حين سُئل يونس بن حبيب، وكان من رواد اللغة والنحو في مدينة البصرة العراقية في القرن الثاني الهجري، عن أشعر شعراء العرب، رفض أن يحدد واحدًا بعينه، ولكنه حصر الاختيار بين أربعة عدَّهم الأفضل على مر الأزمان، وخص لكل واحد منهم لونًا من الشعر يمتاز به فذكر أن أشعر العرب هم «امرؤ القيس إذا ركب (أي إذا ركب فرسه للقتال ورحلات الصيد)، والنابغة إذا رهب (أي إذا خاف ونظم قصيدة معتذرًا)، وزهير إذا رغب (أي إنه أفضل ما يكون حين ينظم قصيدة في المدح)، والأعشى إذا طرب».

فمن هو ذلك الأعشى الذي عده ابن حبيب أفضل شعراء العرب إذا ما نظم شعره في طرب؟ والذي كان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان يأمر مؤدب أولاده بتعليمهم شعره، فكان يقول: «أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة»؟ تبحر السطور التالية في حياة واحد من أمهر الشعراء العرب، وتحكي بعض مواقفه التي تسلط الضوء على بعض جوانب الحياة في المجتمع العربي القديم.

«صنَّاجة» العرب.. الأعشى يحجز مكانته بين الكبار

هو ميمون بن قيس بن جندل، وقد نشأ وترعرع في قبيلة تعج بالشعراء، حتى إن حسان بن ثابت الذي اشتهر بلقب «شاعر الرسول» قد عدَّها أشعر قبائل العرب، ولكن كان في نسب الأعشى بعض نقاط الضعف، فقد كانت أمه من قبيلة خماعة، وهي قبيلة قليلة العدد والعدة، كما اشتهر أبوه بين العرب باسم «قتيل الجوع»، لأنه كما اشتهر عنه لجأ يومًا إلى غار يستظل به من الحر، فوقعت صخرة سدت باب الغار، فمات جوعًا، ولذلك، كان بعض خصومه يستغلون تلك الحادثة فيعيرونه بها، مثلما جاء في بيت هجاء قيل فيه:

أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل * وخالك عبد من جماعة راضع

كان يلقب بالأعشى لضعف بصره، والأعشى في اللغة العربية هو الذي لا يرى ليلًا، وكانوا يكنُّونه «أبا بصير» من باب التفاؤل، نشأ الأعشى شاعرًا موهوبًا، حتى أطلق عليه لقب «صنَّاجة العرب» لجودة شعره، وقيل لأنه كان يتغنى بشعره، والصنَّاجة هي آلة موسيقية كانت شائعة عند العرب في ذلك الوقت، وقد كثر استخدام لفظ «صناجة» في أشعار الأعشى في أكثر من قصيدة، وربما كان هذا أيضًا أحد أسباب اشتهاره بهذا اللقب.

برع الأعشى في فنون الشعر كافة، حتى عده العرب من أصحاب المعلقات، وهي قصائد قوية تجلت فيها الخصائص الشعرية، ونالت من الإعجاب ما جعلها تكتب بماء الذهب وتعلق على أستار الكعبة، وقد نظم الأعشى معلقته على البحر البسيط، وتكونت من 66 بيتًا، ينتهي كل بيت باللام المضمومة، يبدأ الأعشى معلقته بالغزل؛ إذ يذكر محبوبته هريرة بأبيات مطلعها: 

ودِّع هريرةَ إنَّ الركبَ مرتحلُ * وهلْ تُطيقُ وداعًا أيها الرجلُ؟

غَراءُ فَرعَاءُ مَصقولٌ عوارضُها * تَمشِي الهُوينا كما يَمشِي الوَجي الوَحِلُ

كَأن مِشْيتَهَا مِنْ بَيتِ جارتهَا * مر السحابةِ، لا ريثٌ ولا عجلُ

وقد كان الغرض الرئيسي للقصيدة هو الفخر بقومه من بني قيس، وهجاء أعدائهم من بني شيبان، والفخر بانتصار بني قيس على بني شيبان في يوم الحنو، انتصارًا لامرأة من بني قيس تدعى فطينة، يقول الأعشى في متن معلقته:

أبلغ يزيد بَني شيبان مألُكَةً * أَبا ثُبيتٍ أَما تنفكُ تأتكلُ

نحنُ الفوارسُ يومَ الحنو ضاحية * جنبيْ فطينة لا ميل ولا عزلُ 

وتتكرر المواضع التي يذكر فيها الأعشى اعتزازه بقومه، ويفخر بانتصارهم في المعارك المختلفة ضد الأعداء، ومن أشعاره التي خلدها التاريخ ما نظمه في «يوم ذي قار»، وهي المعركة التي انتصر فيها العرب على الفرس قبل الإسلام، بعدما حاول ملك الفرس إذلال العرب وقتل الملك النعمان بن المنذر، فوقفت لهم القبائل العربية بالمرصاد، وتوحدت ضد الجيوش الفارسية، فكان النصر حليف العرب.

وقد كان الأعشى أحد شهود هذه المعركة، وخلدها في قصيدة جاء منها:

لَمّا اِلتَقَينا كَشَفنا عَن جَماجِمِنا * لِيَعلَموا أَنَّنا بَكرٌ فَيَنصَرِفوا

وَجُندُ كِسرى غَداةَ الحِنوِ صَبَّحَهُم * مِنّا كَتائِبُ تُزجي المَوتَ فَاِنصَرَفوا

لَو أَنَّ كُلَّ مَعَدٍّ كانَ شارَكَنا * في يَومِ ذي قارَ ما أَخطاهُمُ الشَرَفُ  

«عصا الأعشى وجزرته».. العرب يطلبون مديحه ويخشون هجاءه

كان الأعشى بارعًا في شعر المدح كما برع في غيره من ألوان الشعر، وقيل إنه كان أول من تكسب بشعره، فاتخذ الشعر مهنة وبابًا للرزق، فكان يطوف على مجالس الملوك والسادة يمدحهم لينال بعضًا مما في أيديهم من الهدايا والأعطيات، ومن أمثلة ذلك ما قاله في مدح قيس بن معد يكرب أحد زعماء العرب في الجاهلية:  

 

فجئتك مرتاد ما خبروا * ولولا الذي خبروا لم ترن

فلا تحرمَنِّى نداك الجزيل * فإني امرؤ قبلكم لم أهن

ومنها ما قاله في مدح هوذة الحنفي ملك اليمامة:

إلى هوذة الوهاب أهديت مدحتي * أرجَّى نوالًا فاضلًا من عطائكا

سمعت برحب الباعِ والجودِ والندى * فأدليت دلوي فاستقت برشائكا

ولم يكن الأعشى يخجل من ذلك، بل كان يفخر في شعره أنه طاف كل البلاد شرقها وغربها، لأجل اكتساب الرزق وجمع المال:

وقد طفـت للمال آفاقه * عُمان فحمص فأوريشَلِم

أتيت النجاشي في أرضه * وأرض النبيط وأرض العجم

فنجران، فالسرو من حِمْيَرٍ * فأي مرامٍ له لم أُرِم

ولم يقتصر مدح الأعشى على الملوك والسادة، بل كان عامة الناس يقصدونه بالكرم والعطاء أملًا منهم في أن يمدحهم ببعض القصائد، فقد كان الأعشى واسع الشهرة، ما يلبث أن ينطق ببضعة أبيات حتى يطير ذكرها بين القبائل، ومن أشهر القصص على ذلك، قصته مع المحلق الكلابي الذي كان يعاني من تأخر سن بناته دون زواج، فاقترحت عليه زوجته أن يدعو الأعشى لينزل عندهم فأكرمه وأنعم عليه بالهدايا ونحر له ناقته، فخرج الأعشى من عنده سعيدًا وأنشد له قصيدة تغنى فيها بكرمه، وشبهه بأنه هو والندى (الكرم) أخوان في الرضاعة، فيقول:

لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ * إلى ضوءِ نارٍ في يفاع يحرقُ

تُشَبُّ لمقرورَيْن يصطليانها * وبات على النار الندى والمحلقُ

رضيعَي لبانٍ ثدي أمٍّ تحالفا * بأسحم داجٍ عوْضُ لا نتفرقُ

لكنه على الرغم من ذلك لم يكن شخصًا أليفًا وديعًا طيلة الوقت، بل كانت له أنياب يخشاها الجميع، فقد كان يتقن الهجاء كما يتقن المدح، فبقدر ما كان الناس يتقربون منه ليمدحهم، بقدر ما كانوا يتجنبونه لسلاطة لسانه، وقد كاد لسان الأعشى أن يورده المهالك أكثر من مرة، ومن المواقف الطريفة أنه هجا رجلًا من قبيلة كلب هجاء شديدًا ذاع بين الناس، وذات يوم أغار الكلبي على حي من أحياء العرب كان الأعشى ينزل فيه، فأسره من ضمن من أسر، وهو لا يعلم هويته.

وبينما الأعشى في أغلاله إذ أبصر شريح بن السموأل، وكان رجلًا يضرب به المثل في النخوة والوفاء، فاستغاث الأعشى به، فتدخل السموأل وطلب من الكلبي أن يطلق سراحه، ثم طلب الأعشى ناقة من شريح فر بها سريعًا، قبل أن يكتشف الكلبي الخدعة، ويحاول اللحاق بالأعشى ففشل في ذلك. 

كما يحكي أنه جاء الحيرة، فتحصل على قدر كبير من الأموال نظير مدحه بعض السادة، وبينما هو في الطريق خشي على ما في يده من المال من السلب والنهب، فحاول الاحتماء بعلقمة بن علاثة العامري (وكان حينها في منافسة شديدة مع ابن عمه عامر بن طفيل العامري أيهما أفضل من الآخر، وكان كل منهما يحاول أن يستميل من استطاع من الشعراء المعروفين لينصره على الآخر)، وسأله أن يحميه من الجن والإنس ومن الموت، فلم يعرف علقمة كيف يحميه من الموت، فذهب الأعشى إلى عامر بن الطفيل الذي وعده بأن يحميه من الموت بأن يدفع ديته لقومه إذا مات عنده، فأعجب الأعشى برده، ونصره على علقمة وهجا الأخير هجاء شديد:

علقمُ ما أنتَ إلى عامرٍ * الناقضِ الأوتارَ والواترِ

توعد علقمة الأعشى بالموت إن هو وقع في يده، وبالفعل تمكن من القبض عليه، لكن الأعشى بذكائه وبلاغته ولسانه الفصيح تمكن من تهدئة خاطر علقمة، ومدحه وطلب منه العفو والصفح، فأطلق علقمة سراحه رغم معارضة قومه، وقد كان يكفيه أن ينتشر بين العرب خبر عفوه عن الأعشى عند مقدرة، وأن تنتشر أبيات مدحه كما انتشرت قصائد هجائه: 

علقم يا خير بني عامر * للضَّيف والصاحب والزائر

الأعشى يحاول زيارة الرسول.. وقريش تمنعه

كان الأعشى قد شارف على التسعين، وبلغ من العمر أرذله، حين بلغه نبأ الدعوة الجديدة، فأراد أن يأتي الرسول محمدًا، وكان ذلك أثناء صلح الحديبية بين دولة المسلمين في المدينة وقريش في مكة، فلما بلغ زعماء قريش عزم الأعشى على الإسلام، قالوا فيما بينهم «هذا صناجة العرب، ما مدح أحدًا قط إلا رفع قدره»، وقد نظم الأعشى في مدح الرسول قصيدة جاء فيها:

وآليتُ لا أَرثي لها من كَلالةٍ * ولا مَن حَفَى حتى تَُلاقي مُحمَْدا

نبي يرى ما لا يَرَوَنْ وذِكرُه * أغار لعمري في البلاد وأنجدا

لَهُ صَدَقاتٌ ما تُغِبُّ وَنائِلٌ * وَلَيسَ عَطاءُ اليَومِ مانِعَهُ غَدا

خشيت قريش إذًا أن يلتحق الأعشى بمعسكر المسلمين لما له من تأثير وكلمة مسموعة بين العرب، فاعترضه زعماء قريش في الطريق، وحاول أبو سفيان أن يثنيه عن عزمه ويبين له كيف يمكن أن يؤثر الإسلام في طريقة حياته، ودار بينهما هذا الحوار بحسب سيرة ابن هشام.

أبو سفيان: «إن محمدًا يمنعك الزنا»

الأعشى: «لقد تركني الزنا وما تركته» (يعني أنه كبر في السن ولم يعد به حاجة إلى النساء)

أبو سفيان: «إن محمدًا يمنعك القمار»

الأعشى: «لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضًا من القمار» (يعني أنه يطمع أن ينعم عليه بما يعوضه عن أموال القمار)

أبو سفيان: «إذًا يمنعك الربا»

الأعشى: «ما دنت ولا أدنت» (يعني أنه لا يتعامل بالربا)

فأخبره أبو سفيان بأن الإسلام يحرم الخمر، وكان الأعشى عاكفًا على الشراب فتردد، وفكر في أن يرجع فيشرب ما عنده من الخمر أولًا، عندئذ حسم أبو سفيان تردده، فاتفق معه أبو سفيان على أن يجمع له مائة من الإبل، نظير أن يرجع هذه السنة، ثم يعود في العام القادم فيسلم إذا أراد، فوافق الأعشى، واخذ الإبل وعاد إلى بلده، لكن الموت لم يسعفه حتى العام القادم، فمات.

لا تزال ذكرى الأعشى حاضرة، وتحاول المملكة العربية السعودية تسليط الضوء عليه من خلال بعض الفعاليات الثقافية السنوية التي تحمل اسم «حياة الأعشى»، إذ أطلق اسمه على مدرسة في حي منفوحة بالرياض، وهو الموقع الذي عاش فيه الأعشى قبل نحو 15 قرنًا.

تاريخ

منذ شهر
«يوم ذي قار».. قصة المعركة التي هزم فيها العرب الفرس قبل الإسلام

المصادر

تحميل المزيد