على الرغم من أن اللواء المتمرد خليفة حفتر أعلن عن هدنة فإن الوضع في ليبيا يزداد تأزمًا، يومًا بعد يوم، ويزداد معه ضعف فرص التوصل إلى حل يجنب البلاد المزيد من التدهور الأمني الذي قد يؤدي ليس فقط إلى مزيد من التطاحن بين الأطراف المتصارعة، ولكن إلى تقسيم البلاد الذي بات متوقعًا.

معيتيق ينسحب!

أحمد معيتيق الذي يحسبه البعض مقربًا من “الإخوان” الليبيين لم يكن مثل هؤلاء، وسرعان ما انسحب من رئاسة الوزراء بمجرد إصدار المحكمة الدستورية بطلان تعيينه

لم ينتظر أحمد معيتيق – رئيس الوزراء الذي عينه المؤتمر الوطني العام (البرلمان) قبل أيام في جلسة صاخبة انتقدها عدد من الأعضاء- طويلاً وقدم استقالته مباشرة بعد إصدار المحكمة الدستورية حكمها القاضي ببطلان طريقة تعيينه كرئيس للوزراء خلفـًا لعبد الله الثني.

وبعد تصاعد الأصوات الرافضة لتعيين معيتيق رفض الثني تسليم المهام إليه، إلى أن تبت المحكمة الدستورية في الأمر، وهو ما قد قامت به مؤخرًا، وحكمت ببطلان تعيين معيتيق.

البرلمان المؤقت في ليبيا هو الآخر أعلن التزامه بحكم المحكمة الدستورية القاضي بـ”عدم دستورية” تعيين معيتيق. إنها “عدم الدستورية” التي أقر بها معيتيق نفسه وهو يعلن – في تصريحات صحافية – أنه سيكون “أول من يرضخ لأحكام القضاء”، وبأنه “يشهد الله والشعب والأمة على احترامه للقضاء وانصياعه لحكمه”.

عبد الله الثني – الذي وعد بتسليم السلطة حال ما تصدر المحكمة الدستورية قرارها بقانونية تعيين معيتيق- يستمر رئيسًا للوزراء

يستمر الوضع الحكومي على ما هو عليه إلى حين، بحيث يواصل عبد الله الثني ممارسة مهامه كرئيس مؤقت للوزراء، في بلاد مضطربة، ويخوض فيه لواءٌ متقاعد هو خليفة حفتر تمردًا بشرق البلاد ضد ما يسميه “إرهاب الجماعات المتشددة”، وهو ما تنظر إليه طرابلس على أنه انقلاب كامل الأوصاف على “الشرعية” التي يمثلها “المؤتمر الوطني العام” الذي يُعين إلى اليوم الحكومات المؤقتة التي تدير ليبيا ما بعد ثورة 17 فبراير.

حفتر والهدنة!

اللواء خليفة حفتر بإعلانه قبول الهدنة يخلط الأوراق من جديد

غير أن اللواء المتقاعد الذي يتهمه ساسة طرابلس بأنه يسعى إلى السلطة من خلال ما يقوم به من تمرد عبّر عما يشبه حسن النية وهو يبدي موافقته على هدنة، توسطت فيها لجنة من الحكماء، وذلك كي يتسنى للمواطنين التصويت في الانتخابات المزمع عقدها في 25 يونيو الجاري.

حفتر عزا قراره بوقف عملية “كرامة ليبيا” العسكرية التي يقودها، إلى أهمية هذه الانتخابات، من أجل الوصول إلى برلمان “يعبر عن الليبيين بدلاً من سابقه، الذي حملته أطراف عدة مسؤولية الفوضى التي وصلت إليها البلاد”.

اللواء حفتر وعلى الرغم من الغموض الذي يلف عمليته العسكرية وأهدافها إلا أنه لقي تأييدًا من طرف العديد من الليبيين

وإذا كان “الهدنة” المعبر عنها من طرف حفتر قد استقبلها المسئولون في طرابلس بترحيب، حتى وإن لم يصل ذلك إلى العلن، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن الأزمات الليبية العديدة في طريقها إلى حل، بل إن عملية “الكرامة” التي يديرها ويقودها حفتر ما تزال تكسب المزيد من التأييد من بعض “الرموز” الليبية، بحيث ذكر موقع القناة السعودية “العربية” على الإنترنت أن مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي السابق أعلن تأييده لعملية حفتر العسكرية، وهو ما لم يتم ذكره من طرف جهة إعلامية أخرى أكثر حيادًا، علمًا بأن قناة “العربية” و”موقعها الإخباري” دأبا على “الانفراد” بتصريحات اللواء المتمرد، ولا سيما تلك المعبرة عن “إعجاب” هذا العسكري السابق في النظام الليبي بشخصية المشير عبد الفتاح السيسي الذي أصبح رئيسًا لمصر، ما يقرأ فيه البعض اصطفافـًا إلى جانب “المتمردين”.

تأييد التمرد..

رئيس الوزراء السابق علي زيدان الموجود خارج ليبيا لم يخف تذمره من الجماعات المتشددة واتهمها بمحاولة جر البلاد إلى الصوملة

لكن هناك من عبر صراحة عن تأييده للعملية العسكرية التي يقودها خليفة حفتر، ومن هؤلاء رئيس الوزراء الليبي السابق علي زيدان المتواجد خارج البلاد بعدما وجهت إليه أصابع الاتهام على خلفية فضيحة ناقلة الغاز الكورية، قبل أسابيع؛ زيدان أعلن تأييده الكامل لحرب حفتر ضد الجماعات المتشددة، ومعروف عن زيدان أنه كان ينظر إلى تلك المجموعات المتشددة بغير قليل من الريب والشك، بل إنه لم يتردد بعد مغادرته ليبيا مباشرة باتهامها بأنها من جرت البلاد إلى “الصوملة” و”الأفغنة”، متهمًا في ذات السياق “الإخوان الليبيين” بالمسؤولية عن ازدياد نفوذ هذه المجموعات المتشددة.

التأييد والدعم لحفتر جاء هذه المرة من شخصية ليبية مهمة هي مندوب ليبيا في الأمم المتحدة، إبراهيم الدباشي، الذي وزع يوم أمس الأربعاء، بيانًا على الصحافة يعلن فيه تأييده للواء خليفة حفتر، وكذا لعمليته العسكرية.

إبراهيم الدباشي انضم إلى آخرين مؤيدين لعملية اللواء خليفة حفتر

الدباشي قال في بيانه إن “ثورة 17 فبراير ثورة شعب، ولا يمكن أن يتخلى عنها رموزها ومن قادوها، وأنها لن تفشل في تحقيق أهدافها مهما واجهت من صعاب، ومهما كانت قوة محاولات اختطافها”، مؤكدًا أنه ليس عسكريًا، “ولا يملك قوة عسكرية ليقرر الانضمام إلى عملية الكرامة من عدمه”.

وأعلن الدباشي أن “اللواء حفتر هو أحد قادة ثورة 17 فبراير، وهو ضابط في الجيش الليبي، ومن حقه أن يستمر في خدمة بلاده طالما أن قانون التقاعد لا يطبق على جميع الضباط، وأن التعيينات في المناصب العليا لا تتقيد بسن التقاعد”. وشرح وضع حفتر الذي يتهمه ساسة طرابلس بقيادة انقلاب عسكري قائلاً: إن “المعركة التي يخوضها اللواء حفتر وضباط وجنود الجيش الليبي ليست انقلابًا على الثورة، بل عمل وطني من صميم المهمة التي أقسموا على القيام بها عند التحاقهم بالجيش الليبي، ومن ثم فإن الشرف العسكري لجميع العسكريين يفرض عليهم تلبية نداء الواجب والالتحاق بزملائهم، وكل من يقول غير ذلك لديه أهداف تتعارض ومصلحة الوطن”. ودعا المؤتمر الوطني إلى الانسحاب من الساحة، و”تسليم جميع السلطات التنفيذية للحكومة إنقاذًا لما يمكن إنقاذه”، على حد قوله.

في ظل هذا الوضع وبينما يحبس الليبيون أنفاسهم، ويعود عبد الله الثني ليواصل مهامه كرئيس للوزراء، يبدو أن اللواء حفتر بات له الوقت الكافي لاسترجاع أنفاسه بعد المواجهة الأولى مع المتشددين بشرق ليبيا، بينما على ساسة طرابلس أن يغتنموا فرصة هذه “الهدنة” التي عقدوها مع حفتر لإعادة النظر في كثير من أمورهم ولا سيما مسألة إصرارهم على استمرار عمل المؤتمر الوطني العام بالرغم من انتهاء صلاحياته منذ 17 فبراير الماضي. فهل يتخلى حزب العدالة والبناء (إخوان ليبيا) وكتلته النيابية عن السلطة أسوة بالجيران التونسيين ويذهب الجميع إلى “وفاق” وطني يجنب البلاد خطر الانقسام؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد