة السورية إلى تشكيل “جيش الفتح” في الغوطة الشرقية بريف دمشق، مستشهدة بنجاح تجربة “جيش الفتح” في إدلب والقلمون، وانتصاراته على قوات النظام السوري, لكن “القيادة العامة الموحدة” الموجودة أصلًا في المنطقة رفضت طلب النصرة بعد يومين, داعية إياها عوضًا عن ذلك لحلّ مجالسها القضائية والانضمام إليهم.

على الرغم من هذه الحادثة, فإن فصيل النصرة متواجد على أية حال بمواضع متعددة في المناطق المحيطة بدمشق, كما أنه نفذ عمليات عدة داخل دمشق نفسها, آخرها تفجير استهدف اللواء “محمد عيد”, مدير هيئة الإمداد والتموين في النظام السوري, بالإضافة إلى تفجيرات عدة سابقة استهدفت منشآت أمنيّة ضمن العاصمة.

يؤكد زعيم جبهة النصرة على أن نهاية المعارك لن تكون في القرداحة – مسقط رأس الأسد- بل في العاصمة دمشق, دلالة على أولوية إسقاط النظام السوري.

“نصب أعلام النصرة والجبهة الإسلامية فوق أحد المباني الحكومية في محافظة إدلب بعد أن سيطرَ عليها جيش الفتح.”

عوامل نجاح النصرة

مهدت مرحلة الصراع السوري لخلق بيئة مفتوحة للأجندة والفصائل المختلفة, وهذه أبرز عوامل نجاح انخراط تنظيم “القاعدة” في الحالة السورية:

1- وجود تنظيم “داعش”:

يعتبر بعض المراقبين أن انخراط تنظيم “داعش” في الصراع السوري وبروزه كمشكلة دولية هو عامل رئيسي في النظر لفصيل النصرة على أنه “فصيل أقل تشددًا”, وعلى الرغم من الاتهامات الموجهة من بعض الناشطين للنصرة باستخدامها أساليب ترهيب وتنفيذها عمليات اغتيال تجاه أشخاص لا تُناسب توجهاتها, إلا أن “النصرة” لا تصدر أي تسجيلات تُظهر عمليات إعدام مثلما تفعل داعش, كما أنها تنكر معظم التهم الموجّهة إليها, بالإضافة لمحاربتها تنظيم “داعش” في جبهات عدّة ما يشكّل سلوكًا مُستحسنًا من قبيل جهات معارضة عدة.

2- الحاجة لإسقاط نظام الأسد:

تراوحت ردود فعل الجهات السورية المعارضة تجاه النصرة بشكل ملحوظ, وعلى الرغم من أن لؤي المقداد, المتحدث باسم الجيش السوري الحرّ كان قد صرّح في نيسان عام 2013 بأنه “لا يوافق على أيديولوجية جبهة النصرة، وأن قيادة الجيش السوري الحر لم تصدر ولن تصدر أي تعليمات بالتنسيق معهم”, لكنه عاد وأقرّ حينها بأن بعض كتائب الجيش الحر تتعاون مع جبهة النصرة في بعض العمليات الميدانية.

ومع تمكن كلّ من قوات النظام السوري و”داعش” من السيطرة على مناطق جديدة فإن الجيش الحرّ اتجه للمزيد من التعاون والتنسيق المُعلن مع جبهة النصرة في تشكيلات “جيش الفتح” في كلّ من الشمال والقلمون, آخذين بالاعتبار وحدة العدوّ والقدرات النوعية التي تمتلكها الجبهة باعتبارها إحدى أقوى الفصائل الموجودة في الميدان, بالإضافة إلى ما يُشاع عن بسالة عناصرها وخبرتهم.

صلاة لعناصر تابعين لجيش الفتح ومن ضمنهم عناصر من النصرة.”

3- البيئة الحاضنة:

لم تُعلن “جبهة النصرة” انتماءها للقاعدة وولاءها للظواهري إلا بعد أن كانت قد أوجدت موطأ قدمٍ لها في مناطق المعارضة السورية واكتسبت عددًا غير قليل من المقاتلين السوريين إلى جانبها, وحتى بعد أن أعلنت ولاءها رسميًّا فإن الجولاني بعثَ رسالة طمأنة للسوريين, قائلًا:

“نطمئن إخواننا السوريين بأن سلوك جبهة النصرة سيظل وفيًّا للصورة التي عرفتم، وأن مبايعتنا للقاعدة لن تؤثر على سياستنا أبدًا”.

يُقدّر أن النسبة الأكبر من المنتمين للنصرة ليسوا إلا مقاتلين سوريين انضموا للجهاد أثناء حرب العراق أو مقاتلين حديثين انضموا إليها بُغية قتال النظام السوري, لكن الأنباء تتضارب بهذا الشأن ويلّف الغموض الكثير من حيثيات الجبهة, كما أن زعيم النصرة نفسه تحدث اللهجة السورية في لقاءاته الثلاث ويُرجّح أنه يعود لأصول سورية.

4- سياسة النصرة “المرنة”:

شهدت سياسة النصرة عدة تحولات أو مواقف تدل على محاولة الانسجام وإيجاد موطأ قدم داخل الظروف الراهنة, حيث لوحظ تراجعها عن عدة إجراءات كانت قد سبق واتخذتها, من قبيل إطلاقها سراح جنود قوات فض الاشتباك الدولي الذين كانت قد اعتقلتهم في أغسطس 2014 بحجة “تجاهل ما يرتكبه النظام السوري من جرائم ومجازر بحقّ المسلمين”, ومن ثم امتثالها لفتوى “أبي محمد المقدسي” وإطلاقها للجنود دون مقابل.

بالإضافة إلى رسالات “الطمأنة” التي حاولت أن تبثّها مع الزمن, حيث وجّهت رسالة إلى سنّة لبنان بعنوان “أنتم منا ونحن منكم” مخبرةً إياهم بأنها “لم تخرج إلا لنصرتهم”, وتأكيدها مؤخرًا بأنها ستقاتل حزب الله في سوريا وليس في لبنان, ما جاء في سياق طمأنة اللبنانيين من مخاوفهم, ورسائلها إلى الطوائف السورية بأنها “لن نقاتل إلا من يقاتلنا”, وتعهدها بمحاسبة مرتكبي مجزرة “قلب اللوزة” بحق دروز سوريا, بالإضافة إلى سلوك عناصر جبهة النصرة المتسامح تجاه “راهبات معلولا” اللواتي تم خطفهن واستبدالهن بمُعتقلات لدى النظام السوري, وغيرها من تفاصيل تنمّ عن سياسة تحاول أن تجاري المطلوب.

“قوات النصرة في جنوبيّ مدينة حلب السورية.”

القاعدة لم تعد كما كانت

يؤكد الظواهري, “أمير تنظيم القاعدة”, في تسجيلٍ صوتي له أنه لم يتم استشارته لا من قبل “الجولاني” ولا من قبل “البغدادي” في الخلاف الذي نشأ بين “دولة العراق الإسلامية” و”جبهة النصرة”, وذلك في قوله:

“أخطأ الشيخ أبو بكر البغدادي الحسيني بإعلان دولة العراق والشام الإسلاميّة دون أن يستأمرنا أو يستشيرنا، بل ودون إخطارنا, وأخطأ الشيخ أبو محمد الجولاني بإعلانه رفض دولة العراق والشام الإسلاميّة وإظهار علاقته بالقاعدة دون أن يستأمرنا أو أن يستشيرنا بل ودون إخطارنا”.

تبدو هذه الاستقلالية سمة المرحلة التي دخل فيها تنظيم القاعدة منذ أن بدأ “الزرقاوي” بتنفيذ توجهاته الخاصة في عراق ما بعد الحرب, على الرغم من مخالفة توجهاته في كثير من الأحيان لإملاءات “أسامة بن لادن” زعيم تنظيم القاعدة آنذاك, كما أن مقتل “بن لادن” زاد من ضعف سيطرة تنظيم القاعدة على امتداداته.

يبدو أن تنظيم القاعدة يتجه باطراد إلى “اللامركزية” حيث تدين الفصائل التابعة لتنظيم القاعدة بالولاء والانتماء الإيديولوجي, دون أن يكون تنظيم القاعدة مشرفًا ومسيطرًا بشكل مباشر, بطريقة تتمتع فيه الفصائل باستقلالية شبه كاملة, وأحيانًا كثيرة تصل إلى حالة العصيان المُعلن من قبيل ما فعله تنظيم “داعش” في العراق وسوريا.

“دبابة تحت سيطرة الفصيل.”

هل تتكرر سيناريوهات “العنف الجهادي”؟

يتخوّف البعض من ظاهرة الفصائل “الجهادية” المتنوعة, المنشقّة عن منبع واحد – فكر القاعدة- والمستقلة محليًّا, مذكّرين بالتجربة الجزائرية, ومعتبرين أن “العنف الجهادي” يكونُ على أشدّه بين هذه الفصائل خصوصًا مع صلابة مقاتليها وقدرتهم على الولاء الشديد المصحوب بالفتاوى التكفيرية.

أصبح الخلاف بين تنظيم “داعش” أو ما كان يسمّى سابقًا “دولة العراق الإسلامية” مع النصرة خلافًا كلاميًّا معلنًا في البداية, ليصلَ إلى المعارك العنيفة المتبادلة بين الطرفين, ومنذ عام 2014 انخرطت النصرة بالقتال ضد “داعش” في جبهات عدة وبشكل مُعلن.

كان مقتل القيادي “أبي خالد السوري” في 2/2014 علامة فارقة في تاريخ علاقة الفصيلين, يُعدّ “أبو خالد السوري” أحد أهم مؤسسي فصيل “أحرار الشام”, وقد عيّنه الظواهريّ كـ”مندوب” ينوب عنه لحل النزاعات التي نشأت بين “داعش” و”جبهة النصرة”, لكن تفجيرًا استهدف مقرّ “أحرار الشام” في حلب أدّى إلى مقتل “أبي خالد السوري” على الفور مع قيادات أخرى عدّة فيما تم اعتباره تصفية متعمدة.

تم اتهام “تنظيم داعش” بأنه الجهة الكامنة وراء ذلك الهجوم, وخصوصًا أن القيادي “أبا خالد” كان قد وجّه العديد من الانتقادات لتنظيم داعش, وأعطى الجولاني على أثرها مهلة مدّتها خمسة أيام لتنظيم داعش لقبول “وساطة يقودها رجال دين والموافقة على تحكيم علماء الدين وإلا سيتم طردهم”, وهو ما تطور منذ حينها إلى صراع امتدّ حتى اللحظة.

في جوابه لسؤال من عناصر جبهة النصرة حول معاناتهم من تعاطف البعض مع تنظيم الدولة, يقول المنظّر الجهادي أبو قتادة:

“احفظوا هذا الجهاد من أن يسرقه الأخباث من الناس كأتباع الكذاب الضال البغدادي، فإن فعلتم كان لكم النصر. إياكم والورع الكاذب البارد فيهم، فهؤلاء فيهم سعار الكلاب الضالة لا تدرون متى ينشط فيهم، وحينها الندم لا ينفع”.

“تحطيم أحد تماثيل الرئيس السوري السابق, حافظ الأسد.”

توجهات المرحلة بالنسبة لفصيل النصرة

انقطعت الآمال التي كانت معقودة على انفصال جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة بتجديد الجولاني بيعته للظواهري وولائه لفكر القاعدة, لكن الغموض يلفّ أغلب ما تبقى من شؤون النصرة وتتضارب التكهنات بشأن الغايات الأخيرة لجبهة النصرة، وإمكانية انخراطها في تعددية سوريا ما بعد الأسد أو لجوئها إلى إقصاء باقي الفصائل والجهات حين تلوح فرصة مماثلة.

لا يبقى بشأن توجهات النصرة إلا سياساتها المُعلنة على لسان زعيم النصرة “الجولاني” في لقائه المتلفز الأخير مع قناة الجزيرة, حيث يؤكد الجولاني على أن أولوية المرحلة هي إسقاط النظام السوري ومعه فصيل حزب الله المنخرط في الصراع السوري, وأن سوريا لن تكون الآن موضعًا لاستهداف أمريكا أو أوروبا, كما أن الغاية الأخيرة هي “إقامة حكم إسلامي راشد بعد التفاهم مع الشركاء” حسب وصفه.

 

المصادر

تحميل المزيد