بعد خمس سنوات كاملة قضاها الناشط السياسي، والمُدون البارز علاء عبد الفتاح داخل محبسه، خرج علاء الشهير وسط عالم التدوين ومعارفه بـ«التنين البمبي» من زنزانته في سجن مزرعة طرة إلى حياة أخف وطأة من القيود والتحكمات التي عرفها خلال السنوات الخمس الماضية؛ يستأنس فيها بنجله خالد (ذي السنوات السبعة) وعائلته، باحثًا عما فقده في سنوات الغياب الطويلة، التي زادتها قسوة فقده لوالده المحامي الحقوقي الشهير، أحمد سيف، خلال فترة سجنه.

مع خروج علاء من محبسه تقفز أسئلة كثيرة حول ما فعلته سنوات السجن الطويلة في حياته، وما الذي تغير في حياة الشاب الذي بلغ عامه الثامن والثلاثين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مستعيدًا وسط كُل ذلك مسيرة طويلة من النضال السياسي دفع ثمنها كثيرًا، ومعارك طويلة خاضها ابتداءً من فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مُبارك، وانتهاءً بحكم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، والمحطات الفارقة في حياته ومسيرته المهنية.

وقائع معاناة علاء.. ذكريات مُخزّنة في عيون نجله

في العقد الأخير من حياة علاء عبد الفتاح مرت حياته بسلسلة هزائم مُتكررة، أفقدته كثيرًا من ثورته الدائمة، وروحه المتقدة التي لا تهدأ، في معاركه الدائمة مع السلطات. كانت المحطة الأولى لرحلة علاء الطويلة في الزنازين والمقار العسكرية في عام 2011، بعدما قررت النيابة العسكرية في مدينة نصر حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق على خلفية اتهامه بالتحريض والاشتراك في التعدي على أفراد القوات المسلحة، وإتلاف معدات تخص القوات المسلحة والتظاهر والتجمهر وتكدير الأمن والسلم العام في أحداث ماسبيرو.

كان الظرف السياسي آنذاك مواتيًا للسماح بخروج تظاهرات تضغط للإفراج عنه، وتدافع عن حقوقه بوصفه مواطنًا مدنيًا يستوجب التحقيق معه أمام محكمة مدنية وأمام قاضٍ طبيعي؛ لتستجيب السلطة المُمثلة في المجلس العسكري، وتبدأ نيابة أمن الدولة العليا سير التحقيقات معه برفض الالتماس الذي قُدم من أجل الإفراج عنه لحضور ولادة طفله الأول، ليبدو ذلك في نظر مُقربين منه عقابًا لعلاء على «صوته العالي»، وتكديرًا لاحتجاجه الدائم على المحاكمات العسكرية، وقادة الجيش آنذاك.

هذا الطفل هو خالد، نجل علاء، الذي ستمر عليه السنوات بعد ذلك بعيدًا عن والده، مضطرًا أن يشاهد أباه وسط حراسة مشددة كل أسبوعين؛ لتنعكس على حياته، كاسمه الذي اختاره له والداه تيمنًا بضحية التعذيب قبل ثورة 25 يناير؛ خالد سعيد، اختيارات والده السياسية.

كان آخر مشهد لحياة طبيعية قد يتذكرها خالد، حين كان في عمر العامين بمنزلهما، وهو محتضن والده، قبل أن تقتحم قوات الأمن منزله، وتكسر الباب، وتصادر حواسيب وتليفونات محمولة خاصة بعائلته: «خالد كان تعبان، ودخلت أنام، وعلاء أخده في حضنه وحاول ينيّمه في السرير، وده آخر مشهد شافه خالد، وصحى من النوم، ملقاش بابا في حضنه، والبيت زحمة، وناس كتير ميعرفهمش، وكان في حالة توتر، وهو حساس فبيلقط الأحاسيس، وحس إن فيه حاجة غلط». مثلما أدلت منال بهي الدين حسن، زوجة علاء عبد الفتاح، في مقابلة سابقة لصحيفة «المصري اليوم».

وفي فبراير (شباط) 2015 أصدرت محكمة حكمها على علاء بالسجن خمس سنوات بتهم التظاهر دون تصريح؛ ليقبع في السجن كُل هذه السنوات معزولًا أغلب فترات عقوبته داخل زنزانة انفرادية بسجن طرة عنبر الزراعة، يلتقي نجله وأفراد عائلته دقائق معدودة مرة كُل أسبوعين من وراء شباك زجاجي يمنعه من التواصل مع أفراد عائلاتهم بشكل مباشر.

في سنوات سجن علاء، كانت السلطة تنظر لسجنه المستمر باعتباره «شخصًا قليل الأدب لازم يتربي؛ ويبطل يشتم»، وفقًا لصديق مُقرب له، أضاف لـ«ساسة بوست»: «أكتر حاجة كانت تضايق السُلطة هي أن علاء بيفضل يشتم على «تويتر» أو «فيسبوك»؛ وكلموه أكتر من مرة في النقطة دي؛ علشان ميفضلش متذنب كده».

يبدو ذلك متسقًا بدرجة كبيرة مع كم الأخبار المنشور في صحف مملوكة لأجهزة أمنية تنظر لعلاء بوصفه «لسانه طويل وبيشتم، واحنا شعب مؤدب»، وأن تنظيم «قلة الأدب» هو الذي فجرّ ما يُعرف بثورة يناير من وجهة نظرهم.

«الانهيار الأخلاقي برعاية تنظيم المراهقين والنشطاء»، العنوان الذي يحمله التقرير السابق، والمنشور في صحيفة «اليوم السابع»، هو أحد تجليات نظرة السلطة لعبد الفتاح، إذ أشار كاتبه إلى أن «استمرار وسائل الإعلام استخدام لقب الثورى، أو لقب الناشط، قبل كل اسم من أسماء هؤلاء المتآمرين، يعد جريمة فى حق الوطن والمواطن الذى أصبح كارهًا لكل هؤلاء، خاصة كتيبة الشامتين في شهداء جيش مصر، من أمثال المراهق الفاشل علاء عبد الفتاح»، كما يقول التقرير.

الثورات تحقق أهدافها بعد 100 عام.. مقارنة بين ثورة يناير والثورة الفرنسية

بعد سنوات السجن.. ما الذي تغيّر في علاء عبد الفتاح؟

بعد خمس سنوات قضاها عبد الفتاح خلف قضبان السجن عقوبة للتظاهر دون تصريح في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«أحداث مجلس الشورى»، وقبلها أعوام إضافية تنقل فيها بين النيابات القضائية بشقيها العسكري والمدني في قضايا سياسية تباينت اتهاماتها، يعود عبد الفتاح إلى منزله، لكنه سيضطر إلى الحضور يوميًا لقسم الشرطة القريب من مسكنه طوال خمس سنوات أخرى قادمة، بموجب الحكم الصادر ضده.

لكن يبدو من واقع تتبع كتابات علاء خلال فترة سجنه، وشهادات أصدقائه، وانطباعات المُقربين منه، أن ثمة جديدًا في حياته وأفكاره طرأ عليه خلال هذه السنوات؛ ستجعله أكثر ميلًا للابتعاد عن السياسة، على الأقل خلال المرحلة المُقبلة، وهو ما تأكد من مُناشدات شقيقاته بـ«أن يتركوا علاء ياخد فرصة للتعافي واستيعاب كُل ما مر به».

«شوفت بوستات متفرقة لأصدقاء أو متضامنين فيها انتظار لعلاء محُمَّل بالتوقعات، كأن فيه دورًا لعلاء مرسوم في خيالهم، كأن فيه تصورًا أن علاء اللي دخل السجن في 2013، لازم يطلع زي ما هو من السجن في 2019، بنفس الطاقة والاستعداد للانخراط، ويطلع كمان يدينا جرعة أمل. مش بس دي حاجة ثقيلة وصعبة وغير عادلة، لكن كمان في رأيي ده خطأ كبير». كان هذا مضمون ما نشرته منى سيف، شقيقة علاء، قبل إطلاق سراحه بأيام معدودة، ونقلت من خلالها مناشدة للمُقربين منه، والنشطاء السياسيين، بعدم تعليق آمال عليه في دور مُحدد للنضال ضد سياسات الحكومة الحالية، علاوة على منشور آخر لشقيقته الصغرى سناء، والتي طالبت ألا يعول أحد على علاء أو ينتظر منه شيئًا لأن له ابنًا عاش خمس سنوات دون أبيه، علاوة على أن «كفاية على عيلتنا كده»، بحسب قولها.

الأمل انتُزع مني تمامًا. *علاء عبد الفتاح

ويمكن القول إن سنوات السجن الطويلة خلقت شعورًا لدى علاء بالملل من جدران زنزانته، وضيقًا واسعًا جراء الانخراط في الشأن السياسي دون أي مكاسب، وندمًا على تفويت فرصة السفر للخارج كي ينجو بها من هزائم جيله وآماله الذي كان أحد المُدافعين عنها في ثورة 2011.

في المرات السابقة التي سُجن فيها علاء، سواء قبل ثورة يناير أو بعدها، كان الواقع السياسي دافعًا ومحفزًا له للاستمرار في النضال، بعدما رأى مكاسب سياسية من تضحياته في النضال، أو من ترك عمله في جنوب أفريقيا والانتقال إلى مصر، يشرح ذلك علاء في مقابلة له من داخل محبسه قبل ثلاثة أعوام، ويقول: «ما فيش حاجة تستاهل الحبسة اللي أنا فيها؛ حبساتي اللي قبل كده كانت بتحرك ردود فعل تفيد معاركنا، ودي كانت قيمتها، النهارده الوضع اختلف، ده اللي كنت أقصده». وذلك قبل أن يأمل في سفر لمنطقة بعيدة؛ يبررها باحتياجه إلى «فترة مراجعة كاملة أفهم منها أنا عايز أعمل إيه في حياتي وشغلي».

مشهد آخر لعلاء داخل جدران زنزانته في ميله نحو النأي بنفسه عن الدخول في مناقشات سياسية حادة، والميل نحو قراءات في أعداد مجلات «Scientific American» ومجلة «weird»، وغيرها من المجلات التقنية والعلمية، فكما حكى صديقه، ورفيق زنزانته، الروائي المصري أحمد ناجي: «كنّا نقضي يومًا طويلًا في جدال حول مستقبل العمل اليدوي في عصر الطباعة الثلاثية، وأحيانًا أخرى حول كيف تمّ تشكيل مفهوم الشرف والصورة المتخيلة عن مصر كدولة قومية في القرن التاسع عشر».

هذه الصورة المُغايرة للصورة المعروفة لعلاء عبد الفتاح عند الكثيرين، والتي لم يعهدها الجميع عنه من قبل، قد يُعززها استمرار خضوعه لسنوات المراقبة لخمس سنوات مُقبلة، والتي بدأت أولى أيامها أمس بذهابه لقسم الشرطة في ساعات الليل الأولى منهيًا إياها مع أول ساعات الصباح وسط انتظار عائلته في الخارج، أملًا في أن يعود علاء إلى حياة طبيعية، بعيدًا عن السياسة والسجن اللذين غيراه كثيرًا.

حلم أقدم مما تتصور.. رحلة السيسي لقصر الحكم بدأت قبل 2011 وليس بعد مرسي

 

المصادر

تحميل المزيد