حين اندلعت ثورة الغضب المصرية في يوم 28 يناير (كانون الثاني) عام 2011، وجّه النظام المصري أولى ضرباته للمتظاهرين؛ فقطع كافة خدمات الاتصالات المحمولة والإنترنت؛ وبعدما أصبح الإعلام الرسمي هو «صوت الميدان» نسج النظام خطابه الرسمي تحت عنوان «كل شيء هادئ»، ومرت الخطة بنجاحٍ في اليوم الأول لولا أنّ أسرة مزعجة استغلت ثغرة عدم قطع التليفونات الأرضية، وهاتفت ابنها الموجود في جنوب أفريقيا لينقل للصحف والقنوات الأجنبية تفاصيل الساعات الأولى للثورة، لكن هذه الأسرة التي كانت مصدر إزعاج للنظام طيلة أيام الثورة، والمجلس العسكري، وسنة حكم مرسي، لم تصمد طويلًا في عهد السيسي.

ففي عام 2014، مات الأب بعد صراع مع المرض والهزيمة، بعد سجن ابنه وابنته لأسباب تتعلق بنشاطهما السياسي والثوري، الأمر الذي ترك أثره على ابنه الناشط الشهير، وأحد الفاعلين في المشهد السياسي المصري، والذي سبق وأن كتب لصحيفة «الجارديان» البريطانية عام 2011: «لماذا يجب أن تُؤخَذ الثورة المصرية على محمل الجد»، ليعود علاء عبد الفتاح، ويكتب في الصحيفة نفسها من داخل زنزانته عام 2016: «لم يعد لدي ما أقوله، لا آمال أو أحلام أو مخاوف أو تحذيرات، الأمل انتُزع مني تمامًا».

أحمد سيف الإسلام.. يساري دافع حتى عن حقوق الجهاديين

كنتُ قادرًا على الهرب وتجنب الاعتقال، والأمن أراد مساعدتي سرًّا للتخلص من إزعاجي، لكنني فضلت البقاء داخل مصر حتى ولو في السجن. *المحامي الحقوقي أحمد سيف الإسلام

في آخر سنوات الملكية، وُلد أحمد سيف الإسلام عام 1952 في محافظة ريفية -البحيرة شمال مصر- وكان هو وجيله شهودًا آنذاك على القبضة الناصرية التي قيّدت الحياة السياسية، بداية بالإطاحة باللواء محمد نجيب وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، مرورًا بالتنكيل بجماعة الإخوان المسلمين وحظر أنشطتها واعتقال قيادتها، نهايةً بالقضاء على الحزب الشيوعي الاشتراكي ضمن حملة حلّ الأحزاب.

التحق سيف بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وساعده الظرف السياسي الذي منحه السادات لإنعاش الحركة الطلابية التي انشغلت بقضيتي الديمقراطية وتحرير الأرض، ليخوض أول تجارب الاعتقال مرتين بين عامي 1971 و1972 حين شارك في المظاهرات الغاضبة على تأخر إعلان الحرب على إسرائيل.

تقول زوجته ليلى سويف: «كان يتعمد رسوبه في الجامعة من أجل شغفه السياسي»، تضيف: «وحين اندلعت انتفاضة الخبز عام 1977، توّعد السادات بالقبض على اليساريين، ليهرب سيف الإسلام وقتها ولم تفلح الشرطة في القبض عليه».

وحين بدأ مبارك عهده عام 1981، سارع بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، ولم يكد يمر عامان حتى قُبض على سيف بتهمة الانتماء إلى تنظيم يساري، وصدر حكم ضده بالسجن مدة خمس سنوات، يحكي بنفسه ظروف تلك الفترة في كتاباته قائلًا: «تعرضت للتعذيب بالضرب والعصي والصعق بالكهرباء، وكُسرت قدمي وذراعي»، ليبدأ بعدها التحوّل الجذري في حياة اليساري من مجرد «صاحب صوت»، إلى قانوني يدافع عن المعتقلين عبر حصوله على ليسانس الحقوق داخل المعتقل.

أسس عام 1999 مركز «هشام مبارك للقانون»، وهو نفسه المكان الذي اعتقل منه لاحقًا في يوم موقعة الجمل 3 فبراير (شباط) عام 2011، حين تولى مهام توثيق عنف الشرطة، وفي الوقت الذي كان مبارك يُمدد قانون الطوارئ، كان المحامي أحمد سيف الإسلام يشن حربًا عبر كتابه «مدى دستورية قانون الطوارئ والأوامر العسكرية»، والذي جاء فيه :«لا يقصد بشرعية فرض قانون الطوارئ مجرد خضوع المحكومين للقانون دون الحُكام، وهو ما يعني التزام الحكومة بالالتزام بعدم استغلال الظروف الاستثنائية للطوارئ للتعسف وانتهاك الحقوق المادية والمالية للأشخاص».

اللافت في مسيرة سيف الإسلام أنه كرّس حياته للدفاع عن جميع المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب، دون النظر إلى انتماءاتهم بداية من قضية عمال المحلة عام 2008، مرورًا بقضية تفجيرات طابا المتهم فيها حزب «التحرير الإسلامي» و«كتائب عبدالله عزام»، وعقب حركة الجيش في 3 يوليو (تموز) عام 2013، اعتبر سيف الإسلام أن النظام الجديد يمارس القمع والعنف ضد معارضيه، وأن الشعب بات يخوض معركة الحرية ضد أجهزة الأمن والمخابرات.

وبرغم اختلافه الأيديولوجي مع جماعة الإخوان المسلمين فإنّه هاجم القضاء المصري حين أيد اعتبار الإخوان جماعة إرهابية قائلًا: «لو كانت المحكمة منصفة لأسقطت القانون، معتبرًا أنّ أي حكم قضائي يستند في مشروعيته إلى وجود أسماء للمتهمين، بالإضافة إلى التهم الموجهة ضدهم في قرار الإحالة»، في إشارة إلى أنّ القانون يمكن أن يُحاكم به أي شخص.

لحظات الانتصار يمزجها الأب (أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح) مع سنوات الهزيمة قائلًا: «كأن التاريخ يُعيد نفسه، ولدتُ ابنتي منى وأنا في السجن، مثلما حدث مع ابني علاء الذي وُلد ابنه خالد وهو أيضًا في السجن»، وقبل موته وجّه رسالة اعتذار لأبنائه وشباب الثورة قائلًا: «عذرًا لابني وعذرًا لهذا الجيل.. انهزمنا»، لتكتمل الهزيمة بموته إثر أزمة قلبية عقب صدور حكم قضائي ضد ابنه بالسجن لمدة 15 عامًا، وبعدها تدخل ابنته السجن بالتهمة ذاتها -التظاهر بدون تصريح- ليموت في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014 دون أن يختلف عليه أحد حتى الجهاديين، فقد سبق وأن دافع عن حقوقهم ورفض تعذيبهم داخل المعتقلات.

علاء عبد الفتاح.. المهزوم و«سجين كل العصور»

عذرًا أبنائي، فلم أورث لكم سوى السجن. *أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح

يقول عنه أبوه: «أحيانًا أعرّف عن نفسي بأنني أبو علاء»، ثم يختصر تاريخه فيضيف: «قد يكون هذا هو الإنجاز الذي حققته لنفسي»، وتلاحق المفارقة كل من الابن وأبيه من البداية وحتى النهاية، فكما وُلد الأب في عام وصول العسكريين للسُلطة، وُلد علاء عبد الفتاح عام 1981، وهو تاريخ تنصيب مبارك رئيسًا لمصر عقب اغتيال السادات.

بدأ تاريخ العمل السياسي لعلاء عبد الفتاح -الشهير بسجين كل العصور– بالدفاع عن استقلال القضاء الذي خذله فيما بعد، ففي عام 2006 ألقي القبض عليه بتهم التحريض والتخريب وقلب نظام الحكم، وحبس على إثرها في السجن نحو 45 يومًا.

علاء عبد الفتاح الذي فاجأ النظام المصري بظهوره على شاشات القنوات الأجنبية بصفته مراسلًا للثورة من جنوب أفريقيا عاد للسجن مرة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011 في أحداث ماسبيرو التي راح ضحيتها 25 قبطيًا أثناء الاشتباك مع قوات الجيش.

في مقاله بجريدة الشروق، كتب علاء مقاله «عودة لسجون مبارك» والذي جاء فيه: «لم أكن أتوقع أن تتكرر التجربة بعد مرور خمسة أعوام، بعد ثورة أطحنا فيها بالطاغوت، أعود إلى سجونه.. دُهِسَت ثلاث مرات فى يوم واحد. أدرك فجأة أنها نفس النظارة التى صحبتنى فى حبسة القضاة 2006، وأنا الآن محبوس احتياطيًّا أيضًا، لكنّ الفرق الوحيد أننا استبدلنا نيابة أمن الدولة بالنيابة العسكرية: تغيير يليق باللحظة العسكرية التي نحياها».

عودة علاء إلى السجن مرة أخرى جاءت بعد إزعاجه للمجلس العسكري، وتطاوله بالسب الصريح أكثر من مرة على المشير طنطاوي، يقول الناشط الحقوقي آنذاك عبر مدونته «منال وعلاء»: «تلقيتُ عرضًا بالخروج من السجن، بشرط عدم التعرض للمشير طنطاوي لكنني رفضت»، وكان علاء قد مثل أمام المحكمة العسكرية في قضية ماسبيرو قبل أن تتحول إلى النيابة العامة في النهاية بعد الضغوطات الحقوقية التي تعرض لها المجلس العسكري، خاصة أن علاء عبد الفتاح رفض الاعتراف بشرعية المحاكمة العسكرية له كمدني، كما رفض الإجابة عن أسئلة النيابة العسكرية.

التناقض الوحيد في مسيرة الناشط الحقوقي يبدأ مع الرئيس المعزول محمد مرسي، فبينما دعا علاء عبد الفتاح القوى الثورية لانتخاب مرسي في الجولة الثانية، التي لم يفز فيها مرشح التيار المدني خالد علي، سرعان ما عارض الرئيس الجديد عقب الإعلان الدستوري، واشترك في مظاهرة أمام مكتب الإرشاد انتهت بمقتل وإصابة نحو 70 شخصًا، ليدخل علاء عبد الفتاح السجن مرة أخرى قبل أن يحصل على البراءة، لكنه في النهاية طالب الجيش بفض ميداني رابعة والنهضة بالقوة، ثم عاد بعدها وعد «السيسي مجرم حرب هو وكل من شارك في الفض».

لم يمكث علاء في ظل النظام الجديد حرًّا طليقًا لفترة طويلة، فما لبث أن وجد نفسه مرة أخرى بين القضبان في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2013، بتهمة التحريض على التظاهر ضد الدستور الجديد أمام مجلس الشورى، وبينما وقف والده المحامي الحقوقي واثقًا من خروج ابنه قائلًا: «رجال الشرطة الذين اقتحموا منزل علاء واعتدوا عليه، وصادروا أجهزة الحاسب الخاصة والتليفونات المحمولة الخاصة بالعائلة لم يكن معهم إذن من النيابة»، لتقرر النيابة بعدها إخلاء سبيله على ذمة القضية، لكن صدر ضده فيها حكم بالسجن 15 عامًا قبل أن يخفف إلى خمس سنوات قضاهم بين اليأس والاستسلام.

في آخر رسالة من محبسه لصحيفة «الجارديان» كتب فيها: «اقترفتُ كل الأشياء الغبية التي يرتكبها الثوار مفرطو التفاؤل؛ دخلتُ السجن مُجددًا، دعوت الجميع لتقبل الهزيمة وخسرت، اليأس مهيمن حتى على الإسلاميين الذين فقدوا القدرة على تنظيم جبهة موحدة وفعالة في مواجهة النظام، ربما يكون من السذاجة أن نعتقد بأن أحلامنا يمكن أن تتحقق».

علاء عبد الفتاح.. ماذا فعلت ليالي السجن الطويلة في «التنين البمبي»؟

سيدات العائلة.. حظٌّ من الصخب في إزعاج النظام

في حياة علاء عبد الفتاح أربع سيدات يقول عنهنّ: «كيف سأواجه عائلتي لو كنتُ تصالحتُ مع النظام»، أمه ليلى سويف الأستاذة الجامعية والحاضر الدائم في كافة التظاهرات ضد كل الأنظمة المتعاقبة، بداية من الرئيس السادات الذي أزعجته تظاهرات الطلبة ضدّه بين عامي 1972 و1973 بسبب تأخر إعلان استعادة الأرض، تقول ليلى سويف: «كنتُ من القلائل الذين لم يُقبض عليهم»، رغم أنها لم تسلم من اعتداءات الأمن حتى في وجود ابنها.

(منى سيف وأهداف سويف)

في عهد مبارك، شاركت ليلى سويف في عام 2003 في تأسيس مجموعة «9 مارس» المنادية باستقلال الجامعات، والتي خاضت صراعًا مفتوحًا مع ثلاثة أنظمة متعاقبة (مبارك ومرسي والسيسي) لمنع التدخلات الأمنية بالجامعة، وإلغاء الحرس الجامعي، وإقرار نظام انتخابات القيادات الجامعية، أمّا أختها أهداف سويف، فناشطة أدبية حشدت جهدها للدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الإنسان، وكانت إحدى الذين نشروا رسائل سيف الإسلام عبد الفتاح أثناء اعتقاله، وأعلنت تعرضه للتعذيب.

وبالحديث عن شريكة علاء عبد الفتاح، فزوجته منال سيف مبرمجة شاركته مجال التخصص العلمي والعمل السياسي، وفي عام 2004، أطلقت مع زوجها مدونة «منال وعلاء» التي كتبا فيها عام 2008 قبل انتقالهما للعيش في جنوب أفريقيا: «إحنا مسافرين من غير المشاعر المعتادة من شباب رايح يشتغل بره بتاعت أن البلد بقيت خنقة، وملناش مستقبل والعيشة مرة والكلام ده، بالعكس عيشتنا في مصر ظريفة ومرفهة جدًّا، والشغل كويس»، ليعود الزوجان سريعًا إلى مصر عقب اندلاع ثورة يناير 2011.

لعلاء عبد الفتاح أختان فاعلتان في العمل السياسي، الأولى منى سيف التي أطلقت عقب الثورة حملة «لا للمحاكمات العسكرية» وناوشت المجلس العسكري عقب رفضها فض الاعتصام عقب نجاح الثورة، ثم مطالبتها بالتحقيق في حالات التعذيب التي تقوم بها الشرطة العسكرية، ليخرج القضاء الإداري بعد ضغوط، متهمًا الجيش بأنه ينتهك الدستور، ويهتك حُرمة الجسد. ألقي القبض على منى سيف في أواخر عام 2013 في أحداث مجلس الشورى مع أخريات، وأطلق سراحها قبل توجيه تهم.

آخر سليل العائلة هي سناء سيف، 25 عامًا، شاركت أسرتها في الاعتصام بميدان التحرير أثناء الثورة، وانضمت للحملات التي هاجمت المجلس العسكري، وألقي القبض عليها عام 2014 من أمام قصر الاتحادية الرئاسي ضمن مظاهرات نددت بقانون التظاهر، وحصلت على حكم قضائي بالسجن عامين ومراقبة بعد الخروج مدة مماثلة، قبل أن تحصل على عفو رئاسي أواخر عام 2015، قبل يوم من زيارة الرئيس السيسي لنيويورك للاجتماع مع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي عام 2016، صدر حكم قضائي بحقها بالسجن ستة أشهر لاتهامها بإهانة القضاء.

العائلة صاحبة «الصوت العالي» واجهت انكسارات منذ سجن الأبناء وموت الأب منكسرًا، مرورًا باعتصاماتهم أمام سجن طرة للضغط لزيارة علاء عبد الفتاح في محبسه؛ وبعدما أفرجت عنه السُلطات بعد انقضاء خمس سنوات في محبسه، تبقى له عقوبة أخرى بالالتزام بالوجود في قسم لقضاء فترة مراقبة أمنية تستمر خمس سنوات أخرى، وهو ما تراه العائلة بأنه «سجن نصف يوم».

«واشنطن بوست» تسلط الضوء على كتاب جديد عن دور النساء في الثورة المصرية

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد