“أستطيع أن أسمع الكتب تضجّ صراخـًا بصناديقها”.

هل من الممكن أن تكون مواطنًا عالميًّا من خلال امتهان القراءة؟ حسنًا بالإمكان ذلك عندما يأتي الحديث عن ألبيرتو مانغويل.
ألبيرتو مواطنٌ عالمي، رغم أنه ولد في الأرجنتين لأبوين مختلفي الُهويّة، عائلة إحدى أبويها أصله يرجع إلى روسيا.

مانغويل متبحّرٌ عظيمٌ في عالم الكتب والقرّاء، مثلُ أيِّ مثقّفٍ في العالم اليوم. بعد أن عمل بصحبة ناشرٍ غادر الأرجنتين قبل سيطرة النفوذ العسكري في السبعينيّات. عاش في أوروبا وتاهيتي، ثم انتقل إلى كندا في عام 1982.

عمِلَ جامعُ الكتب النهم خلال عطلات الدراسة في محلٍ لبيع الكتب. ترك مانغويل الجامعة قبل أن ينال شهادته وغادر الأرجنيتن في العام 1969 في سن الواحدة والعشرين. وجد وظائف في دور نشرٍ في كلٍ من باريس ولندن. بدأ بكتابة مقالات وقصصٍ قصيرة. ما كاد ألبيرتو يغادر الأرجنتين حتى أفضت سياسات بلده إلى بلبلة انتهت بانقلاب عسكريّ في 1976 جالبة للحُكْم أكثر حكومة وحشيةٍ على الإطلاق. أثناء ذلك بقي مانغويل خارج الأرجنيتن يقضي وقته بين تاهيتي، إنجلترا، تاهيتي مرة أخرى قبل أن يستقر في كندا حيث عاش من العام 1987 حتى 2000.

في كَونِ ألبيرتو مانغويل القصصي؛ ثمارُ المخيّلة تغذّي قدرتنا على أن نعرف، أن ننمو وأن نفهم. أثنى على ريتشارد دوكنز حين تحدّث عن المخيلة وقال إنها:” طريقٌ حيث يعزز الحيوانُ البشريّ احتماليّات الوعي بالذّات والوعي بالعالم كي يحمي تلك “الجينة الأنانيّة”. أعتقد أنه قد اكتشف حقيقةً هامةً للغاية.

Jorge Luis Borges

بورخيس، صانع المتاهة

 

من خلال تلك الوظيفة في الصِّغر؛ صار واحدًا من الحواريّيّن الذين قرأوا القصص على صانع المتاهة الأعمى المُعتَرَفِ به ليس فقط ككاتبٍ الأرجنتين الأعظم، ولكن قارئها الأعظم: خورخي لويس بورخيس.

“يومًا ما بعد أن تناولتُ بعض العناوين، سألني إن كان لديّ شيءٌ آخر لأفعله؛ إذا ما كنت لأذهب إليه لأقرأ عليه في المساء؛ حيث إن والدته الآن في تسعينيّاتها وصارت تتعب من ذلك بسهولة. كان بورخيس لِيطلب ذلك من أيِّ أحد؛ الطّلّاب، الصُّحافيّيّن الذين أتوا ليجروا معه المقابلات، ومن كُتّابٍ آخرين. كنتُ بالسادسة عشرة. قبلتُ. ثلاث أو أربع مرّات بالأسبوع كنتُ أذهب لزيارته في الشَّقّة الصغيرة التي شاركها مع والدته ومع فاني: الخادمة”.

قرأ مانغويل كتبًا كثيرة على بورخيس، دام ذلك لأربعة أعوام، تحدّث عن تلك التجربة في كتابٍ منشور له مع بورخيس.
(تُرْجِم للعربيّة عن دار السّاقي )

“كان امتيازًا استثنائيًّا أن تستمع لما يدور بعقل واحدٍ من أعظم القرّاء العِظام. أُصيبَ بورخيس بالعمي في أوائل الخمسيّنيّاتِ من عمره، خطط للعودة لكتابة القصة. كان يعلّق على تقنيّات القصّ، يجب أن تتعلم أن تقرأ بطريقتك. قد يبدو ذلك وقحًا، لكن في حالة بورخيس، كان افتتانًا يجاور وصف الحماسة والاحتشام المحقق بشأن القصص الجنسيّة؛ كان يفضّل النّزعة العاطفيّة على الأيروتيكيّة”.

 المكتبة في الليل

في كتابه المكتبة في الليل؛ يتحدّث عن متعة الغوص في مجرّة جوتينبيرج الحِبريّة من خلال أوراق الكتب. هل تخلّص مانغويل يومًا ما من أحد كُتُبه؟ “لا لكن واحد فقط، نال شرف الطّرد من المكتبة”؛ لأني كنت أشعر أنه يُمرِض مكتبتي “لكن ماذا لو أن كارثة حلّت بمانغويل وأجبرته على أن ينجو بمجلّدٍ فقط من حريقٍ أو طوفان؟” سوف أغلق عيني وأمد ذراعيَّ بجانبي وآخذ أيّ كتاب نجا لأغوص فيه.

يتحدّث مانغويل عن ذكرياته كدودة كتبٍ مراهق:

” كان لدي مكتبة من حوالَي ألف كتابٍ في حجرتي في بوينس آيرس، لم يكن لدي شعورٌ بأن كل ُ شيءٍ مرتّب بشكلٍ صحيح، من الممكن أن تفكّر أني كنت بحاجة لعلاج نفسيّ، ولكن، كانت هناك أوقاتٌ لم أكن لأشتري كتابًا ؛ لأني أعلم أن لن يناسب أحد التصنيفات التي قمت بتقسيم المكتبة إليها”.

Alice in Wonderland with the Cheshire Cat

روايته المفضّلة: أليس في بلاد العجائب

قراءات الطّفولة دائمًا ما يكون لها الأثر الأكبر علينا خصوصًا وأنها تحمل ذكريات؛ رواية مانغويل الأثيرة هي: أليس في بلاد العجائب، يتحدّث عنها في كتابه في غابة المرآة حيث يقول:

“عندما كان عمري ثمانية أو تسعة أعوام، قدّم أحدهم إليّ “أليس في بلاد العجائب” وكما هو الحال مع كثير من قراءاتي الأخرى فقد شعرت دائمًا أن الطبعة التي قرأت فيها للمرّة الأولى هي الطبعة الأصلية. كان هناك أشياء كثيرة لم أفهمها، لدى قراءتي الأولى لـ”أليس” ولكن ذلك لم يكن يبدو ذا أهمّية. وإذا لم تخنّي الذاكرة، كان انطباعي الأول هو أن الرحلة حقيقيّة. وأنني شخصيّا كنت رفيق السفر مع أليس المسكينة. فوقوعها في جحر الأرنب واجتيازها للمرآة ما كانا سوي نقطة الانطلاق.
إن الكتاب يصبح كتابًا آخر في كل مرّةٍ نعيد فيها قراءته. فأليس الأولى من أيام الطفولة كانت تعني لي رحلة، مثل الأوديسة أو بونوكيو. ثم جاءت بعد ذلك أليس المراهِقة فعلمتُ حقّ العلم ما عانت منه عندما قدّم إليها أرنب مارس خمرًا علمًا بأن المائدة لم يكن عليها خمر. “

“مثلُ أيِّ أحدٍ ؛ دائمًا ما عشتُ في أماكن صغيرة. لكن الآن بعدما غادر أولادي وتركوا البيت، ظننت أني قد أستطيع أن أنهم في حيازة مكتبة”.

كمواطنٍ عالميّ ؛ جاب ألبيرتو العالم، قام بزيارة في نوفمبر في العام 2013 للملكة العربية السعودية، ضمن مبادرة شركة أرامكو السعودية لإثراء الشباب ضمن سلسلة فعاليات مبتكرة تحتفي بالقراءة وتنمي الشغف لعالم الكتب وألقي خطابًا ذا شجون في مديح القراءة:

 

 

 

عندما سُئِلَ عن مدى تأثّره ببورخيس وماذا قد ترك من أثر في أحد جوانب نفسه:

“كلُّ شيء،كلُ شيء. بورخيس كان نموذجًا عملاقًا. أثّر بكلِ شيءٍ أتى قبله أو أتى بعده. ببساطة لأنه كان ينصّب نفسه ككاتب ليس أقلّا من كونه كاتب نوعٍ خاص من الكتب، ولكن بدرجة أعلى لكونها صورة لإبصار العالَم. صعبٌ جدًّا بالنسبة لي أن أقرأ شيئًا دون أن أسمع أصداءه؛ كيف كان بورخيس لِيقرأها أو كيف كان لِيراها. لكوني قد قابلته في سنٍ مُبكّرة؛ لما علّمني إيّاه عن فِعلِ القراءة وكم هي ذاتُ قوّة. كيف أن قراءتنا تُغيّرُ النّصوص، وكيف أنا نصنع الكُتُب التي نقرأها وهكذا. كل هذه الأشياء قد بقيت معي. لذا عندما تجد أن هذه الأفكار لم تكن بالأصالة، ولكن هو الوحيد الذي قد أسس لها، عندما تجدها تعاود الظّهورَ مرّات ومرّات في كُتُبٍ تقرأها كُتِبَتْ بعد بورخيس أو قبله. إنه صوته، هناك، وذلك من الصّعب أن يتكرر”.

عائلة والد مانغويل كانت من يهود الألمان الذي استقرّوا في بوينس آيرس. عائلة أمهِ كانت من يهود روسيا الذين نزحوا لواحدةٍ من المستوطنات الرّيفيّة. عندما سُئِل مانغويل ماذا عنَتْ اليهوديّة لوالديه أجاب: “لا شيء”.
لا شيء!
“لا شيء مطلقًا. حقيقةً لم أكتشف بعد أن عِشتُ بإسرائيل سبع سنوات لم أكتشف أني كنتُ يهوديًّا إلي قرب العاشرة من العمر. ” برغم أن والده كان سفيرًا في دولة إسرائيل احتفلت العائلة بالعطلات المسيحيّة. مُربّيتَه اليهوديّة لم تكن تريده أن يتحدّث عن اليهوديّة. ” كان لديها صديقة كان لها عددٌ من الوشوم بذراعها. وأتذكّر كل مرةٍ كُنّا نلقاها كانت تقولُ لي: “رغم هذا أنت لا تلقي أسئلة بخصوص الـ تّاتّو!” عندما عُدنا إلى الأرجنتين، جدتي لأمي كانت تذهب للكنيسة، وأتذكّر الشموع المباركة وكلَّ تلك الأشياء. لكن لم أكن أعرف ماذا كانت. كنت أعتقد فقط أنه شيئًا تفعله وحسب”.

المواطن العالمي، يري أن الأدب أو الكتابة الجيّدة أو الفن الجيد بالعموم ليس من المسموح أن يكون ذا عقيدةٍ سياسيّة أو دينيّة. لأن الأدب منافٍ تمامًا للعقائديّة. تناول في بعض كتاباته تجربة ماريو فارغاس يوسا السّياسيّة وأثرها السيّء عليه. ويشيد بيوسّا ككاتب جيّد لكنه قد لوّث نفسه بالسّياسة.

 

برغم ذلك، يتحدّث مانغويل عن أدب يوسّا بإنصاف في كتابه في غابة المرآة – ترجمَت للعربية عن دار كنعان -:” في سبتمبر 1963، نُشرت رواية موجزة بعنوان:” المدينة والكلاب ” لكاتب شاب من البيرو غير مشهور واسمه: ماريو فارغاس يوسّا، وصلت الرواية إلينا في بوينس آيرس قبل نهاية الفصل الدراسي. كان أستاذي للإسبانيّة في المدرسة يقول في الجلسات الخاصة بأنها أثرٌ خالد، وأنه لا يجوز أن توضع ضمن برنامج صفٍّ من المراهقين الملتهبين: ففيها مزيدٌ من العنف المتمرّد مزيدٌ من تناول السّلطة بالنّقد. لم يسبق أبدًا وجود ما يشبه هذا الأمر في الأدب الروائي بالإسبانيّة. إنها تنديدٌ شرسٌ بالنظام العسكري في البيرو. “ويضيف: “بعد سنوات من ذلك التاريخ في 1989، ها هو فارغاس يوسّا يسأل:

 

” ما الفرق بين الأدب الروائي ومقالة في صحيفة أو كتاب في التاريخ؟ أليست جميعها مؤلّفة من كلمات؟ ألا تحبس الزمن المصطنع للقصة ذلك السّيل الجارف المنفلت. سيل الزمن الواقعي؟ وجوابي هو أننا حيال منظومات متعارضة غايتها الاقتراب من الحقيقة الواقعية. أمّا الرواية فتتمرّد وتخترق الحياة، بينما الأجناس الأخرى لا تستطيع إلا أن تكون متسعبدة لها”.

عندما صعد ماريو يوسّا المنصّة ليلقي خطاب نوبل ألقي خطابًا في مديح القراءة والخيال:

“تعلمتُ القراءة وأنا في الخامسة، في فصل الأخ خوستينيانو بمدرسة لا سايي بكوتشابامبا ببوليفيا. كان هذا أهم حدث في حياتي. وبعد سبعين عامًا أتذكر بوضوح كيف أثرى حياتي هذا السحر: ترجمة كلمات الكتب إلى صور، كاسرًا حواجز الزمن والمكان وسامحًا لي أن أسافر مع القبطان نيمو في رحلة بحرية تصل إلى عشرين ألف فرسخ، وأن أحارب مع دي أرتجنان وأثوس وبورتوس وأراميس ضد المؤامرات التي تهدد الملكة في زمن ريتشيلو الباذخ، أو الزحف في كوامن باريس، متحولاً إلى جين فالين، بجسد ماريو الدائخ على عاتقه.
كانت القراءة تحول الحلم إلى حياة والحياة إلى حلم وتضع عالم الأدب في متناول يد الرجل الصغير الذي كنته. حكت لي أمي أن أول الأشياء التي كتبتها كانت استكمالاً لقصص قد قرأتها، فكان من المحزن لي أن تنتهي الحكايات أو كنت أود أن أمنحها أنا نهاية تروق لي، وربما كان ذلك ما أفعله طيلة حياتي دون أن أدري: أطيل الحكايات التي ملأت طفولتي بالمجد والمغامرة، بينما كنت أكبر وأنضج وأشيخ.
كنت أتمني أن تكون أمي الآن هنا، هي التي كانت تنفعل وتبكي كلما قرأت قصائد لأمادو نيربو وبابلو نيرودا. كنت أتمني كذلك وجود جدي بِدرو، صاحب الأنف الكبيرة والصلعة اللامعة، هو من كان يحتفي بأبيات شعري، وكذلك خالي لوتشو الذي كثيرًا ما شجعني لأتفرغ قلبًا وقالبًا للكتابة مع أن الأدب، في ذاك الزمن والمكان، لم يكن يطعم زارعيه. أناس مثل هؤلاء، كانوا بجانبي طيلة حياتي، يحبونني ويمتدحونني، وينقلون لي عدوى إيمانهم كلما ارتبتُ. وبفضل هؤلاء، وبفضل عنادي وشيء من الحظ بلا شك، استطعت أن أكرس جزءًا من وقتي لهذا الوله، لهذه العادة، لهذه العجيبة، التي هي الكتابة، خلق حياة موازية حيث نحتمي من العداوة، وحيث يصير طبيعيًا ما هو غريب وغريبًا ما هو طبيعي، حيث تنتظم الفوضى ويتجمّل القبح، وحيث تتخلد اللحظة ويصير الموت حدثـًا عابرًا”.

يسترجع ألبيرتو حديثه عن القراءة:

“دائمًا ما كانت القراءة لي نوعًا من التطبيق العمليّ لرسم الخرائط. مثل قرّاءٍ آخرين؛ لديّ إيمانٌ مُطْلَق في قدرة القراءة على رسم خريطةٍ لعالمي. أعلم أنه في صفحة ما على رفوف مكتبتي، محدّقة بي الآن نحو الأسفل: هل السؤال الذي أتدافع معه قد صِيغَ منذ زمنٍ بعيد من قِبَلِ شخصٍ لم يعلم بوجودي. العلاقة بين القارئ والكتاب هي تلك التي تزيل حواجز الزمان والمكان وتتيح لما أسماه فرانثيسكو دي كيفيدو في القرن السادس عشر: محاورات مع الموتى. في تلك المحاورات أنا مفضوح؛ إنها تصوغني وتعيرني قوّةً سحريّة لا ريبَ فيها.

فقط بعض قرونٍ قليلةٍ من اختراع الكتابة، منذُ حوالَيْ ستّة آلافِ عام، في ركنٍ منسيٍّ في بلاد الرّافدين، القلّة القليلة التي امتلكت المقدرة على فكّ شِفرة رموز الكلمات المكتوبة قد عُرِفَت بالنُّسّاخ، وليس بالقرّاء. قوّة القراءة أنتجت جميع أنواع المخاوف في مجتمعاتهم لامتلاكهم حرفة استعادة رسائل من الماضي إلي الحياة الحالية؛ بسبب خلق فضاءات سرّية حيث لا أحد آخر يسطيع الولوج حيثما توجد القراءة؛ لكونهم قادرين على إعادة تعريف العالَم والمقاومة ضد الظلم؛ كلُّ ذلكَ بواسطة صفحة ما من شأنِ تلكَ المعجزات نحن مؤهّلون- نحن القرّاء- تلك من الممكن أن تساعد في انتشالنا من الحقارة والحُمْق الذي غالبًا ما يبدو أننا موصومون به.

حتى الآن التفاهةُ مُغرية. لِنصرف أنفسنا عن القراءة؛ نبتكر استراتيجيّاتٍ للإلهاء تمسخنا إلى مُستهلِكين نهمين حيثُ الحداثة لا الأصالة جوهريّة. نجني مطمعًا ماليًّا تافهًا بينما نجرّد الفِعل العقليّ من مكانته. نستبدل بالتّصوّرات الأخلاقيّة والجماليّة قِيَمًا ماديّة محضة، ونقترحُ للهو الذي يوفّر إشباعًا عاجلاً، ووهم الدردشة العالميّة بدلاً من التحدّي السّار والقراءة المتأنيّة المؤنسة. ننبذ الصحافة المكتوبة إلى الشاشة الإلكترونيّة، ونستبدل بالمكتبات الورقية الراسخة في الزمان والمكان بمواقع لا نهائيّة. مثلُ تلك التناقضات ليست بجديدة.”

 مانغويل

تناسي مانغويل يهوديّته بطريقة أرجنتينيّة خاصّة أغلب الكتّاب العظام اليهود كانوا بمنأى عن الممارسات الدينيّة اليهوديّة أو على جفاء معها لكنهم كانوا يتمتّعون بانتمائهم العِرقيّ الذي يعتزّون به ويستغلّونه. بعض الكتّاب اليهود يتبرأون من اليهوديّة الحاليّة مثل: فيليب روث. لا مبالاة مانغويل بيهوديّته هي شيءٌ آخر. إنها شأن أديب أرجنتينيّ حيث كونه غير أرجنتينيّ مثل كونه غيرُ يهوديّ؛ ممارسةً وأداءً مدي الحياة.

وبعدُ، إن كان هناك من نصيحة يُهدينا إيّاها ذلك المتوحّد في كونه، يقتبس في كتابه البديع تاريخ القراءة عن كافكا حيث يقول:

“كتب كافكا عام 1904 إلى صديقه أوسكار بولاك: “أنا أظن أنه على المرء ألّا يقرأ إلا تلك الكتب التي تعضّه وتخضه. وإذا كان الكتاب الذي قرأه لا يوقظنا بخبطةٍ على جمجمتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذًا؟ كي يجعلنا سعداء كما كتبتَ؟ يا إلهي، كنا سنصبح سعداء حتى لو لم تكن عندنا كتب، والكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة إليّها أن نكتبها. إننا نحتاج إلى الكتب التي تنزل عليّنا كالبليّة التي تؤلمنا، كموت مَن نحبّه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر كأننا قد طُرِدنا إلى الغابات بعيدًا عن الناس، مثل الانتحار، على الكتاب أن يكون كالفأس التي تهشّم البحر المتجمّد في داخلنا. هذا ما أظنه”.

حيث الأدب كما الموسيقي؛ لغة عالميّة ؛هل علمت الآن كيف يمكن أن تكون مواطنًا عالميًّا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد