كان دفن الموتى في مصر في العصور الوسطى في أحد مكانين؛ القرافة الصغرى عند سفح جبل المقطم، أو في القرافة الكبرى شرق الفسطاط، وقد تفنن الناس في ذلك العصر في إظهار الحزن على الميت، فكان الحداد يمتد لعام كامل، لكن القرافة كانت تضج بأنشطة ومشاعر أخرى وليس فقط الحزن والنواح، بحيث لعبت دورًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا في مجتمعات تلك العصور، وصارت محل تعجب المارين بمصر من الشرق والغرب، فما الدور الذي لعبته القرافة في المجتمع المصري في ذلك العصر؟ وكيف بدت الحياة فيها؟  

قصة تطور القرافة بعد الفتح الإسلامي لمصر

أشارت بعض حكايات المؤرخين إلى أن اختيار الموقع أسفل جبل المقطم، جاء عندما طلب المقوقس عظيم القبط أن يشتري من عمرو بن العاص والي مصر حينها، جبل المقطَّم بسبعين ألف دينار؛ ولما كان السعر كبيرًا والطلب غريبًا فقد استفسر ابن العاص عن السبب، فأجاب المقوقس بأنهم قرأوا في كتبهم أن بالمكان غِراس الجنة، وحين أرسل يطلب الإذن من الخليفة عمر بن الخطاب أمره أن تبقى للمسلمين ليدفنوا فيها موتاهم.

كان موقع القرافة شرق مدينة الفسطاط؛ أول مدينة يؤسسها المسلمون في مصر، وسُميت هذه المدافن تحديدًا بالقرافة دون غيرها من مقابر المسلمين في بلدان أخرى، إذ كان يسكنها بطن من قبيلة المعافر اليمنية تُسمَّى بنو قرافة، وقد اختارت القبيلة السكن هناك قرب جبل المقطم لقرب الشبه بالحياة في اليمن، فأُطلق اسمها على المكان، رغم أنها تركت مساكنها في أثر الشدة المستنصرية ليصير مكانًا لدفن الموتى فقط. 

وبمرور الوقت سكن القرافة كثير من الأمراء والأعيان والصُّوفية الباحثين عن الهدوء، وبنوا فيها الجوامع، والمدارس، والكتاتيب، والاستراحات، والحمامات، والأسواق، وجذبت الإقامة فيها الصالحين والراغبين في التعبد في هدوء الجبل، وصارت للسبب ذاته مأوى أيضًا للخارجين على القانون، صارت القرافة مدينة قائمة بذاتها.

حين يخرج النعش من البيت يصيح الرجال والنساء صيحة كبيرة بمثابة وداع للميت، ثم يتبعون الجنازة في الشوارع والأسواق بالنواح والبكاء، وبعد الصلاة عليه يودعون الميت عند مكان يسمى بدرب الوداع، ثم يحمله الحمالون إلى المقابر. 

وعند القبر يقام عزاء وفق إمكانيات أهل الميت، فيُحضر أهله المقرئين لخمس ليالٍ أو أكثر، ويحضرون النائحات اللاتي يتنافسن على النواح، وكان الأهل يقيمون الليلة الثالثة ثم يقيمون ليلة إتمام الشهر وبعدها ليلة إتمام العام، وفي كل هذه المناسبات يُصنع الطعام ويتجه الناس لزيارة القبر مع الأهل والمعارف، بحيث لم يبد أن الاجتماعات بها سيكون لها نهاية.

«إحدى عجائب الدنيا»   

لطالما لفت صخب المقابر في مصر أنظار الرحالة القادمين إليها، فضلًا عن تلك الروح التي لفتها بما جمعته من الصحابة والتابعين والأولياء الصالحين تحت ثراها، والأخبار والحكايات التي كانت متداولة عن كرامات بعض من دفن فيها.

كانت القرافة تجمع الحزن والفرح، والصمت والصخب في توازن عجيب. قال الرحالة الأندلسي ابن جبير عن القرافة إنها «إحدى عجائب الدنيا بما تحتويه من مشاهد الأولياء وأهل البيت والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد»، وذكر أنها كانت مأوى للغرباء والعلماء والفقراء. 

ويقول القزويني عن القرافة إن بها أبنية جليلة وسوق، وإنها من متنزهات أهل القاهرة، ووصفها ابن شاهين الظاهري بأنها «تشبه مدينة حمص»، ويقول الرحالة المغربي خالد بن عيسى البلوي إنها بلدة كبيرة تبدو مستقلة بمساجدها وأسواقها، ووصفها الرحالة ابن بطوطة بأنها «عظيمة الشأن»، وقد وصف كيف كان الناس يبنون البيوت لكي يقيموا فيها عند زيارتهم للموتى، فكانت الأسر تبيت في هذه المنازل، وكان الباعة يطوفون بالشوارع يبيعون الأطعمة. 

قال علي بن موسى بن محمد بن سعيد في كتابه «المغرب في حلى المغرب» إنه بات فيها ليالي كثيرة، ووصف منازل الأعيان فيها، ومدرسة كبيرة لتدريس المذهب الشافعي، وقال إنها لا تكاد تخلو من الطرب خاصة في الليالي المقمرة، وأكد أنها أهم مجتمعات أهل مصر وأشهر متنزهاتهم.

ووصفها الرحالة إيمانويل بيلوتي الذي زار مصر في عصر المماليك فقال إنها مدينة بلا أسوار في اتساع مدينة البندقية، بها مبانٍ منخفضة يُدفن فيها عامة الناس، وأخرى مرتفعة يدفن فيها النبلاء، وهم يوفرون الصدقات كل يوم جمعة، ووجبات كبيرة من اللحم، ولهذا يحرص الفقراء على زيارتها للحصول عليها.  

نفحات وكرامات قاطنيها

تضم القرافة أضرحة نساء من آل البيت، مثل السيدة نفيسة، والسيدة زينب، والسيدة عائشة، والسيدة رقية، وكلهن من نسل النبي محمد، كما تضم أضرحة علماء كبار على رأسهم الإمام الشافعي الذي اعتاد الحكام في العصر العثماني زيارته لدى وصولهم إلى مصر للتبرك به ونيل رضاء المصريين، وضريح الإمام الليث بن سعد، وابن دقيق العيد وقبور مشايخ متصوفة أبرزهم عمر بن الفارض، وابن عطاء الله السكندري، وذو النون المصري، فضلًا عن مشايخ البكرية والوفائية وغيرهم، وكانت أضرحتهم مقصدًا لمن يعرفهم، ومصدرًا للدخل؛ إذ كان الزائرون يُحضرون النذور والتبرعات للحفاظ على القبر وتوفير ما يلزم لحراسته، وكانت أحيانًا مكانًا للاحتفال بمولد أحد الشيوخ.

ولاحقًا صارت مكان دفن سلاطين المماليك الذين غالوا في تشييد المدافن الملحقة بالمساجد المزخرفة، وحرصوا على أن يحيط بها مدافن للفقهاء والعلماء تبركًا بهم.

مقام عمر بن الفارض- مصدر الصورة: sufiordersgate

وإلى جانب كل هؤلاء ضمت القرافة قبورًا لشخصيات معروفة لم يتسن التعرف إلى مكان دفنهم فيه على وجه التحديد، مثل عمرو بن العاص، ورفات رجال غير معروفين لكنهم عُرفوا بصلاحهم في الذهنية الإسلامية، على رأسهم الصحابة الذين شاركوا في فتح مصر وغيرهم ممن لم يتسن معرفة مكان دفنهم سوى من كتب التاريخ التي ذكرت أنهم دفنوا في القرافة.  

وقد تبرك الناس منذ القدم بالمكان وساكنيه من الصالحين، وشاعت حولهم حكايات كرامات وقصص زادت من تبرك الناس به، حتي قيل عن أحد المساجد في أطراف مدينة القاهرة، إنه يمتلأ بالموتى عند إقامة الصلاة، فيخرجون من المقابر يؤدون الصلاة ويعودون لأماكنهم، وإن كل أهل القاهرة يعرفون ذلك.

مقابر ليس فيها صمت

لم تكن القرافة مكانًا لدفن الموتى فقط إذن، فلطالما رتب أهل الموتى من يواصلون قراءة القرآن ليل نهار، كل وفق إمكاناته، وأُقيمت فيها بيوت للسكن ومساجد وزوايا ومدارس أيضًا، ولاحقًا في العصر العثماني كانت التكايا، وهي دور للضيافة تُقام في القرافة وتستقبل الضيوف والزائرين ببالغ الكرم. 

كانت العادة هي زيارة القرافة يوم الجمعة، واعتقد المصريون أن يوم الأربعاء «يوم مبارك» وكان هناك نظام وترتيب لزيارة القرافة، فتبدأ الزيارة بقبر السيدة نفسية أو مشهد السيد الحسين. كانت إحدى أبرز العادات هي الحضرة، وهي تجمع أسبوعي عند ضريح الولي للدعاء والذكر وتلاوة القرآن، وقد وصف أحد المؤرخين الأتراك الذين زاروا مصر في القرن السادس عشر، كيف يبدو المشهد يوم الجمعة؛ إذ تتجه جماهير «لا تحصى» بعد صلاة الفجر نحو القرافة، «راجلين أو راكبين»، يزورون قبر الإمام الشافعي، ثم الإمام الليث، ثم السيدة نفيسة، وبعدها تذهب النساء إلى مقابر الأسرة، ويذهب المشايخ لتلاوة الأوراد والدعاء، ويقضي الناس النهار ويبيتون أحيانًا إن كان للأسرة منزل في القرافة. 

تاريخ

منذ 10 شهور
المقريزي.. محتسب القاهرة والوجه البحري الذي تفرَّغ لتأريخ أحوال المحروسة

ويقول مايكل ونتر في كتابه «المجتمع المصري تحت الحكم العثماني» إن تلك الزيارات كانت مصدر جدل في المجتمع؛ إذ كان يحدث أن تتهم النساء «بعدم الاحتشام»، ومع ذلك لم تتوقف العادة؛ إذ كانت هذه الزيارات هي السبيل الوحيد للنساء للخروج من البيوت، بحسبه. 

كانت القرافة مكانًا للترفيه أكثر مما هي للحزن، فكان الناس يخرجون لزيارتها في الأعياد فيغنون ويقرأون القرآن وفي ليالي الجمع ومعهم الزهور، ويقيمون هناك الولائم ويصحبون الأطفال ويدعون الأهل والأصدقاء، كانت أشهر متنزهات المصريين، ومع استنكار الفقهاء لهذه العادات حاول الحكام كثيرًا منع النساء من زيارة القبور، لكن العادة كانت تتوقف لفترة قليلة فقط وسريعًا ما يعود الناس لممارستها.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد