زعيم شيعي له شعبية كبيرة في وسط وجنوب العراق، إنه مقتدى الصدر، الزعيم الشيعي الوحيد الذي كان يسكن في العراق قبل الغزو الأمريكي عام 2003، الأسطر التالية تسلط الضوء على تاريخ الرجل وحياته ونشأته وأهم المراحل التي مر بها تياره السياسي بعد عام 2003.

نشأته وتعليمه

ولد مقتدى الصدر في العراق في مدينة النجف في 12 أغسطس (آب) عام 1973، وهو الأصغر بين أشقائه وهم مصطفى ومرتضى ومؤمل، ينحدر الصدر من عائلة دينية محافظة جدًّا، والده هو السيد محمد صادق الصدر الذي اغتيل في فبراير (شباط) عام 1999 مع اثنين من أولاده، في حادثة اتهمت فيها الأجهزة الأمنية العراقية، ويرجع نسب مقتدى الصدر إلى الإمام علي بن أبي طالب وفق المصادر الشيعية.

وفق تقاليد المذهب الشيعي، فإن مقتدى الصدر لم ينل بعد درجة المجتهد، إلا أنه درس في حوزة النجف على يد والده محمد صادق الصدر ومحمد كلانتر ومحمد الجواهري، أعطى خلالها بعض الدروس الشرعية ، وأشرف على جامعة الصدر الدينية، فضلًا عن توليه مسؤوليات أخرى مثل لجنة الحقوق الشرعية التابعة لمكتب والده وطباعة مؤلفاته وكتبه وتنظيم منهجه.

انتقل الصدر بعد الغزو عام 2003 إلى مدينة قم في إيران وحصل على درجة حجة الإسلام من الحوزة هناك، عاد بعدها إلى العراق بعد عدة أشهر وبات يؤم المصلين في صلاة الجمعة في مسجد الكوفة كما كان يفعل والده محمد صادق الصدر، ويدرس الصدر حاليًّا للحصول على درجة المجتهد في المذهب الشيعي.

Embed from Getty Images

الرجل الذي رفض الهرب في عهد صدام وحارب الاحتلال الأمريكي بعده

تعرض مقتدى الصدر وعائلته للاعتقال أكثر من مرة، إبان حكم النظام العراقي السابق صدام حسين، و اعتُقل من قبل السلطات العراقية مع والده وأشقائه بعد حرب الخليج الثانية والتي عرفت حينها بـ«الانتفاضة الشعبانية» عام 1993، كما كان متصدرًا للتحركات العسكرية المناوئة التي استهدفت النظام العراقي وقواته عقب اغتيال والده محمد صادق الصدر في عام 1999، ثم ما لبث حراكه أن واجه قوة عسكرية ضاربة من النظام السابق أدى إلى تراجعها واضمحلالها فيما بعد.

سطع نجم مقتدى الصدر على الساحة السياسية العراقية بعد الغزو مباشرة، بوصفه زعيمًا شعبيًّا شيعيًّا، يقول الخبير في شؤون الأحزاب الدينية مرتضى السلمان في حديث لـ«ساسة بوست» إن مقتدى الصدر كان القيادي الشيعي الوحيد الذي يسكن العراق في زمن النظام السابق، ولم يخرج من العراق حتى بعد اغتيال والده، ويضيف السلمان أن الحراك السياسي لمقتدى الصدر وحضوره الجماهيري جاء موروثًا شعبيًّا من والده الذي اغتيل في نهاية تسعينيات القرن الماضي.

كما أشار إلى أن الصدر يعد رجل الدين الشيعي الوحيد الذي رفض علنًا الوجود الأمريكي والأجنبي في البلاد منذ الوهلة الأولى، ودعا إلى خروجهم سلميًّا لعدة أشهر ثم ما لبثت محاولاته أن اصطدمت بالقوات الأمريكية في نهاية عام 2003 وإغلاقها لصحيفة الحوزة التي كان يديرها، ليعلن في إحدى خطب الجمعة عن تشكيل قوة عسكرية عرفت حينها بـ«جيش المهدي» وظيفتها مواجهة القوات المحتلة، بحسب السلمان.

تحوله من العمل العسكري إلى السياسي

بدأ الصدام المباشر بين المجموعات المسلحة التابعة للصدر والقوات الأمريكية في شهر مايو (أيار) 2004 في مدينة النجف إثر قتل القوات الأمريكية لمتظاهرين خرجوا تنديدًا بإغلاق صحيفة الحوزة التابعة له، والتي كانت تتبنى أفكارًا تدعو للمقاومة، وفي محاولة من القوات الأمريكية لاعتقال الصدر بعد أن اتهمته باغتيال رجل الدين الشيعي عبد المجيد الخوئي، بدأت المعارك بين الطرفين والتي ما لبثت أن اتسعت رقعتها لتشمل مدينة الصدر في بغداد والبصرة والناصرية والعمارة ومدنًا أخرى، ولم تنته المواجهات إلا بتدخل المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني الذي دخل وسيطًا بين الطرفين، وقدم مبادرة سلام انتهت بوقف إطلاق النار وتسليم مقاليد مدينة النجف والمراقد إلى المرجعية الشيعية.

Embed from Getty Images
مقتدى الصدر يدلي بصوته في الانتخابات

بعد هذه المواجهات بزغ تحول في فكر التيار الصدري، إذ وافق على دخول العملية السياسية في أواخر عام 2004، لتبدأ بذلك رحلة التيار السياسية ومشاركته في مختلف الحكومات التي توالت. يقول المحلل السياسي العراقي جابر الموسوي لـ«ساسة بوست» إن التيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر يختلف في فكره وتنظيره السياسي عن مجمل التيارات الشيعية الداخلة في العملية السياسية حزب الدعوة وتيار الحكيم الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي عمار الحكيم، ويضيف الموسوي أن التيار الصدري يتمتع بشعبية كبيرة في أوساط الشيعة العراقيين، سيما أن جُل جمهوره من الفقراء، وهم يكنون له مكانة خاصة.

ويشير الموسوي في حديثه أن شعبية التيار في ازدياد مستمر بين الشيعة على خلاف بقية التيارات الشيعية والاسلامية في البلاد، ويرجع ذلك إلى مطالباته المستمرة بالقضاء على الفساد وإصلاح مجمل العملية السياسية فضلًا عن معاقبته لنواب ووزراء من تياره، بعد أن ثبتت عليهم قضايا فساد كبهاء الأعرجي وغيره. وعن ما يتميز به مقتدى الصدر مقارنة مع بقية القادة من الشيعة يضيف الموسوي أن حياته تتميز بالبساطة ومخالطة جمهوره دون تكلف، ما أعطاه جماهيرية كبيرة في العاصمة بغداد خاصة في مدينتي الصدر والشعلة فضلًا عن مدن جنوبية أخرى.

Embed from Getty Images
تظاهرات مليونية للتيار الصدري في بغداد

اتهامات لمقتدى الصدر بالطائفية

شهدت سنوات عمل التيار الصدري في العراق تقلبات كثيرة واتهامات أكثر ما بين دعمه لمجموعات مسلحة كجيش المهدي -والتي اتهمت بالطائفية والتطهير العرقي للسنة في عامي 2007 و2008 بعد أحداث سامراء وتفجير مرقدي الإمامين العسكريين في المدينة- وصولًا إلى حل جيش المهدي وترك السلاح ثم تشكيل قوة عسكرية أخرى تعرف بـ«سرايا السلام» في عام 2014 واجبها حماية الأماكن المقدسة لدى الشيعة بعد اجتياح تنظيم الدولة (داعش) مدنًا عراقية ووصولها إلى تخوم بغداد.

دعم مقتدى الصدر حكومة نوري المالكي في دورتها الاولى ثم ما لبث أن دعى إلى إقالة حكومة المالكي واشتد الخلاف بينهما حتى أعلن الصدر في عام 2007 مغادرة العراق واختياره لإيران باعتبارها منفى اختياريًّا حيث ابتعد مؤقتًا عن السياسة، وأكمل خلال هذه الفترة دراسته الفقهية في الحوزة العلمية بمدينة قم في إيران.

وفي شأن ذي صلة، يقول الأستاذ المحاضر في العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية خالد ابراهيم لـ«ساسة بوست» إن التيار الصدري شهد تحولات عديدة بين عامي 2008 و2018 وشهد حراكه السياسي تحولًا نحو سياسة وطنية عراقية أقل طائفية من باقي التيارات الإسلامية، وهذا ما أهله أن يكون ذ ا مقبولية شعبية حتى لدى السنة الذين يرون في تياره بديلًا مريحًا عن المالكي وما شهدته سنوات حكمه التي امتدت بين عامي 2006 و2014، وأشار إبراهيم إلى أن التيار الصدري يتميز بمرونة سياسية كبيرة، سيما أن هذا التيار شهد مراجعات كبيرة ونوعية في سنوات قليلة، وتميزت آخر تحركاته بوقوفه بالضد من التدخل الإيراني في البلاد وزيارته للملكة العربية السعودية في عام 2017 وتبنيه لتظاهرات مليونية في عامي 2015 و2016 في بغداد مطالبة بمحاسبة الفاسدين.

ويضيف إبراهيم في ختام حديثه لـ«ساسة بوست» أن نتاج هذا التحول ظهر جليًّا في عام 2018 حين تحالف تياره الإسلامي الشيعي مع الحزب الشيوعي في تشكيل ائتلاف «سائرون نحو الإصلاح» والذي حاز على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية في الانتخابات التي جرت قبل أيام والذي عد سابقة في العملية السياسية العراقية.

Embed from Getty Images
مجموعة من أنصار الصدر يحتفلون بفوزهم في الانتخابات

أبرز الرابحين في انتخابات 2018

يصف محمد حسين، الشاب البغدادي وطالب الدراسات العليا في كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد الانتخابات العراقية ونتائجها بـ«الانقلاب الديمقراطي وبالزلزال الانتخابي»، إذ اقتنصت كتلة «سائرون» التي يتزعمها مقتدى الصدر والتي تضم الحزب الشيوعي وتيارات مدنية أخرى على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية في الانتخابات التي جرت يوم السبت الماضي 12 مايو (أيار) والتي حصلت فيها كتلة سائرون على 54 مقعدًا وفق نتائج رسمية أولية، ولتتصدر كتلته المشهد السياسي في البلاد بعد أن شهدت الدورات السابقة تصدر حزب الدعوة لنتائج الانتخابات السابقة.

ومع فوز التيار الصدري وكتلة «سائرون»، يترقب العراقيون قدرة التيار الصدري متمثلًا بمقتدى الصدر على تشكيل حكومة عراقية بعيدة عن المحاصصة الطائفية، سيما أن ضغوطًا إيرانية بدأت تتكشف ملامحها إثر زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إلى بغداد ومحاولته تشكيل تحالف بين ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي وكتلة الفتح بزعامة هادي العامري المدعومين من إيران لتشكيل كتلة شيعية برلمانية كبيرة قادرة على تشكيل الحكومة المقبلة بمعزل عن الصدر.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!