عادت مدينة الحسيمة مرة أخرى لتحتل مشهد الرأي العام في المغرب، بعدما عاشت عشية الأحد الماضي الخامس من فبراير (شباط) الجاري أجواءً شديدة الاحتقان، بفعل المواجهات العنيفة بين المحتجين وقوى الأمن، التي ما تزال تداعياتها حتى الساعة متوالية، في ظل محاولات مستمرة من قبل السلطة لنزع فتيل الاحتقان لدى ساكني المدينة.

احتجاجات واسعة وتدخل عنيف

بدأت الأحداث عندما دعا قادة «حراك الريف» بمدينة الحسيمة المواطنين إلى مظاهرة عارمة يوم الأحد، احتجاجًا على السلطة لعدم تجاوبها مع المطالب الحقوقية والاجتماعية للمحتجين، وإحياء للذكرى 54 للزعيم الريفي الراحل، محمد عبدالكريم الخطابي، التي تزامنت مع يوم الاحتجاج، ومن ثمة خرجت مظاهرات شعبية وأغلقت المحلات التجارية، وقصد الناس في ضواحي المدينة والقرى المجاورة مركز المدينة للمشاركة في الاحتجاجات.

في المقابل استعدت السلطات لهذا اليوم بإنزال أمني كثيف ومنعت المحتجين القادمين من إمزورن وبوكيدان وبلدات مجاورة من الوصول إلى مركز الحسيمة، كما أقدمت على تدخل أمني لتفريق التظاهرات الاحتجاجية، مما أجج بشكل سريع الأوضاع بالمدينة، ودخل المتظاهرون في مواجهات عنيفة مع القوى العمومية، أدت إلى إصابة 27 من العناصر الأمنية وعشرات المواطنين المحتجين، علاوة على تكسير عدد من المحلات التجارية جراء التراشق بالأحجار.

وتظهر مقاطع الفيديو التي نشرها نشطاء مدينة الحسيمة على مواقع التواصل الاجتماعي، تبادل الرشق بالحجارة بين المتظاهرين وقوى مكافحة الشغب، وشاحنات خراطيم المياه تقوم بتفريق المتظاهرين، بالإضافة إلى مطاردات أمنية للناشطين في الأحياء وأزقة المدينة.

ودفعت خطورة الوضع بالوزير المنتدب لدى وزير الداخلية ذاته، الشرقي الضريس، إلى الانتقال على وجه السرعة إلى مدينة الحسيمة للاجتماع مع الهيئات المنتخبة وممثلي المصالح الخارجية بالإقليم، ودعا جميع السلطات والهيئات الحكومية إلى «مواكبة المخططات التنموية والإسراع بتنزيل مختلف المشاريع الهامة بالإقليم»، مشددًا في نفس الوقت على «مسؤولية السلطات العمومية في الحفاظ على النظام العام، ومواجهة كل ما من شأنه عرقلة السير والمرور في الطرقات العمومية والمس بأمن المواطنين وسلامة ممتلكاتهم».

وكانت التغطية الإعلامية شحيحة للأحداث الساخنة، التي جرت عشية الأحد الماضي في الحسيمة، حيث كانت مواقع التواصل الاجتماعي السبيل الوحيد لمتابعة ما يحدث هناك، في ظل تجنب وسائل الإعلام الرسمية والخاصة نقل مثل هذه الوقائع الحساسة بشكل معمق.

تعصب مناطقي أم احتجاجات اجتماعية؟

لم تكن الأحداث الساخنة الأخيرة بالحسيمة بالمفاجئة، وإن كانت أكثرها عنفًا، إذ اندلعت الاحتجاجات الشعبية في المدينة قبل أربعة شهور، عندما قتل بائع سمك طحنًا بواسطة شاحنة قمامة، الحادثة التي أشعلت غضبًا شعبيًّا وطنيًا واسعًا آنذاك، تضامنًا مع «بائع السمك المطحون»، وتنديدًا بالتهميش و«الحكرة».

وسرعان ما تحولت بعدها الاحتجاجات في الحسيمة إلى مظاهرات شعبية ذات مطالب اجتماعية وحقوقية، ممثلة في توفير فرص عمل للشباب العاطل وبناء مستشفيات بالمدينة ومطالب أخرى، وظل الحراك السلمي في المدينة متواصلًا في نهاية كل أسبوع، الأحد، دون أن تنطفئ جذوته، الأمر الذي كان يشكل مصدر قلق للسلطات المحلية بالمنطقة.

لكن خلال الأسابيع الأخيرة زادت حدة الاحتقان بالمدينة، قبل أن ينفجر الوضع في الأحد الماضي إذ يقول نشطاء في المدينة إن السلطة جيشت مجموعة من الأفراد يجوبون الشوارع بسياراتهم ويرددون شعارات تقدح في المتظاهرين وساكني الريف، ليرد الصاع بعض المحتجين بتعبيرهم عن فرحهم في الشوارع لهزيمة المنتخب الوطني أمام مصر في منافسة كأس إفريقيا، وهو ما دفع حينها قسم من الرأي العام إلى وصمهم بالخيانة والطموح الانفصالي، لتأتي أخيرًا المواجهات الشديدة بين المحتجين وقوى الأمن، بعدما بلغ الاحتقان مداه.

وتعود أصول النزعة المناطقية الدفينة في الريف شمالي المغرب، إلى سنة 1921 عندما ثار سكان منطقة الريف على الاستعمار الإسباني، وأعلنوا استقلالهم عن الحماية الإسبانية والفرنسية للمغرب، ليُعلن قيام «جمهورية الريف» رسميًا سنة 1923، التي تضم الحسيمة وتطوان والناظور، برئاسة عبد الكريم الخطابي، والحاج الحاتمي رئيسًا للوزراء، قبل أن تنهار سنة 1926.

لكن ظلت فكرة ترديد «جمهورية الريف» قائمة في أذهان فئات من سكان المنطقة الشمالية، كطريقة لمواجهة ما اعتبروه تهميشًا وظلمًا من قبل الدولة الوطنية، إذ مباشرة بعد استقلال المغرب، واجهت منطقة الريف ظروفا اقتصادية وسياسية قاسية، منها أحداث «أقبارن» سنة 1958، والحملة العسكرية على المنطقة سنة 1984، لكنها لم تكن الوحيد في ذلك، فقد شاعت الأزمات الاقتصادية والسياسية، خلال النصف الأخير من القرن العشرين، وارتدت تأثيراتها على مختلف مناطق البلد.

وفيما يحذر البعض من النزعة المناطقية التي ما تزال في مخيلة بعض المحتجين، ينظر مراقبون إلى أن قضية الريف تتعلق بمشكلة التنمية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان بالأساس، وأن شيوع الفساد والاستبداد بالبلد وتدهور خدمات الدولة الأساسية يقود إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي ويعزز الأيديولوجيات غير الوطنية بالمجتمع.

تنديد بعنف السلطة وتحذير من انفجار الوضع

استقبلت الأحزاب السياسية في عمومها أحداث الحسيمة بلغة اللامبالاة كالعادة، دون أن تسجل مواقفها في بيانات رسمية إزاء الاحتقان الشعبي المتواصل بمدينة الحسيمة، فيما التزمت الحكومة الصمت المطبق، غير أن هناك هيئات حقوقية وسياسية بادرت إلى التنديد بـ«التدخل الأمني العنيف»، ودعت السلطات السياسية إلى تنمية منطقة الريف.

واستنكرت جماعة العدل والإحسان في بيان لها، ما وصفته بـ«الحملة الإعلامية التضليلية التي تروجها وسائل الإعلام الرسمية في قلبها للحقائق من أجل تجميل وجه المخزن القبيح، وأجواء العسكرة التي تتعرض لها الحسيمة ونواحيها من تطويق وحصار ومطاردة»، محذرة من أن المخزن يلعب بالنار ولا يأبه بالنتائج الكارثية التي تخلفها سياسته الرعناء، ولا تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، على حد تعبير الجماعة الإسلامية.

من جهتها، أدانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان استعمال القوة في منع التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، وقالت إن السلطات لم تتوان عن استعمال القوة بتدخل عنيف ببوكيدان نتجت عنه مواجهات عنيفة، راصدة إنزالات أمنية كثيفة بمختلف أنواعها وصورها تزامنًا مع دعوة شباب الحراك الشعبي لتخليد الذكرى 54 لوفاة زعيم التحرير محمد بن عبد الكريم الخطابي.

أما حزب «النهج الديمقراطي» اليساري فقد وصف أجواء وقائع الحسيمة بـ«المهينة لكرامة الريفيين الذين يتعرضون لنوع من التركيع السياسي شبيه بما تعرض له أباؤهم وأجدادهم خلال مراحل دامية عرفها تاريخ الريف المثخن بالجراح»، محملًا المسؤولية «الدولة المخزنية وبعض النخب السياسية الرجعية التي أنتجت في الريف مزيدًا من الخراب والتدمير الذي انفجر في وجهها كقنبلة»، كما يقول الحزب.

بدوره، عبر المجلس الوطني لحزب «الأصالة والمعاصرة» عن دعمه لكل النضالات المشروعة للمواطنين وعلى ضرورة التجاوب مع مطالبها بعيدًا عن المقاربات الأمنية، التي قد تزيد حدة الاحتقان الشعبي. كما أعلنت التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين بالمغرب تضامنها مع احتجاجات الحسيمة قائلة «إنهم يعممون العنف على أبناء وطني.. فلنعمم التضامن والمساندة».

بينما استقبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجات الحسيمة الساخنة بين مشيد بـإصرار سكان الحسيمة على الاحتجاج حتى تحقيق مطالبهم الاجتماعية، ومحذر من نار «الفتنة» التي قد تخرب البلد، متهمين المتظاهرين بتوجهاتهم الانفصالية، فيما دعا آخرون المتظاهرين إلى التمسك بالسلمية ووحدة الوطن حفاظًا على استقرار البلد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد