حين تحضر سيرة علاء عبد الفتاح، المُدون البارز، والناشط السياسي، يتبعها سرد لسيرة طويلة من النضال، وتذكُر لروحه المتقدة التي لا تهدأ في معاركه الدائمة مع السلطات، ونبوغه في احتجاجه، ابتداءً من النقلة النوعية التي كان من أوائل من أطلقوها عبر استخدام التدوين وسيلة احتجاجية جديدة ضد حُكم الرئيس المخلوع محمد حسني مُبارك.
في هذا التقرير، وعبر التحدث مع أصدقائه، فضلًا عن تتبع خلفيات الشاب الذي دخل عامه الثامن والثلاثين، بالتزامن مع إنهاء عقوبة السجن لخمس سنوات كاملة، نحاول رسم صورة كاملة للناشط السياسي الشهير وسط عالم التدوين ومعارفه بلقب «التنين البمبي».

الابن يرث خيارات والديه.. النضال واجب قومي

لأبويين صدحت حناجرهما دومًا بمطالب العدالة والحرية للمعتقلين السياسيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، متصدرين الصفوف الأولى للتظاهر ضد السلطة الحاكمة منذ الستينات؛ نشأ الطفل علاء عبد الفتاح في نوفمبر (تشرين الثاني)1981، مولود أول للعائلة، متزامنًا هذا الحدث مع صعود رئيس جديد للبلاد هو محمد حسني مُبارك، عقب اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ونهاية ولايته التي شهدت تحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة إثر سياسته.

كان تزامن مولد علاء مع صعود مُبارك للحُكم إيذانًا بما تحمله الأيام اللاحقة لهذا الطفل الذي سيصبح في غضون سنوات ثائرًا أمام بقاء نظامه، وحاشدًا للتظاهرات، ساعيًا لكسر رمزية السلطة التي تبطش بكُل مُخالف لها، مستفيدًا في ذلك من دراسته في مجال البرمجة، لنقل الاحتجاج إلى الفضاء الإلكتروني عبر عالم المدونات.

كبُر الطفل بمنزل الأسرة في حي الدقي وسط العاصمة المصرية، وبالقرب من مناطق الاحتجاجات الرئيسة آنذاك، مُتفتحة عيناه على شعارات سياسية، ونقاشات أعمق عن قضايا العدالة الاجتماعية؛ قضايا الحرية وحقوق الإنسان، حقوق الطلبة والعُمال، ومُناهضة التعذيب مُكتشفًا في سنواته الأولى، عالم جديد مُغاير لما يعيشه من هم في سنه.
فالأب هو سيف الإسلام عبد الفتاح المُحامي التاريخي، الذي ظلت هيئته في المحاكم بالروب الأسود مطبوعة في الأذهان، مُكرسًا حياته أمام ساحات المحاكم دفاعًا عن المعتقلين والمطالبة بحقوق المظلمين. أما الأم فهي ليلى سويف، الأكاديمية التي كسرت الصورة الرائجة عن مُدرس الجامعة المنعزل وسط كُتبه وأبحاثه، وخرجت إلى ما وراء أسوار الجامعة، محتجة في تظاهرات العمال، وداعمة لحقوق الطلبة في نيل الحرية الكاملة، ومؤسسة لأسر جامعية مُدافعة عن استقلال الجامعات ضد سيطرة ومساعي السلطة لاستخدامها في معاركها السياسية.
لم يكن أمام علاء عبد الفتاح، بعد المشاهد التي حوصر بها في سنواته الاولى، ومسارات والديه في السياسة والنضال التي مثلت أمام عينيه دومًا، سوى المضى قدمًا، على المنوال نفسه، ساعيًا لتوظيف أدوات عصره من التكنولوجيا والبرمجة في مناهضة حكومات باتت أكثر سلطوية، وأكثر حداثة في قمعها، عما كان عليه الحال أيام والده، في سنوات شبابه. وفي أوائل عقده الثلاثين، بدأ علاء يؤسس لمسارات جديدة في نضال، مستخدمًا في ذلك التدوين الإلكتروني عبر الاستفادة من خبرته الواسعة في مجال تكنولوجيا المعلومات، إذ أسس هو وزوجته الناشطة الحقوقية منال بهي الدين حسن مُدونة «دلو مليء بالمعلومات» في 20 مارس (آذار) 2004؛ لتُشكل بذلك ساحة جديدة للتفاعل السياسي، ونقطة تجمع جديدة، بعدما حاصر مبارك أي حركة في الشارع، وبات مشهد تراص عناصر الأمن المركزي في الميادين الرئيسة حائلًا أمام أي تجمهر، وسببًا في القبض على المئات.

