تطورات متلاحقة حدثت خلال الأيام الماضية على جبهات الصراع في كل من سوريا والعراق، فيما يتعلق بجهود الحرب ضد «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش). وثمّة ثلاث جبهات رئيسة للصراع الآن، تتمثل الأولى في عمليات القوات الأمنية العراقية في مدينة الموصل، التي تعد المدينة الأكبر التي يُسيطر عليها «تنظيم الدولة»، بينما تتمثل الجبهة الثانية في التوغل التركي داخل الأراضي السورية كغطاء ودعم للجيش السوري الحر، بهدف محاربة التنظيم في مدينة الباب وما حولها. أمّا الجبهة الثالثة والأخيرة فتتمثل في المواجهات الكردية مع التنظيم، وتحركات الفصائل الكردية المسلحة تجاه مدينة الرقة، التي هي بمثابة عاصمة «تنظيم الدولة».

لكن هذه الصورة العامة للمعارك الثلاث التي يخوضها التنظيم على ثلاث جبهات مُختلفة، لا تعني على ما يبدو أنّ التنظيم على وشك الانهيار بالفعل، بقدر ما أنها لحظة من أصعب اللحظات التي يمر بها منذ تأسيسه. ومما يُغذي وجود التنظيم بعض الخلافات أو المعارك التي قد تندلع بين الأطراف المشاركة في الحرب ضد، وخاصة في سوريا.

وبالنظر إلى خريطة الوضع في سوريا والعراق، قد يُلاحظ وجود شبه حصار للتنظيم على المساحة الكبير التي يُسيطر عليها ما بين العراق وسوريا، فيما تتمثل القوى المُحاصِرَة في القوات العراقية والتركية والكردية والمعارضة السورية المسلحة.

بالإضافة إلى ذلك هناك الهجوم الجوي المتواصل من قبل طيران التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، ضد تنظيم الدولة على مواقعه في كل من العراق وسوريا.

سباق إلى الرقة

مناطق السيطرة في سوريا حتى يوم 12 فبراير (شباط) 2017

في الخريطة السابقة تظهر قوات «تنظيم الدولة» باللون الأسود، ويُلاحظ أن هناك استعدادات تتجه نحو حصار المقر الرئيس للتنظيم في الرقة، وهو الحصار الذي تتسابق إليه كل من القوات الكردية وعناصر المعارضة السورية المسلحة المدعومة من تركيا وبمشاركة قوات من الجيش التركي.

وقد لا يخفى على أحدٌ الصراع بين الأكراد في سوريا وبين تركيا، خاصة مع وصول المعركة داخل الأراضي التركية في صورة تفجيرات تستهدف قوات الأمن التركية. وكانت تركيا قد ذكرت في تصريحات حكومية رسمية أن الهدف الرئيس من التدخل التركي العسكري في الأراضي السورية هو «محاربة الإرهاب»، المتمثل بالنسبة إليها في «تنظيم الدولة» وحزب «العمال الكردستاني» (بي كاكا).

الخريطة القادمة توضح الوضع الحالي على الأرض بعد أن تمكنت قوات المعارضة السورية الدعومة من تركيا (اللون الأخضر) من فرض سيطرتها الفعلية على مدينة الباب بعد طرد عناصر تنظيم الدولة. الآن، هذه القوات لديها مهمة تالية ضرورية تتمثل في تطهير بعض القرى المحيطة من عناصر «تنظيم الدولة» (اللون الأسود) بعمق عدة كيلومترات، حتى تؤمن الباب بشكل كامل وتجعلها قاعدة جيدة للانطلاق لما هو قادم.

هذه الخطوة ستكون في غاية الأهمية، خاصة بعد التفجير الانتحاري لـ«تنظيم الدولة» بسيارة مفخخة شمال شرق مدينة الباب يوم الجمعة 24 فبراير (شباط)، والذي أسفر عن مقتل 42 شخصًا، معظمهم من مقاتلي الفصائل السورية المعارضة. هذا التفجير جاء في أعقاب إعلان فصائل المعارضة والقوات التركية السيطرة الكاملة على المدينة، وهو ما يعني وجود خلايا نائمة وجيوب لعناصر «تنظيم الدولة» لم يُسيطر عليها بالكامل حتى الآن، وهو ما يشكل شوكة في ظهر القوات التي تسعى للتقدم باتجاه الرقة.

منطقة الباب وما حولها بعد السيطرة التركية

والآن هناك احتمالان أمام القوات التركية إلى جانب المعارضة السورية، إما الاتجاه شرقًا إلى مدينة منبج والدخول في حرب مباشرة مع القوات الكردية المسلحة، ومن هناك تتجه إلى الرقة، أو أن تتجه جنوبًا للتوغل تدريجيًا في مناطق «تنظيم الدولة» وصولًا إلى الرقة.

الأكراد باللون الأصفر والقوات التركية باللون الأزرق ونظام الأسد باللون الأحمر والمعارضة السورية المسلحة باللون الأخضر

ويبدو أن الخيار الأول هو الأقرب للتحقيق، بعد حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقادة حكوميين آخرين عن خطط لنقل القوات التركية باتجاه مدينة منبج، التي تسيطر عليها حاليًا قوات تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تشمل المقاتلين الأكراد، وذلك في محاولة لإخراجهم من المنطقة. وقد اقترح القادة الأتراك أيضًا أن القوات التركية قد تشارك في عمليات لتحرير معقل «الدولة الإسلامية» في الرقة.

هذا ووصلت العملية العسكرية التركية في شمال سوريا والمعروفة باسم «درع الفرات»، إلى مشارف مدينة الباب، وهي مدينة صغيرة نسبيًا وليست بحجم الرقة أو الموصل، وذلك يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016؛ ما يعني أن عملية استعادة المدينة من «تنظيم الدولة» لم تكن سهلة. وتُشير تقارير إلى أنّه بعد سيطرة القوات التركية على 50% من المدينة، توصلت إلى اتفاق مع التنظيم يقضي بانسحاب عناصره من بقية المدينة.

نحو منبج

وفقًا لمحللين، كان الهدف الرئيس من عملية درع الفرات هو منع الأكراد السوريين من توصيل ثلاثة «كانتونات» لهم تتمثل في جزيرة وكوباني وعفرين، والتي تشكل معًا منطقة الإدارة الكردية الذاتية في شمال سوريا. ويتضح من الخريطة وجود كتلتين رئيستين تحت نفوذ الأكراد (اللون الأخضر)، إلا أن دخول القوات التركية (اللون البرتقالي) منع التواصل بين المنطقتين، وهو ما يعني عدم الاتصال الكامل لمناطق الحكم الذاتي الكردي، وبالتالي منع السيادة الكاملة للأكراد على كافة الشمال السوري حيث يطالبون بإقامة دولتهم.

اللون الأخضر هو مناطق السيطرة الكردية الحالية، واللون البرتقالي هو المناطق المتبقية ليكمل الأكراد منطقة حكمهم الذاتي

وقال فراس باشا، القائد التركماني للواء المنتصر بالله المدعوم من تركيا: إن الحملة التركية ستستهدف الآن القوات التي تقودها قوات سوريا الديمقراطية (SDF) التي تمكنت من تحرير منبج من قبضة داعش يوم 13 أغسطس (آب) 2016. وأضاف «لقد هزمنا إرهابيي داعش، والآن حان الوقت للإرهابيين الآخرين. ومنبج هي الجهة المقبلة»، على حد تعبيره.

وعلاوة على ذلك، اقترح باشا أنه القوات التركية ستهاجم القوات الكردية في منطقة عفرين في شمال غرب حلب. كما قالت صحيفة «صباح» التركية الموالية للحكومة أيضًا «إنه بعد الباب، فإن القوات التركية ستستهدف منبج وعفرين».

وكانت قوات سوريا الديموقراطية قد تعهدت سابقًا على مقاومة أي هجمات تركية على قواتها. فقد ذكر عدنان أبو المجد، قائد المجلس العسكري لقوات يوريا الديموقراطية في منبج، أن هذه التصرفات من قبل تركيا وحلفاؤها غير مسؤولة بشدة. وأضاف «لقد اخترنا المقاومة لمواجهة هذا العدوان من قبل تركيا وحلفائها المتمثلين في ألوية درع الفرات»، وهو ما ينذر بأزمة جديدة قد تؤثر على شكل الحرب في سوريا.

مثل هذه الهجمات التركية المحتملة على الأكراد ستجعل من الصعب على حكومة الولايات المتحدة إدارة العلاقات بينها وبين الحليفين الرئيسين للولايات المتحدة في سوريا: تركيا وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد (SDF). وحتى الآن، فقد رفضت الولايات المتحدة دعم الهجمات التركية على الأكراد، لكن ماذا لو بدأت تركيا الهجوم بالفعل؟

ومع هذا المأزق الأمريكي، تبدو هنا الفرصة سانحة لداعش كي تستغل هذا التأزم والمعركة المحتملة بين العدوين بالنسبة لها، كي تعيد تنظيم صفوفها أو شن الهجمات المؤلمة للجانبين أو حتى السيطرة على مناطق أخرى. كما أن هذا الأمر قد يعني تأخر معركة تحرير الرقة.

الحل الوحيد هنا ربما يكون ضغطًا أمريكيًا على القوات الكردية للانسحاب من منبج إلى شرق الفرات، وهو ما يعني تركيز كل من القوتين الرئيستين على معركة الرقة. والسؤال هنا، من من القوتين سيشارك في معركة تحرير الرقة، ومن سيقف متفرجًا؟

الحسم ليس سريعًا في الموصل

وبالانتقال إلى العراق، فقد حدثت عدة تطورات ميدانية ملفتة في الأيام القليلة الماضية، بعدما أعلنت الحكومة العراقية السيطرة الكاملة على مطار الموصل ودخول قواتها أول أحياء الجهة الغربية من المدينة.

هذه التطورات ليست كبيرة كما يظن البعض، فمطار الموصل يوجد في أقصى جنوب المدينة بعيدًا عن المناطق الرئيسة للتجمعات السكانية، حيث يمكن أن تدور حرب شوارع عنيفة، وحيث التجمع الكبير والرئيس لقوات داعش. هذا بالإضافة إلى أن حي المأمون هو حي صغير يقع في أقصى الطرف الجنوبي الغربي للمدينة، وهو ما يعني أن المعارك الأساسية لم تبدأ بعد هناك.

هذا الأمر أكدته صحيفة ليبراسيون الفرنسية، التي ذكرت أنه بعد سيطرة القوات العراقية على المطار وقاعدة الغزلاني (جتوب غرب الموصل)، فإنها أصبحت في وضع ملائم الآن لشن خجوم على الأحياء الغربية للمدينة (وهو ما بدأ بالفعل في حي المأمون)، لكن سيكون على وحدة مكافحة الإرهاب العراقية فعل ذلك الأمر، وهي القوات التي سيطرت على قاعدة الغزلاني.

وذكرت الصحيفة أن هذه الوحدة مدربة ومجهزة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها عانت الأمرين عندما شنت الهجوم على القسم الشرقي من المدينة؛ حتى تمكنت من السيطرة عليه منذ ثلاثة أسابيع، بعدما استمر القتال لمدة ثلاثة أشهر كاملة، وقع خلالها ثلاثة آلاف شخص من أفراد الوحدة بين قتيل ومصاب نتيجة تفجير داعش السيارات المفخخة وانتشار قناصته.

من هنا، ترى ليبراسيون أن تحرير غرب الموصل سيكون أكثر صعوبة بشكل واضح من تحرير شرقها، إذ إن الجانب الغربي أكثر كثافة سكانية (750 ألف نسمة طبقًا لتقديرات الأمم المتحدة نصفهم من الأطفال). كما يتميز غرب المدينة بأنه الجانب الأقدم من المدينة، والذي يحتوي على شوارع ضيقة يصعب على المدرعات السير فيها، وبالتالي ستكون حرب الشوارع هناك أقوى وأشد.

وكالة أنباء الأناضول بدورها أشارت إلى الترسانة السرية لداعش، كسبب رئيس من أسباب صمود التنظيم لعدة أشهر في المدينة حتى الآن. وذكرت الوكالة نقلًا عن منظمة العفو الدولية، أن «ترسانة التنظيم العسكرية مذهلة بالفعل»، على الأقل وفق ما تمكّنت من رصده على الأرض، دون اعتبار الكميات من السلاح التي ربما يكون التنظيم حصل عليها، إما عن طريق شبكات التزويد غير القانونية، أو عبر تطويره وتصنيعه الذاتي.

وقالت «إن التنظيم أسّس لنفسه مخزونا هائلًا من الأسلحة التي نهبها من مخازن الجيش العراقي عقب سقوط الموصل، والعديد من المدن العراقية الأخرى، إضافة لسيطرته على قواعد الجيش والشرطة في عدة مدن مثل الفلوجة والرمادي والصقلاوية وتكريت، وفي سوريا أيضًا».

وظهرت ملامح هذا الاحتياطي الحربي الضخم بوضوح أثناء الهجوم الذي شنته القوات العراقية، في مايو (أيار) 2015، لاستعادة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، حين اصطدمت بأكثر من 100 مدرعة قتالية، بينها دبابات من نوع «أبرامز» الأمريكية. ويمتلك التنظيم أيضًا أسلحة متطورة، بينها أنظمة الدفاع المضادة للطيران (صواريخ أرض – جو قصيرة المدى من نوع «SATCP»)، وصواريخ موجهة مضادة للدبابات، ومدرعات قتالية، إلى جانب بنادق هجومية من نوع «أي كي» الروسية، و«أم 16»، وبوشماستر الأمريكية، و«فال» وغيرها من الأسلحة الآلية المصنعة من قبل إحدى اشركات البلجيكية.

وإلى جانب السلاح المنهوب، أسس التنظيم لنفسه صناعة حربية، لضمان استمرارية تزويد مقاتليه في المعارك. واعتبر الواء الركن المتقاعد، العراقي عبد الكريم خلف، مستشار المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب، أن ملف تصنيع الأسلحة والذخائر بلغ أشواطًا متقدمة لدى التنظيم، حتى أن الأخير يقوم حاليًا بتصنيع قنابل الهاون بعيارات مختلفة وأوزان دقيقة، إضافة إلى مدافع ثقيلة يطلق عليها اسم «مدافع جهنم».

خلف، أضاف في حديثه للأناضول، أن «داعش يصنع أيضا القنابل اليدوية والمواد المتفجرة، والأخيرة يستخدمها لحشو الألغام والعبوات الناسفة بمختلف العيارات والأشكال». دقة عالية في الأوزان وطريقة تصنيع المقذوف دقيقة جدًا لفتت انتباه الخبير؛ كونها تدل على وجود خبراء «على مستوى تقني عال، وعال جدًا»، على حد وصفه.

رعب في الموصل

الصحف العالمية ألقت الضوء على أمر في غاية الأهمية يتعلق بالهجمات الانتحارية التي يشنها تنظيم داعش في المناطق التي استعادتها القوات الحكومية، مثل الهجوم الانتحاري الذي استهدف مطعم «سيدتي الجميلة»، أحد أكثر المطاعم شهرة في مناطق شرق الموصل، وهو ليس الهجوم الأول من نوعه.

ففي ديسمبر (كانون الأول) 2016، انفجرت ثلاث سيارات مفخخة؛ مما أسفر عن مقتل 23 مدنيًّا في منطقة جوجالي المزدحمة. ويستهدف أعضاء داعش المتمركزين في غرب المدينة الجانب الآخر الواقع شرق نهر دجلة بقذائف الهاون والطائرات بدون طيار التي تسقط قنابل يدوية على المدنيين، وحتى المدارس التي أعيد فتحها.

ووفقًا لتقرير نشره موقع «ذا دايلي بيست» الأمريكي، تثير هذه الهجمات تساؤلات بشأن السيطرة الكاملة على الموصل، حتى لو تمكن الهجوم الحالي الذي تقوم به القوات العراقية بدعم غربي، من طرد مقاتلي التنظيم من الجانب الغربي لنهر دجلة.

كانت عمليات القتال قد توقفت في الضفة الشرقية في يناير (كانون الثاني) 2017، بعد تطهير القوات الخاصة العراقية الجانب الشرقي من المتمردين، بعد أربعة أشهر من القتال. ولكن كما تظهر التفجيرات، لم يكن الجيش قادرًا على القضاء على التهديد الجهادي، والذي يتجسد الآن في خلايا تنظيم داعش النائمة، بحسب ما ذكر التقرير.

فبالنسبة لقوة الشرطة في المدينة، فإن مهمة توفير الأمن لسكان المدينة هو مهمة شاقة. ويعود ذلك جزئيًّا إلى أن تنظيم داعش قام بعمليات تجنيد واسعة خلال حكمه الذي امتد عامين ونصف للمدينة.

«هناك الكثير من الخلايا في الموصل الآن أكثر مما كانت عليه قبل الاحتلال. عندما رأى الناس هنا سقوط الكثير من الأراضي في يد داعش، ظنوا أن الحكومة لن تسيطر أبدًا مرة أخرى، والتحقوا بتنظيم داعش»، هكذا ينقل التقرير عن العقيد هشام محمود من جهاز الأمن الوطني.

عرض التعليقات
تحميل المزيد