محمد صلاح عبد الجواد

5

محمد صلاح عبد الجواد

5

1,501

«وجد الأمن أهالي جزيرة الوراق يدفنون أنفسهم في حفر حفروها لأنفسهم عندما جاء لإخلاء الجزيرة من سكانها؛ من أجل إزالة كل ما بني عليها  تمهيدًا؛ لمنحها لأحد رجال الأعمال الذي يريد أن يبني مشروعًا استثماريًا ضخمًا»؛ كان هذا أحد مشاهد الحلقة الأخيرة من مسلسل «هيمة..أيام الضحك والدموع» الذي كتبه بلال فضل وخرج للنور عام 2008، والذي يصور حال الشاب «هيمة»، القاطن بجزيرة الوراق، والتي تعاني من مشاكل كثيرة، منها البطالة وقسوة الحياة الاجتماعية ونقص الخدمات، لتمر السنوات وتقوم قوات الأمن المصرية بمداهمة الجزيرة صباح أمس 16 يوليو (تمُّوز) 2017، وذلك بحسب ما أعلنته لإزالة العقارات والمباني المُخالفة للقانون والتي تم بناؤها على جزيرة الوراق بدون تراخيص رسمية من الحكومة المصرية، ولم تنجح قوات الأمن في مهمتها؛ بسبب تصدي أهالي مدينة الوراق لها  التي نتج عنها سقوط أحد أهالي الجزيرة وإصابة العشرات من الجانبين «أهالي الجزيرة وقوات الأمن».

جزيرة الوراق الضائعة بين الجنزوري وعاطف عبيد ونظيف وشريف إسماعيل

لم تكن أزمة جزيرة الوراق وليدة الفترة الراهنة، بل هناك نزاع طويل دار بين الدولة المصرية وبين أهالي الجزيرة، ففي عام 1998 أصدر كمال الجنزوري رئيس الوزراء آنذاك قرارًا بتحويل جزيرة الوراق إلى محمية طبيعية يُجرم البناء عليها، وعندما جاء عاطف عبيد إلى رئاسة الوزراء بعدها رأى أن هذا القرار ليس كافيًا لإيقاف أهالي الوراق عن البناء على الجزيرة؛ فأصدر قرارًا جديدًا عام 2000 يقضي بتحويل جزيرتي «الوراق والذهب» إلى منافع عامة تابعة للدولة، لا يمكن استغلال أرضها إلا بتصريح من الحكومة المصرية، وذلك مع الإبقاء على وصف الجزيرتين بأنهما محميتان طبيعيتان، ولكن في عام 2002 استطاع أهالي الوراق الحصول على حكم محكمة يفيد بأحقيتهم في الأرض التي يعيشون عليها في الجزيرة.

وفي عام 2005 تجددت النزاعات بين الدولة ومجموعة المواطنين القاطنين لجزر الوراق والذهب والقرصاية؛ وذلك لأن الدولة كانت تخطط لإقامة مجموعة من المشاريع الاقتصادية والاستثمارية على هذه الجزر التي منحها موقعها المتميز على مياه النيل عوامل جذب لكثير من المستثمرين، وبعد ذلك بثلاث سنوات فقط أعلنت الحكومة المصرية عن مشروع «القاهرة 2050» الذي يتضمن تحويل تلك الجزر إلى مدن استثمارية، ولكن المشروع لم يكتمل بسبب مظاهرات أهالي الجزر، فضلًا عن ارتباط هذا المشروع بجمال مبارك.

وفي العهد الحالي تجددت نوايا حكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي التي يترأسها شريف إسماعيل بتحويل جزيرة الوراق إلى جزيرة استثمارية، وفي مؤتمر عقدته الحكومة المصرية لاسترداد أراضي الدولة؛ قال رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي: «جزيرة موجودة في وسط النيل، مساحتها أكثر من 1250 فدان – «مش هاذكر اسمها» – وابتدت العشوائيات تبقى جواها والناس تبني وضع يد. لو فيه 50 ألف بيت هيصرفوا فين؟ في النيل اللي إحنا بنشرب فيه؟».

جزيرة الوراق مكان خارج التغطية دائمًا

على مساحة 1500 فدان تقريبًا تقع جزيرة الوراق على نهر النيل، ويسكنها ما يقرب من 100 ألف نسمة، يعمل معظمهم في أعمال الزراعة والبناء والحرف البسيطة، وعلى الرغم من أن جزيرة الوراق هي أكبر جزيرة في مصر، تعتبر الجزيرة من أشد البقاع فقرًا في جمهورية مصر العربية، ومن أكثرها في انعدام خدمات الصحة والكهرباء والصرف، وحتى الحماية والأمن، فتراكم تلال القمامة في الكثير من الأماكن داخل الجزيرة هو مشهد مُعتاد؛ لأن عربات القمامة التابعة للحي غالبًا لا تمر من هناك، ولا يوجد شبكة صرف صحي، ولكن عربيات الكسح تقوم بتصريف مخلفات القرية في النيل؛ وهو الفعل الذي يسبب تلوثًا شديدًا لمياه النيل.

وبجانب انتشار أعمال السرقة والبلطجة في الجزيرة بسبب إغلاق نقطة الشرطة، تنتشر الكثير من الأمراض الخطيرة مثل: فيروس سي والفشل الكلوي وذلك بسبب التلوث الشديد المرتبط بأجواء الجزيرة، والناتج عن المخلفات التي لا يتم التخلص منها بصورة صحية، وتدهور الحالة الصحية لأهل الجزيرة لا يقابله رعاية صحية جيدة؛ فهناك مستشفى وحيدة على الجزيرة، وهي فقيرة في تجهيزاتها وفي خدماتها، بالإضافة إلى أنها تغلق أبوابها بحلول الساعة الثانية عشر مساءً كل يوم، ولا يوجد في الجزيرة إلا وسيلة مواصلات واحدة، وهي «التوكتوك»، أما عن وسيلة المواصلات التي تنقلك من وإلى الجزيرة؛ فلا توجد سوى «معدية» مُتهالكة تقوم بنقل الأفراد من وإلى الجزيرة مقابل «جنيه»، وهذه المعدية أوقفتها قوات الأمن بعد اشتباكات أمس، ولكنها عادت للعمل صباح اليوم.

هل الوراق ملك لأهلها أم ملك للحكومة؟

كل طرف من طرفي النزاع، سواء الحكومة أو أهل الجزيرة، يقدم أوراق تثبت ملكيته للأرض في كل مرة يحتدم النزاع بينهما، ولكن في مداخلة هاتفية مع برنامج بتوقيت مصر قال «يحيى الشحات» رئيس المجلس المحلي لجزيرة الوراق السابق: «هناك 60 فدانًا فقط ملك للدولة والأوقاف، أما باقي مساحة جزيرة الوراق فهي ملك للأهالي، ومعهم أوراق وعقود مسجلة بالشهر العقاري تفيد ملكيتهم للأرض».

وفي منشور نشره المحامي الحقوقي خالد علي على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك؛ آيد فيه  رواية أهالي الجزيرة، ودعم خالد علي منشوره بمجموعة من المستندات وشهادات وفاة وأوراق تؤكد أن الجزيرة هي ملك لأهلها وليست للدولة، وكتب علي:

«أهالى الجزيرة أصحاب ملكيات خاصة على الأرض ولم يعتدوا على أراضى الدولة كما تزعم الحكومة، فمساحة الجزيرة ١٨٥٠ فدان، منها ١٨١٠ فدان ملكيات خاصة، و٤٠ فدانًا فقط ملك الحكومة، وشاغلوها لم يشغلوها غصبًا لملك الدولة، وإنما مقابل انتفاع يسدد للدولة بانتظام، كان هناك نزاع سابق فى بداية عام ٢٠٠٠ لنزع ملكية المواطنين بالجزيرة، ولكن مجلس الدولة حكم بوقف وإلغاء قرارات نزع الملكية، كما صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٨٤٨ لسنة ٢٠٠١ بعدم جواز إخلاء أى مبنى مقام حتى تاريخه بجزيرتي الذهب والوراق، وعدم جواز التعرض لحائزى الأراضى الزراعية بالجزيرتين».

ما المشروع الذي تنوي الحكومة إقامته على جزيرة الوراق؟

منذ أن اشتعلت الاشتباكات بين قوات الأمن وبين أهالي جزيرة الوراق، خرجت الكثير الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي تُفيد بأن هناك جهة خليجية «إماراتية أو كويتية» تقف وراء مشروع استثماري عملاق سوف يتم إنشاؤه على جزيرة الوراق، وجزيرة الدهب بعد إخلائهما من السكان، ولكن حتى الآن لا يوجد مصدر واحد يثبت صحة هذه الأخبار، حتى أن المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط صرح لـ«مدى مصر» أن الوزارة ليس لديها معلومات عن أي خطط تخص الجزر النيلية حتى اﻵن، وأنها في المراحل اﻷولى للتخطيط.

وعلى الرغم من ذلك فقد حاولنا الوصول إلى إحدى شركات الإنشاء والتخطيط العملاقة  التي تدعى «RCP» وهي شركة سنغافورية، بدأت عملها في الشرق الأوسط عام 2010 في دبي، وتضع هذه الشركة على موقعها الرسمي مشروعًا جديدًا من المفترض أنه تم توقيع اتفاقية مع الحكومة المصرية لإنشائه على جزيرة الوراق على مساحة حوالي 23 ألف متر مربع، وتم تصميم هذا المشروع لكي يجمع بين  الشكل المعماري الحديث والروح التاريخية لمدينة القاهرة، ويربط بين الجزيرة والنيل.

كيف عرف بلال فضل أن أهل الوراق سيصمدون قبل 9 سنوات من الحادثة؟

وجهنا هذا السؤال للكاتب بلال فضل مؤلف مسلسل «هيما»، وكانت إجابته كالتالي: عندما بدأت في كتابة المسلسل لأول مرة سنة 2000 كان في موجة من الاهتمام الحكومي بفكرة ما يطلق عليه تطوير العشوائيات، وبالطبع هو مصطلح صوري كاذب، لأن الهدف الحقيقي كان يعني إخراج الناس من أراضيها التي تمثل مطمعًا للمستثمرين، وحدث ذلك في أكثر من مكان في القاهرة والإسكندرية، ولفت انتباهي بشدة.

يضيف بلال: كانت أول مرة أذهب إلى جزيرة الوراق سنة 1993 لزيارة زميل لي في الجامعة وانبهرت بجمال المكان وقبح أحواله وظروف الناس هناك، وقبل كتابة المسلسل في 2005 قضيت فترة في جمع تفاصيل عن الجزيرة وظروفها، وأثناء التصوير تصاعدت مشكلة جزيرة القرصاية في قلب القاهرة، وبدأ الحديث عن إخراج أهلها بالقوة، وكان الفنان التشكيلي محمد عبلة المقيم في الجزيرة يحكي كتيرًا عن التحركات الشعبية التي يقوم بها أهل الجزيرة لمقاومة إخراجهم بالقوة، وكانت تواجهني وقتها مشكلة فنية في كيفية كتابة مشهد النهاية في الحلقة الأخيرة بحيث أتجنب وجود تشابه مع حالة المقاومة التي أنهى بيها أستاذ أسامة أنور عكاشة مسلسله العظيم الراية البيضا، ووقتها شاهدت في برنامج العاشرة مساء لقاء مع أهل جزيرة القرصاية وقال أحدهم إننا سوف ندافع  عن الجزيرة حتى  آخر رمق وأننا حفرنا قبورنا بالفعل في الأرض، وقتها كان مسلسل «هيما» في حيز التصوير بالفعل في جزيرة الوراق، حيث بدأ تصويره من أسبوع تقريبًا.

يردف بلال: اتصلت هاتفيًا بالأستاذ جمال عبد الحميد وقلت له إنني قد وجدت فكرة مشهد النهاية، وفيها سوف نحفر مجموعة من القبور ليرقد فيها أبطال المسلسل وسوف يدفنون أنفسهم لو لزم الأمر كما سيفعل أهل جزيرة القرصاية، وكتب الشاعر الكبير سيد حجاب أغنية جميلة بعنوان «دي أرضنا أمنا» وبيتنا وتربتنا، وأبدع الملحن العظيم عمار الشريعي في إدخال أصوات الكورال في بدايتها، واستمد الجميع الحماسة من نضال سكان جزيرة القرصاية.

في هذا التوقيت لم يكن هناك أية مشاكل تخص جزيرة الوراق، لذلك لم يتفاعل أهل جزيرة الوراق بقدر ما تفاعل أهل جزيرة القرصاية مع المسلسل الذين دعوا فريق عمل المسلسل إلى زيارة الجزيرة فيما بعد، وكان من أسعد لحظات حياتي، إني وجدت أهل القرصاية يقولون لي هذه فلانة التي لعبت دورها عبلة كامل، وهذا فلان المدرس الذي لعب دوره محمد متولي، على الرغم من أنها كانت أول مرة أزور القرصاية في حياتي.

أما للإجابة على سؤال «لماذا يدافع اهل الوراق عن الجزيرة على الرغم من أنها جزيرة غير مميزة حتى أنها معدومة الخدمات؟» فقال أنه من رأيه أن هذه الجزيرة لها ميزة مهمة جدًا ألا وهي أرض أهلها الذين ولدوا وتربوا وعاشوا فيها، وتحملوا حرمانهم من الخدمات والرعاية التي من المفترض أنها أبسط حقوقهم باعتبارهم مواطنين، ولذلك يتوقع بلال بالتأكيد أن مقاومتهم ستكون  شرسة لرغبة الحكومة التي -بحسبه- حين حاولت أن تهتم بهم لم يكن دافعها تحسين أحوالهم الإجتماعية بل لأنها تريد أن تبيعها بحجة أنها أرض الدولة، وهذا في النهاية من وجهة نظر فضل تجسيد لفكرة الدولة كما يؤمن بها المسئولون في مصر «للأسف ملايين من المواطنين المؤمنين بالتصور السائد عن الدولة، وهو إن الدولة كائن أرقى وأعلى من مواطنيها، فبالتالي هؤلاء المواطنون تنتفي حقوقهم عندما تريد الدولة، وكل ما عليهم إلا أن يمتثلوا لإرادتها، أهالي القرصاية وهم أقل عددًا وجزيرتهم أصغر قاوموا بشراسة لكن ستظل جزيرتهم مطمعًا، وأعتقد إن أهالي الوراق سوف يقاومون لسبب بسيط وهو أنهم لا يمتلكون خيارًا آخر، وأعتقد أن هذا الصراع سوف يزيد من وعي الكثيرين أن جوهر البلاء في مصر هو في تلك الفكرة اللعينة عن الدولة، وأن أحوال المصريين لن تنصلح إلا إذا تغيرت وأصبحت الدولة تعني أولا وأخيرًا المواطنين ورغباتهم وإرادتهم».