التدوين والفضاء الإلكتروني في خدمة الوطن

أحمد ماهر، مؤسس «حركة 6 أبريل»، أحد رفقاء علاء خلال تلك الفترة، الذي تجمعه به صداقة منذ عام 2004، حين تعرف عليه آنذاك في الفعاليات الاحتجاجية المناهضة لمبارك، يتذكر تلك الوقائع في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» ويقول: «اتحبسنا مع بعض في الزنزانة نفسها بسجن طرة عام 2006؛ قبل أن نجتمع مرة أخرى في زنزانة واحدة عامي 2013 و2014».

يُكمل ماهر: «علاء إنسان وصديق عظيم؛ هو شخص عاقل جدًا، دايمًا يفكر في جذور الأزمة، قبل أي قرار، وأبعادها من كُل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتناقش مع الجميع». مشيرًا إلى أن علاء لا يرغب في أن يؤذي نفسه بما يفعله، لكنه يستدرك: «هو ميراث عائلة حمله علاء على كتفيه، واختيارات اختارها؛ هما عيلة ما بتعرفش تهرب».

ويضيف: «عندما بدأنا التدوين كنا نتكلم عن السياسة، ونسبة كبيرة من المدونين العرب والمصريين يتكلمون أصلًا عن السياسة، نظرًا للحضور الدائم للأمن السياسي». بعد شهور معدودة من تأسيس علاء المدونة تحولت الأخيرة إلى نقطة تفاعل بين كافة المهتمين بالسياسة، وصارت ساحة لأطروحات حول خلق البديل السياسي للنظام، وطرح آليات مُحددة بهدف، لتبدأ الكثير من الحركات السياسية والمنظمات الأهلية، الاستعانة بعلاء عبد الفتاح وزوجته في دعم هذه الحركات وتطوير مدوناتهم.

Embed from Getty Images

لاحقًا سيخصص علاء عبد الفتاح «السيرفر» الموجود لديه، في أوائل حقبة استخدام الإنترنت، للحركات الحقوقية مجانًا، أو بسعر رمزي؛ من أجل دعم مدوناتهم، لتتحول إلى منصات للتفاعل السياسي، ونقل المعلومات، مؤسسًا بذلك ما بات يُعرف لاحقًا في كُتب الإعلام «بصحافة الوطن»، بشكل أعمق وأكثر جرأة في التناول للأحداث عما كان موجودًا آنذاك في الصحف، سواء كانت حكومية، أو حزبية، أو خاصة. إذ يقول علاء: «ومن خلال هذه المدونات استطاع الناس أنفسهم، صانعو الحدث، تغطية أعمالهم، دون الاعتماد فقط على صحافيين مختصين وخبراء في مجال الصحافة، وهذا بحد ذاته يشكل دعمًا للصحافة الشعبية المحلية».
بفضل التحديث الدائم لها، والتفاعلات المستمرة، تحولت مدونة علاء وزوجته لأيقونة نضال لجيل يُماثل عمر علاء في مصر والعالم العربي، لتكتسب تأثيرًا وحضورًا دوليًا، ساهم في إدراجها ضمن الثمانية الأوائل الذين تنافسوا على جائزة منظمة «مراسلون بلا حدود»؛ قبل أن تقتنصها المدونة، ويفوز علاء ومنال بالجائزة ساعيين لاستثمار هذا الفوز من خلال توفير الإمكانية لأناس آخرين لتكرار هذه التجربة واستغلالها في تطوير برامج جديدة للتدوين وتقديمها للآخرين.

«كفاية».. الشارع لنا

لكن علاء عبد الفتاح الذي يؤمن بحتمية الدفع بكُل الوسائل الممكنة للاحتجاج على سياسات الأنظمة الحاكمة، لن يكتفي بالجلوس أمام الكمبيوتر، والكتابة على مدونته الإلكترونية؛ بل سيتبع هذه المرحلة التي نجحت إلى حد كبير في تجميع الفرقاء، وجذب أكبر عدد ممكن من المهتمين بالمجال العام، وخلق نافذة جديدة للنقاش السياسي، كي تكون وسيلة تدفعهم بعد ذلك إلى الشوارع؛لاستحضار مفهوم المُشاركة الميدانية عبر النزول للميادين بأعداد كبيرة، واختيار أماكن رمزية للتعبير عن حجم المظالم الواقعة على قطاعات واسعة من الشعب مثل النقابات المهنية.
يربط علاء بين ذلك وتأسيس «حركة كفاية»، أول تجمع فعلي من مُناهضين لسياسات مُبارك، ويقول: «الأمر الذي أدى إلى تشكيل حركة سياسية جديدة، وهي حركة «كفاية». وكان جزء كبير من الشباب المصري الذي ينتقد السياسات المصرية قد وجد ملجأً في هذه الحركة. ولذا فقد ابتدأت مع زوجتي منال الكتابة في مدونتنا عن خبرتنا الشخصية ورؤيتنا للواقع الجديد».
عام من بعد عام ازداد حضور علاء في العمل العام، ونشطت أدواره في الاحتجاجات، دون ضجيج أو ظهور على شاشات التلفاز؛ قبل أن ينتقل خارج مصر، وتحديدًا إل جنوب أفريقيا للعمل مبرمجًا لكُبرى الشركات، لكن وقائع ما حدث في الأيام الأولى لثورة 25 يناير (كانون الثاني) جعلته يُنهي أعماله دون رجعة أو تفكير، ويلحق سريعًا بركب الثورة، مخترقًا صفوف المتظاهرين كعادته دومًا، رافضًا أي هدنة أو تفاوض على صيغة تسمح ببقاء الرئيس، غير عابئ بخطابات رئيس المخابرات العامة المصرية آنذاك للحضور من أجل النقاش حول مستقبل البلاد.

أصحاب «الصوت العالي».. قصة أسرة علاء عبد الفتاح التي أزعجت رؤساء مصر

ثورة 25 يناير.. نحب الحرية ما استطعنا إليها سبيلًا

«في الميدان، حبنا للحياة مقاومة، نجري نحو الرصاص لأننا نحب الحياة، وندخل السجن لأننا نحب الحرية، في حضرة الميدان فهمت تعاليم الأنبياء، متى يفهم العسكر». تحمل الكلمات السابقة التي روى من خلالها تجربته في ثورة 25 يناير، صورة تفصيلية لأحلام علاء، التي ظلت بوصلته في كُل القضايا اللاحقة لثورة 25 يناير؛ فهو لم يكن يومًا كادرًا سياسيًا ساعيًا للسلطة، أو باحثًا في العلوم السياسية يشرح أبجديات السياسة لهم؛ هو الشخص التواق للحرية؛ الذي لا يأخذ في اختياراته أي مُحددات لها صلة بمكاسب فردية.
ففي كُل المرات السابقة، التي اخترق فيها علاء عبد الفتاح صفوف المتظاهرين، وتصدعت حنجرته أمام همهمات قوات الأمن المركزي بهتافات ضد بطش النظام؛ ظل حريصًا على عدم الانخراط في حركة أو حزب سياسي؛ فهو كما يعرّف نفسه: «أنا جندي مشاة الثورة». بعد 25 يناير؛ ظلت روح علاء صامدة أمام سلسلة هزائم ذهبت بأحلامه التي ناضل من أجلها، لأجل بعيد، ليعود من جديد للميدان، والأماكن التي شكلت ذاكرة المقاومة، قبل أن تنتبه السلطة له؛ لتدرج اسمه في أول قضية له بعد ثورة 25 يناير، في ضوء ما زعمته السلطات حول دوره في«التحريض والاشتراك في التعدي على أفراد القوات المسلحة، وإتلاف معدات تخص القوات المسلحة والتظاهر والتجمهر وتكدير الأمن والسلم العام في أحداث ماسبيرو»؛ لتُقرر النيابة العسكرية في مدينة نصر حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق؛ قبل أن تُخلي سبيله، إثر الضغوط المستمرة للحركات الحقوقية، ومنظمات المجتمع المدني، حين كان هامش الاحتجاج مسموحًا به.

Embed from Getty Images

لم يخفت حضور علاء عبد الفتاح النضالي، خلال فترة حُكم جماعة الإخوان المسلمين، إذ واظب على الاحتجاج دومًا على سياسات الرئيس المعزول محمد مرسي، وبالأخص الإعلان الدستوري الجديد، قبل أن يتراجع الأخير عنه؛ ويظل الحال على هذا المنوال، حتى تمت الإطاحة بمرسي، بواسطة المؤسسة العسكرية، قبل أن تفض الأخيرة اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، ويُشكل ذلك الموقف تحولًا نوعيًا في مواقف علاء؛ بعدما وصفها بـ«أكبر جريمة بحق الإنسانية».

السجن عقاب «الصوت العالي»..

شهور عديدة مرت على هذه الواقعة، تبعها استمرار احتجاجات علاء لحكم ما أسماه «العسكر»؛ لتُقرر السلطات من جديد العودة به إلى الزنازين، تخلصًا من «صوته العالي، وشتائمه المستمرة»، في فبراير (شباط) 2015، عندما صدر بحقه حكم قضائي، في ضوء تهمة التظاهر دون تصريح، ليقبع في السجن كُل هذه السنوات معزولًا أغلب فترات عقوبته داخل زنزانة انفرادية بسجن طرة عنبر الزراعة، يلتقي نجله وأفراد عائلته دقائق معدودة مرة كُل أسبوعين من وراء شباك زجاجي يمنعه من التواصل مع أفراد عائلاتهم بشكل مباشر.
بحلول عامه الثامن والثلاثين، خرج علاء من السجن، بعد قضائه فترة عقوبته كاملة، خمس سنوات، مستعيدًا وسط كُل ذلك مسيرة طويلة من النضال السياسي دفع ثمنها كثيرًا، ومعارك طويلة خاضها ابتداءً من فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مُبارك، وانتهاءً بحكم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، والمحطات الفارقة في حياته ومسيرته المهنية.
يرسم محمد الباقر، المحامي والباحث الحقوقي، صورة لعلاء من واقع معرفته التي تمتد لسنوات طويلة، ويقول في تصريحات لـ«ساسة بوست»: «علاء شخص نضالي جدًا، من عيلة مُختلفة تمامًا؛ بيقرر يدفع الثمن علشان التغيير وأحلامه؛ هو شحص مؤمن بمساحة معينة، يحكمه مبادئ وانحيازات، ونشأ في عائلة حتمت عليه هذه المسارات في النضال ضد كُل الأنظمة الباطشة؛ غير عابئ بتبعات ذلك عليه أو عائلته الصغيرة أو الكبيرة»، ويضيف الباقر: «علاء خارج من سجن في أسوأ خمس سنين عدت على مصر».

علاء عبد الفتاح.. ماذا فعلت ليالي السجن الطويلة في «التنين البمبي»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد