مشاريع البناء العملاقة وتأمين السلطة في مصر

يُعد المعهد الألماني للشئون الدولية والأمن ببرلين أحد أهم مراكز دعم القرار وتقديم الدارسات للبرلمان الألماني (البوندستاج) والاتحاد الأوروبي؛ ونستعرض في التالي الدراسة التحليلية والتوصيات التي قدمها المعهد عن الوضع الحالي للاقتصاد المصري.

تم انتخاب عبد الفتاح السيسي يومي 26 و27 مايو 2014 كرئيس لمصر، حيث يواجه صاحب هذا المنصب تحديات كبيرة في المستقبل، اقتصاد البلاد في القاع، وتدهورت الظروف المعيشية للسكان في السنوات الثلاثة الأخيرة بصورة ملحوظة ولا نتوقع من عبد الفتاح السيسي الفائز بالانتخابات إصلاحات اقتصادية شاملة، حيث يعتمد القائد السابق للجيش بكثرة على مشاريع التنمية العملاقة، وبالتالي تقع مصالح المجموعات الداعمة له في المقام الأول، ولا يبدو في الأفق أي بوادر للعمل على تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في مصر تبعًا لهذا المسار، وعلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي التوقف قطعًا عن دعم هذا التوجه للقيادة الجديدة في القاهرة، ولكن بدلًا من ذلك دعم الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد المصري.

كان من المتوقع وبوضوح فوز السيسي بالانتخابات الذي لم يكن مفاجئًا على منافسه اليساري الشعبي حمدين صباحي، حيث إنه مدعوم وبقوة من الجيش ووسائل الإعلام، ولكن التحديات الحقيقية للسيسي تبدأ بعد الانتخابات، الانقسام الحاد العميق في الشعب المصري والوضع الاقتصادي للبلاد الذي وصل إلى حد الكارثة وفوق هذا يجب على عبد الفتاح السيسي توحيد السلطة في يده، ففيما يخص الانقسام المجتمعي فقد أوضح عبد الفتاح السيسي موفقه منذ أن كان قائدًا للجيش أنه لن يتسامح مع أي معارضة لسلطاته، وسوف تتخذ إجراءات صارمة مع أي خصوم سياسيين وتبعًا لذلك قامت الدولة بتوسيع نطاق القمع في الأشهر الأخيرة. مع كل الاحترام لسياسات السيسي الاقتصادية إلا أنه احتفظ بكل أرواق اللعب قريبًا من صدره ولم يظهرها لأحد، على أرض الواقع تواجه الدولة عجزًا في الميزانية يصل لأكثر من 14 بالمائة من الناتج المحلي، وتخطت الديون الناتج الإجمالي المحلي للدولة، والنمو الاقتصادي يكافح لمواكبة الزيادة السكانية، وقد أعلن السيسي أنه على مدى العقود القادمة سوف يكون هناك عدة برامج للتنمية الاقتصادية تتخطى 140 مليار دولار لإحداث نقلة حقيقية للخروج من الأزمة الاقتصادية منها بناء 48 مدينة جديدة، ومنتجعات سياحية، وتوسيع البنية التحتية للطرق، والنقل، والطاقة واستصلاح ما يزيد عن 17000 كيلو متر مربع من الصحراء على طول نهر النيل. هذه الخطط الجديدة بأي حال من الأحوال تفتقر إلى مصادر التمويل حيث إن تكلفتها الضخمة  تثير علامات استفهام ضخمة أيضًا بشأن آلية التنفيذ؛ مما يجعلها مثيرة للجدل في دوائر الخبرة في مصر، ولم يكلف السيسي نفسه أي عناء للرد على هذه التساؤلات، ربما لأن خطة التنمية بالنسبة له إطار وهمي لسلسلة من المشاريع العملاقة التي سوف يتم إدراك أهميتها مستقبلًا على أرض الواقع، أو ربما على الأقل بدأت بالفعل شاملة تنمية منطقة قناة السويس كمركز دولي للصناعات، والخدمات اللوجستية، وإنشاء خط سكة حديد فائق السرعة، وبناء مليون وحدة سكنية جديدة.

ما هي المصلحة الخاصة التي تخدم وراء هذه المشاريع

الأيديولوجية التي تقف وراء هذ المشاريع العملاقة تتخذ مسارًا يفترض أن سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمكن تخطيطيها ورسمها على لوحة كبيرة ومباشرة تنفيذها من خلال إدارة الدولة، ولكن مع هذا يبدو أن اتباع مثل هذا المسار أولًا وقبل كل شيء لا بد أن يتم من خلال منطق القوة، ويضع السيسي نصب عينيه ثلاث مجموعات رئيسية فاعلة، والتي بدون الدعم المباشر منها لن يستطيع ترسيخ سلطته وهي: دول الخليج، والجيش المصري، ونخبة رجال الأعمال.

أولًا: الدول المانحة من الخليج

كانت مصر لتعلن إفلاسها لولا المساعدات المالية السخية من دول الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت، فقد وعدت الدول الثلاثة في الخليج بعد عزل محمد مرسي مباشرة من قبل الجيش المصري في يونيو 2013 بتقديم أكثر من 12 مليار دولار في صورة مساعدات مالية وإمدادات الطاقة. وتبعًا للسيسي فإن الرقم وصل إلى 20 مليار في مايو 2014، وسوف تظل مصر تعتمد على هذه التحويلات في السنوات القادمة لو أخذنا في الاعتبار خزائن الدولة الفارغة، وعلى الرغم من أن الأموال التي تأتي من الخليج يبدو أنها بدون شروط مسبقة كالتي تصاحب غالبًا هذه النوعية من القروض على سبيل المثال حزمة قروض صندوق النقل الدولي، فهذه المساعدات لا تأتي بدون مقابل، حيث تعتبر الإمارات العربية المتحدة والسعودية الإدارة المصرية الجديدة كشريك مهم ذي قيمة كبيرة في صراعهم مع الإخوان المسلمين الذين يعتبرون مصدر تهديد مباشر لهم، وترغب هذه الأسر الثلاثة الحاكمة في أن يكون الجيش المصري حليفًا استراتيجيًّا لهم في الصراع الحالي مع إيران، ولا تزال المصالح الاقتصادية على الأقل مهمة، وفقًا للحكومة المصرية وصل حجم الاستثمارات التي تملكها دول مجلس التعاون الخليجي في مصر إلى نحو 50 مليار دولار في نهاية عام 2013، وبذلك يتجاوز مجموع استثمارات الدول الغربية (46 مليار دولار). في المقام الأول تبرز السعودية كأكبر المستثمرين تليها الإمارات ثم الكويت، حيث إن للعديد من مجموعات الاستثمارات البارزة من هذه الدول الثلاثة فروعها الخاصة في مصر، وهذا يجعل من دعم الجيش المصري بمثابة بوليصة تأمين للاستثمارات القائمة بالفعل في مصر، وسوف تمهد هذه المبالغ الضخمة من المساعدات الطريق لاستثمارات مستقبلية في السوق المصري المربح، وقد اتضحت المصلحة وراء ذلك عندما وقع السيسي في مارس الماضي – وكان لا يزال وزير الدفاع- اتفاقًا مبدئيًّا لمشروع إنشاءات عملاقة مع أكبر شركات المقاولات المدرجة في الإمارات العربية المتحدة، حيث تعتزم شركة أرابتك بناء مليون وحدة سكنية على أرض مساحتها أكثر من 160 مليون متر مربع في السنوات الخمسة المقبلة، وقد تنازل الجيش المصري عن أرض المشروع بدون مقابل، وتشير الصفقة إلى أن نسبة لا يستهان بها من المليارات المحولة إلى مصر سوف تعود مرة ثانية إلى الخليج في نهاية المطاف عن طريق هذا النوع من المشاريع العملاقة.

ثانيًا: الجيش المصري

بغض النظر عما إذا كان السيسي سعى للحصول على أعلى منصب في الدولة كمرشح للجنرالات أو على حسابه الخاص، إلا أنه سوف يعتمد في المستقبل على القيادة العسكرية النافذة القوة. حيث قام الجنرالات منذ سقوط مبارك بتوسيع الدور المهيمن للجيش ليس فقط سياسيًّا، ولكن في الاقتصاد المصري على وجه الخصوص حيث لعبت فيه الإمبراطورية الاقتصادية المملوكة للجيش دورًا مركزيًّا، الشركات التي لا حصر لها والتي تدار من قبل الجيش تقدم وظائف ذات دخل عالٍ لضباط الجيش الحاليين أو المتقاعدين، بينما الوظائف الأخرى يتم توفيرها من خلال الاعتماد على قطاعات كبيرة من الشعب المصري المجندة في القوات المسلحة، وتمثل نسبة دخل الجيش ما يقدر بنحو 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للدولة (الفجوة العميقة في الشفافية تجعل من المستحيل الوصول إلى إحصاءات دقيقة)، وقد رسخ الدستور المصري الجديد المعمول به منذ يناير 2014 قانونيًّا مبدأ السرية، وعدم الشفافية فيما يخص ميزانية الجيش ليتم مناقشتها فقط في مجلس الدفاع الوطني الذي يهيمن عليه الجيش، وبعد ذلك يتم عرضها على البرلمان كمبلغ إجمالي دون تفاصيل لاعتمادها فقط، فمنذ قيام ثورة 2011 وأكثر من ذلك منذ الانقلاب الذي وقع منتصف 2013 لوحظت زيادة كبيرة في أعمال الإنشاءات والمقاولات من قبل الجيش، وتبعًا لتقارير الإعلام تم منح عقود في البنية التحتية للدولة تصل قيمتها إلى مليار دولار للجيش بدون أي مناقصات أو إجراءات تنافسية فقط في الفترة ما بين سبتمبر ونوفمبر 2013، قامت الحكومة بإعطاء مشاريع عملاقة متنوعة لسلاح المهندسين في الجيش لتنفيذها بما في ذلك شبكة خطوط سكة حديد فائقة السرعة، وتنمية البنية التحتية في موقع أول مفاعل نووي في مصر، وأيضًا بسطت القوات المسلحة سيطرتها للتحكم في الأراضي الزراعية وأراضي البناء حيث يتوجب على الشركات الخاصة دفع مبالغ كبيرة للجيش إذا رغبوا في شراء أراضٍ من الدولة، فعلى سبيل المثال تتسلم شركة مثل أرابتك أرضًا للبناء مجانًا لأن الضمان سوف يكون من خلال تقاسم الأرباح المتوقعة مع الجيش عن طريق منح عقود من الباطن أو عن طريق الاستثمار المباشر في الأسهم.

ثالثًا: نخبة رجال الأعمال المصرية

تبرز أهمية نخبة رجال الأعمال المصريين كشريك استراتيجي لا غنى عنه من منظور السيسي نتيجة لموقعها المهيمن والمحتكر لأجزاء كبيرة من الاقتصاد المصري، حيث إن لها شبكات متداخلة بعيدة المدى داخل البلاد وخارجها، فقد كانت القوة الدافعة لتمويل حملة إسقاط مرسي من خلال الدعم المادي للحركة التي أدت في النهاية لعزل مرسي مباشرة بأموالها، وفوق كل هذا وسائل الإعلام التي تسيطر عليها تلك النخبة، ووضع الكثير من رجال الأعمال في قطاعي البناء والعقارات والصناعات التكملية لمواد البناء أملهم في الرئيس الجديد القادم من صفوف القوات المسلحة، على سيبل المثال فإن المستثمرين من دول الخليج الثلاثة الذين كانت لهم علاقات وثيقة بمبارك كانت لديهم مخاوف متزايدة من أن مرسي سوف يتشدد في التدقيق في أنشطتهم التجارية التي تمت في عهد مبارك خصوصًا في مجال شراء أراضي الدولة، وقد أتى دعم نخبة رجال الأعمال للسيسي بثماره، حيث حققت الكثير من شركات القطاع الخاص أرباحًا، بالرغم من أن الجيش كان قادرًا على توسيع إمبراطوريته الاقتصادية في الأشهر الأخيرة، وهذا يعني أن توقعات السوق بفوز السيسي بالرئاسة وأن شبكات القطاع الخاص المتداخلة مع الدولة التي تكونت في عهد مبارك سوف تنمو وتستمر كانت أقل من المكاسب والأرباح الحالية، وتمثل هذه الشبكات مدخلًا جانبيًّا تستطيع من خلاله الشركات العقارية تحقيق أرباح من المشاريع العملاقة المخطط لها سواء كشركاء أو كمقاولين من الباطن.

الخاسر الأكبر هو عامة الشعب المصري

لن تساهم خطط ورؤى السيسي بأي شيء في تحسين الظروف المعيشية غير المستقرة لعموم المصريين، حيث يعلمنا التاريخ أن مشاريع البناء العملاقة غالبًا ما تتجاهل احتياجات السكان، فعلى سبيل المثال نظرًا لمعدل المساكن الخالية الحالي يثار تساؤل عما إذا كانت الدولة تحتاج حقًّا مليون وحدة سكنية أم لا، حيث يبدو أن اعتماد سياسة بناءة لتقنين وإضفاء الطابع الرسمي على التجمعات السكنية غير الرسمية على أطراف المدن الكبرى أكثر إلحاحًا ويحتاج إلى تحرك سريع، حتى أن الاستفادة الملموسة من هذه المشاريع مشكوك فيها كبديل للإصلاحات الاقتصادية الهيكلية المتأخرة. تشمل هذه الإصلاحات على سبيل المثال الطلب الملح والمستمر لصندوق النقد الدولي لإعادة هيكلة نظام الدعم، ذلك النظام الذي يلائم الفئات ذات الدخل الأعلى والصناعات التي تعتمد على الطاقة بكثرة. وقد رفض السيسي على ما يبدو هذه الإصلاحات على الأقل في المدى القصير حيث إنه يخاف من أن يخسر مجموعات مهمة من الناخبين والداعمين، وتحتاج مصر أيضًا مزيدًا من الرقابة على الأسواق وتحقيق مزيد من الشفافية في النشاط الاقتصادي للدولة، ولكن على العكس تتحرك الدولة في هذين المجالين إلى الوراء، ففي يناير أصبح منح العقود الحكومية مبسطًا بشكل كبير حيث إنه في كثير من الحالات تم إرساء عقود على شركات عديدة بالأمر المباشر بدون مناقصات أو تقديم عطاءات تنافسية، والتعديلات التي أدخلت على قانون الاستثمار تضع عقبات هائلة في سبيل الطعن في المحاكم على تلك العقود بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، هذا وتتطبق هذه التعديلات بأثر رجعي، ومن المرجح أن تؤدي لإسقاط العديد من قضايا وتهم الفساد المفتوحة منذ 2011.

نظرة عامة على الوضع

يتضح ويبرز من خطط ورؤى السيسي للتنمية المعضلة الأساسية التي سوف تواجهه كرئيس للبلاد، حيث يعتمد على دعم مجموعات تتعارض مصالحها في نواحٍ مهمة مع الإصلاحات المطلوبة لتحسين اقتصاد البلاد، ولكن إذا ازداد قمع الدولة بدون تنمية اقتصادية ملموسة تعود بالنفع المباشر على عامة الشعب فإن الاحتجاجات سوف تزداد، وفي هذه الحالة لا بد وأن نتوقع أن المعارضة السياسية سوف تصبح متطرفة أكثر.

التأثير المباشر لألمانيا والاتحاد الأوروبي على تطورات الوضع الراهن في مصر تأثير محدود جدًّا، حيث إن المساعدات المالية من دول الخليج الثلاثة تجعل مصر بلدًا مستقلًا إلى حد كبير من صناديق تمويل التنمية في الغرب على المدى القصير، ولكن نظرًا لخطورة وضع الميزانية الدقيق في مصر لن تستطيع حتى مليارات الخليج دفع عجلة الاقتصاد، لذلك فإنه على المدى المتوسط سوف يستطيع الغرب استعادة سيطرته ونفوده على مصر مرة أخرى.

يجب إعطاء الأولوية في أي تعاون اقتصادي في المستقبل مع مصر لضبط الميزانية في إطار خطة الدعم المقدمة من صندوق النقد الدولي، وإذا كانت هناك ميزانية دعم من الاتحاد الأوروبي فيجب أن تشتمل على شروط أكثر صرامة من الماضي فيما يخص حقوق الإنسان كما أوصى ديوان المحاسبات الأوروبي، وعلى مستوى الدول يجب على ألمانيا والاتحاد الأوروبي أن يدفعوا أكثر لتعزيز مبدأ الشفافية في الميزانية وتفعيل الرقابة على الأسواق، وهنا فإنه من المستحسن التعاون مع المؤسسات المصرية التي يتم اختيارها بعناية كالمؤسسات التي تم تحييدها وسلب قوتها الرقابية مثل الجهاز المركزي للمحاسبات، وجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد