تحت عنوان “رسالة من الأمة إلى حكيم الأمة”، أرسل – مؤخرًا – 6 من رموز الفكر الجهادي في سوريا أبرزهم سامي العريدي، المسئول الشرعي في جبهة النصرة، وعبد الله المحسيني وإياد قنيبي، رسالة إلى زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، يطالبونه بالتحدث للعلن حول موضوع القتال والخلاف المستشري بين القاعدة وتنظيم داعش في سوريا وتقديم معلومات تفصيلية حول ثلاث محاور أولها ماذا حدث مع تنظيم داعش قبل وبعد أن أرادوا التوسع والوصول إلى سوريا وثانيها البيعة وقضية الإيمان والولاء وثالثها دعوة إلى التحكيم بين المختلفين.

داعش والقاعدة: اتهامات متبادلة علنية

دخلت الخلافات بين تنظيم الدولة الإسلامية من جهة وتنظيم القاعدة المركزي وفرعه في سوريا – جبهة النصرة – مرحلة جديدة من المواجهة في أعقاب هجوم أبي إبراهيم الموصلي – القيادي البارز في الدولة الإسلامية – في تسجيل صوتي نشر في “منتدى المنبر الإعلامي الجهادي” في 8 أبريل الحالي بعنوان “رسالة الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى تنظيم قاعدة الجهاد، قولنا الصاعق الحارق إلى المتشنج المارق إلى أيمن الظواهري”.

وتحدث الموصلي قائلاً: “وما الأحداث التي تشهدها ساحة الجهاد في العراق والشام، وما الزوابع العاصفة التي تهز كيان الدولة (الدولة الإسلامية في العراق والشام) إلا من مكر المتسلقين على إنجازات قادة الجهاد المتمكنين المسيطرين، النافخين بكير الفرقة المقيتة من أمثال أبي خالد السوري (القيادي البارز في تنظيم القاعدة الذي قُتِلَ في حلب شمال سوريا) وأعيان الجهاد الورعيين من صنيع عصبة المتشيخ أيمن الظواهري وغلو جريرته المتنطعين”.

ويأتي الهجوم الأخير لتنظيم الدولة الإسلامية بزعامة أبو بكر البغدادي على أيمن الظواهري على خلفية تسجيل صوتي نُشر مؤخرًا للظواهري نعى فيه أبا خالد السوري، القيادى الجهادي البارز، وأدان بشدة عملية اغتياله والتي تنسب إلى الدولة الإسلامية.

 وكانت الخلافات بين تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة قد اندلعت في أبريل الماضي، بعدما أعلن أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، مد نشاطه إلى الشام وإعلان ضمه لجبهة النصرة ليصبح اسمه الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وهو الأمر الذي رفضه أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة، وأعلن تبعيته المباشرة لتنظيم القاعدة الرئيسي بقيادة الظواهري.

وفي رسالة صوتية مسجلة للظواهري في مايو الماضي طالب البغدادي بحل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، واعتماد الفصل النطاقي؛ بحيث يكون تنظيم الدولة الإسلامية مركزًا في العراق، بينما يُعتمد نشاط جبهة النصرة في سوريا، وهو ما رفضه البغدادي بل واتهم الظواهري بارتكاب مخالفات شرعية ومنهجية، قبل أن يعلق البغدادي بقوله “الدولة الإسلامية في العراق والشام باقية ما دام فينا عرق ينبض أو عين تطرف لن نساوم علىها أو نتنازل عنها حتى يظهرها الله أو نهلك دونها”.

وفي الحقيقة أن هناك عدة مقاربات لتفسير الخلاف بين الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، فالمقاربة الأولى منها فكرية ومنهجية بالمقام الأول وتمتد جذورها إلى خلافات تم الكشف عنها في الأعوام الأخيرة بين تنظيم القاعدة المركزي وفرعه في العراق منذ عهد أبي مصعب الزرقاوي الذي كان يرى أولويته في محاربة الشيعة متمثلة في إيران وحزب الله والنصيريين، وهو الأمر الذي لا يزال ينعكس في خطاب البغدادي إلى الآن، بينما تقوم أدبيات القاعدة على الجهاد العالمي الموجه ضد اليهود والنصارى، على حد وصفهم، إضافة إلى تساهل الزرقاوي ومن بعده البغدادي في استهداف دماء المدنيين المسلمين.

المقاربة الثانية هي مقاربة ميدانية بالمقام الأول وتتعلق بالوضع السوري؛ حيث تحتفظ جبهة النصرة بعلاقات جيدة مع باقي فصائل المعارضة المقاتلة داخل سوريا وتعتبر ما يتحقق على الأرض من إنجازات هي خطوات جماعية لا يحق لفصيل بعينه أن ينسبها إلى نفسه منفردًا، بعكس تنظيم الدولة الذي يبدو أنه يحمل طموحات توسعية ويميل إلى توسعة دائرة القتال حتى على حساب دوائر المعارضة، إضافة إلى تورط الدولة في عمليات قد تُلقي بظلالها السلبية على مستقبل القتال ضد النظام السوري.

المقاربة الثالثة هي مقاربة تنظيمية في المقام الأول، فمن المعلوم أن تنظيم القاعدة فقد جزءًا كبيرًا من سيطرته على فروعه في أعقاب الحرب الأمريكية على خلفية أحداث 11 سبتمبر، ومع توسع دائرة العمليات القتالية وتعدد جبهات القتال حول العالم تبدو القاعدة تحولت إلى فكرة أكثر من كونها تنظيمًا بالمعنى التقليدي، الأمر الذي يجعل البعض يفسر توجهات البغدادي على كونها شكلاً من أشكال التمرد وبسط النفوذ والسيطرة.

تنظيم القاعدة في شمال إفريقيا والمغرب العربي.. فصل آخر للخلاف

يمكننا أن نلمس بوضوح 3 مراحل فارقة في تاريخ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي أولها مع بداية التسعينيات من القرن الماضي مع عودة المجاهدين من أفغانستان؛ حيث كان الكثير منهم من بلدان المغرب العربي ولا سيما الجزائر والمغرب، وكان التجديد الثاني في أعقاب عودة المقاتلين من العراق بعد مشاركتهم في مواجهة القوات الأمريكية، وأتت الثورة الليبية لتشكل «الموجة الثالثة» بعد أفغانستان؛ حيث توافد مقاتلو القاعدة على ليبيا للقتال ضد نظام القذافي عام 2011 عقب دعوة مباشرة من الظواهري.

ووجه الظواهري دعوته، وكلف تنظيم القاعدة في المغرب العربي بقيادة عبدالملك درودوكال بتنظيم عمليات القتال داخل ليبيا، لكن مختار بلمختار الشهير بخالد أبو العباس قائد كتيبة “الملثمين” – وهي أحد كتائب إمارة الصحراء “أحد 4 إمارات لتنظيم القاعدة في المغرب” – قرر اتخاذ خطوة مخالفة وأرسل مقاتلين بنفسه للقتال داخل ليبيا وهو الأمر الذي أثار الظواهري وقيادات التنظيم بالمغرب الذين اتهموا بلمختار بخلخلة التنظيم والخروج عن البيعة.

الكتائب التي أرسلها بلمختار تحت اسم “الموقعون بالدم” تسببت في خلافات كبيرة انتهت بانشقاق بلمختار عن القاعدة عام 2012، نفذ بعد ذلك عملية احتجاز الرهائن الشهيرة في منشأة نفطية في آن أميناس في الجزائر بداية العام 2013، وأثارت العملية ردود فعل واسعة نتيجة وجود رهائن أجانب تم قتل 37 منهم وهي العملية التي عمقت الشروخ بين بلمختار والظواهري.

ويُرجع محمد مقدم، الباحث المتخصص في شئون القاعدة، الخلافات إلى أسباب أبعد من ذلك ربما تعود إلى اختيار درودوكال لعبدالحميد أبو زيد كأمير لمنطقة الصحراء رغم ضعف تاريخه في العمل الجهادي وتورطه في اتهامات بممارسة أنشطة تهريب تحت شعارات الجهاد.

وتتنافس جماعة بلمختار وجماعات مسلحة أخرى مع تنظيم القاعدة على مساحات النفوذ في منطقة الساحل والصحراء، وتُرجع مصادر عدة انتقال بلمختار لقيادة عمليات الساحل من ليبيا بعد نفي شائعات عدة عن مقتله في مالي، وقد أكدت وثيقة مسربة نشرتها وكالة أسوشيتيد برس منذ عام تقريبًا تحوي رسائل وجهها قادة تنظيم القاعدة لمختار تضمنت 30 انتقادًا لممارساته التي رأوا أنها تخالف مبادئ القاعدة وثوابتها.

شباب المجاهدين استغلت اسم القاعدة لحسم خلافاتها الداخلية

يقود الحركة أحمد عبده غوداني “الشهير بمختار أبو الزبير”، وأعلنت الحركة انضمامها رسميًّا إلى تنظيم القاعدة في بداية عام 2012، الأمر الذي فسره الكثير من المتابعين بمحاولة من قيادات الحركة للسيطرة على الخلاف الداخلى الذي يعصف بها.

لم يكن أحد يعرف أن الحركة تعاني صراعًا داخليًّا، فالبيت الداخلي للحركة ليس مرتبًا بالشكل الذي قد يظنه المتابع العادي، ولعل الفيديو الشهير الذي نشره على يوتيوب القيادي السابق في الحركة، عمر همامي، الشهير بأبي منصور الأمريكي – وهو جهادي من أصل أمريكي – والذي كـان يشغل منصب أمير عام الجبهات والعضو السابق بمجلس شورى الحركة في أواخر عام 2012م، والتي استنجد فيها بزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري ووجه فيها انتقادات حادة لمختار الزبير، أمير الجماعة، أهمها أخذ الضرائب (وبدون ضوابط)، وعدم توزيع الغنائم (بغير رضا الغانمين ثم العبث بها وعدم الاستفادة منها)، وتعذيب المسلم المتهم بعملية تجسسية (بدون برهان قاطع)، وقتل المعاهدين- يقصد المسيحيين – (أو الذين تبرئوا من الردة وقُبِلت توبتهم عند الحركة ظاهرًا) غدرًا، وقتال الناس قبل تحديد حكمهم في الشرع (ثم الاضطراب في ذلك بعد القتال)، وتفجيرات كبيرة في أماكن الشعب (مع إمكان تجنب ذلك) ثم عدم دفع الدية في أكثر الحالات إضافة إلى أمور أخرى.

وقد برزت أصوات مدافعة عن القيادي الأجنبي في حركة الشباب، أبي منصور الأمريكي، في داخل الحركة، وفي مقدمتهم الشيخ حسن طاهر أويس الذي ذكر بأن الأمريكي مظلوم ويجب مناصرته، وفي بداية أبريل الماضي  2013 تطورت الخلافات؛ حيث أصدر القيادي الكبير في الحركة، إبراهيم جامع ميعاد، المعروف بأبي بكر الزيلعي بيانًا سماه (إني أنا النذير العريان)، وهو عبارة عن رسالة إلى زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري تضمَّنت كثيرًا من ملابسات الخلافات الداخلية، داعيًا القيادة العامة للقاعدة تدارك الموقف قبل فوات الأوان.

وفي أبريل الماضي 2013 وجه إبراهيم الأفغاني، الرجل الثاني في حركة شباب المجاهدين، رسالة إلى الظواهري منتقدًا فيها مختار الزبير بشكل لاذع، وقال في رسالته: “إذا كنا خائفين من أن تستغل الجهات الأجنبية نتائج الجهاد، فإننا لمسنا إلىوم واقعًا يوحي بأن انحرافًا داخليًّا يمكن أن يؤدي إلى سقوط ثمار الجهاد في [الصومال]”، وذكر أنه شعر أن عليه كتابة الرسالة التي صدرت بعنوان رسالة إلى شيخنا وأميرنا أيمن الظواهري” باسم الغالبية الصامتة من مقاتلي الشباب.

وأضاف الأفغاني أنه نتيجةً للانقسامات الداخلية فقدت الشباب معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها، إلى جانب ثقة الشعب الصومالي ودعمه، وتابع قائلاً: “شهدنا تراجعًا ملحوظًا عن مكتسبات المجاهدين؛ حيث كانت عشر ولايات تخضع لإدارة حركة الشباب في السنوات الأربع الماضية مع تعاطف كبير من شعبنا المسلم وتأييد قبلي منقطع النظير”.

وأشار الأفغاني إلى أن غوداني خلق جوًّا تغيب عنه الأفكار الجديدة ويتهم كل شخص يعارضه بالخيانة، وقال الأفغاني إن رفض القمع المتكرر الذي يمارسه غوداني ضد الشعب المسلم أو حقوق المجاهدين يُعتبر من قبل البعض عصيانًا مسلحًا ضد أمير المؤمنين وخروجًا على المجتمع الإسلامي.

من جانبه عجز الظواهري عن استيعاب الخلاف داخل شباب المجاهدين كما عجز عن تعديل الممارسات المنحرفة التي تمارسها قيادتها الأمر الذي فسره مراقبون بأن الظواهري يعلم أن حركة شباب المجاهدين صارت عبئًا عليه، وأنه ينتظر اللحظة التي يخرج فيها تيار جديد يمكن الاعتماد عليه كفرع للقاعدة خاصة في ظل تقلص نفوذ شباب المجاهدين بدلاً من إعلان خلو منطقة غرب إفريقيا من النفوذ القاعدي.

بين الظواهري وبن لادن

 

[c5ab_gettyimages ][/c5ab_gettyimages]

أيمن الظواهري وأسامة ابن لادن

يشير الكاتب وليام ماكانت، في فورين بوليسي، إلى أن الظواهري ربما يكون معذورًا لفشله في توقع النزاعات التنظيمية التي من شأنها أن تنشأ من دعوته للجهاد في البلدان العربية التي تمر بتحولات عنيفة، لكنه كان  ينبغي عليه الالتفات لتحذيرات سلفه، بن لادن، الذي أوضح في العام 2010 اعتقاده أنه سيكون خطأً أن يتم الاندماج مع حركة شباب المجاهدين بسبب أن قيادتها كانت سيئة في الحكم وتطرفهم في تطبيق الشريعة الإسلامية بقسوة في الأراضي التي تسيطر عليها وهو ما لم يحقق لهم أي امتيازات لدى السكان المحليين في الصومال، ولم يكن بن لادن يرغب في تحمل أخطاء مرؤوسيه.

على عكس بن لادن الذي كانت سياسته تميل إلى التحفظ في توسعة نشاطه بضم فروع، يميل الظواهري لانتهاج سياسة جديدة أكثر توسعية – بدليل قبوله لشباب المجاهدين رغم رفض بن لادن لها – رغم ما يحمله ذلك من كلفة تحمل أخطاء مرؤوسيه شعبيًّا وسياسيًّا، إضافة إلى ذلك يزعم العديد من المراقبين أن الظواهري لا يملك كاريزمية سلفه الذي كان قادرًا على حسم الخلافات وهي الميزة التي يفتقدها الظواهري بنسبة كيبرة.

كما يلاحظ العالِمُ السياسي، جاكوب شابيرو، فإن كل الجماعات المسلحة  تعاني من الاقتتال الداخلي لسبب واحد أساسي؛ إذا أرادوا تحقيق أهدافهم وتجنب الاعتقال أو القتل، يجب أن يتم إعطاء القادة الفرعيين في الميدان قدرًا من السلطة الذاتية؛ وحينما يصبح القادة الميدانيون مستقلون جدًّا فإنهم ينزعون للانفصال والسيطرة، حينها تحاول القيادة كبح جماحهم من خلال تدابير بيروقراطية مختلفة تعتمد كفاءتها على شخصية القائد وقوة التنظيم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد