في إطار كوميدي، وبلهجة حلبية، وبأدوار تمثيلية أداها أطفال، جاء المسلسل الأول ليروي العطش لدراما سورية تظهر الواقع الحقيقي بعد الثورة السورية، فكان مسلسل «أم عبدو الحلبية»، الذي بدأ في صورة حلقات على موقع يوتيوب، لا تتجاوز الحلقة الواحدة 10 دقائق طرحت قضايا كبرى.

الممثلون الصغار أبدعوا في زي الكبار وحركاتهم وأدوارهم، حتى إن الجزء الثاني من المسلسل سارعت العديد من القنوات الفضائية لعرضه، إذ ظهرت البيئة الحلبية تحت سيطرة المعارضة السورية في شكل درامي غير مسبوق، تناول قضايا شكلت مجمل الحياة في مدينة حلب التي تُدك ليل نهار بأسلحة النظام السوري وحلفائه.

الكبار يجندون مواهب الصغار الفنية في مسلسل «أم عبدو الحلبية»

أول مسلسل صوّر في سوريا المعارضة لنظام الأسد، وتحديدًا في حلب التي يُسميها البعض «عاصمة الثوار»، وقف أطفال حالهم كحال أي طفل سوري، تتراوح أعمارهم بين ثمانية أعوام و13 عامًا، لأداء أدوار البطولة أمام الكاميرات. عملت في ظروف صعبة للغاية. كان أبرز هؤلاء، الطفل قصي عبطيني، والطفلة رشا، اللذيْن عبّرا ببراءة عن الأمل بداخلهم.

المسلسل الذي عُرض الجزء الأول منه على موقع يوتيوب، فيما تهافتت القنوات الفضائية على شراء الجزء الثاني، يُقدّم بيئة حلب ومشاكلها تحت القصف والحصار، بأسلوب الحكاية الدرامية وبأسلوب كوميدي، عبر شخصيات كبيرة سنًّا، يؤديها أطفال بحنكة وتخطيط مجموعة من الهواة السوريين، الذين يمتلكون طاقات فنية كبيرة، إذ استمدوا أفكارهم من الواقع اليومي الذي يعيشونه، وأضافوا الصيغة الدرامية بإمكاناتهم المحدودة.

تقول بطلة المسلسل، الطفلة رشا، في إجابة لسؤال عن حلمها في أحد مشاهد العمل الفني: «حلمي أن نثأر لأولادنا الذين ضحوا بزهرة شبابهم، وأن ننتصر على الظالم. حلمي أن يتوقف القصف والدمار والخراب، وأن يخلصنا الله من الطاغية ومن شبيحته. حلمي أن أقف في وسط ساحة سعد الله الجابري، وأزغرد سعيدة لسقوط هذا الفرعون. يخرب دياره!». قالت ذلك وهي تسير وسط دمار حقيقي داخل مدينة حلب خلفته آلة الحرب الدائرة هناك.

خلال الاستعداد لتصوير أحد مشاهد المسلسل

من جانبه، يقول مخرج المسلسل بشار أبو هادي، إن «الفكاهة هي الأقرب إلى قلب المشاهد والهدف من المسلسل كسر الحزن المديد الذي عاشه شعبنا، أردنا أن نوصل بعض الأفكار ورسم الابتسامة في آن واحد».

العمل تحت نيران البراميل المتفجرة

«يلا بسرعة نعيد نفس المشهد قبل قذيفة تانية»، هكذا كان يُخاطب المخرجُ طاقمَ العمل، إذ صُوّرت مشاهد المسلسل تحت القصف، وفي أسوأ الظروف التي تعيشها حلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية، والتي تُعد مرمى لكافة أنواع أسلحة النظام السوري، وحلفائه.

اضطر طاقم العمل لإعادة المشاهد مرارًا وتكرارًا بسبب القصف الذي كان قريبًا من أماكن التصوير في الغالب. كان الطاقم المُؤلف مُعظمه من أطفال، من بيت حلبي قديم، ليتابعوا بخوف حركة الطيران الحربي التابع لقوات نظام بشار الأسد، وكانت بعض أنقاض المباني المقصوفة أماكنَ تصوير إضافية.

المسلسل الذي سجل منه الجزء الثاني، ويعرض على قناة «الآن» الفضائية، صُوّرَ أيضًا في ظل فقدان كافة مستلزمات الحياة، وقد سقط بالفعل برميل متفجر ذات مرة بالقرب من موقع التصوير، واضطر الفريق للتوقف عن تصوير المسلسل وتوثيق ما تسبب به البرميل. كما أنه كثيرًا ما اضطر الفريق لأن يصور عددًا من المشاهد على خطوط الجبهة، ويطلب المساعدة من الكتائب المسلحة الثورية ويستعين الفريق عند التصوير بأسلحة وآليات تظهر في المسلسل.

مقتل بطل المسلسل الطفل «أبو عبدو»

في حي «صلاح الدين» بحلب، أول حي خرج ضد نظام بشار الأسد، هتف الطفل السوري قصي عبطيني مع الثوار، وهو ابن العاشرة من العمر. قصي الذي ولد وترعرع في هذا الحي، وقضى أربع سنوات من عمره في المدينة الثائرة، أدرك كافة تفاصيل الثورة السورية، حتى إنه أتقن أداء دوره الفني في مسلسل «أم عبدو الحلبية»، وكان هو البطل الذي عرف باسم أبو عبدو الحلبي.

محمد يودع شقيقه قصي (المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي)

منشوراته على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، أغلبها صور لضحايا الثورة السورية، الذين لحق بهم قبل أن يُتم 15 عامًا من عُمره. كان ذلك يوم الجمعة الماضية، ثالث أيام عيد الفطر. قضى قُصي نحبه حين حاول اجتياز طريق «الكاستيلو» شمال مدينة حلب، وكان بإمكانه أن يهاجر ويعيش في بيت جده بسويسرا ويترك كل هذا الألم في حلب.

«يا يمي توب جديد زفيني جيتك شهيد يا يمي.. جيتك شهيد بيوم ‏العيد‬‬‬ فالجنة بيتي لجديد يا يمي«، هكذا نعى محمد شقيق قصي. يقول محمد: «قصي محبوب كثير بحي صلاح الدين، تعلم الإسعافات الأولية، وأخذ يداوي كل المصابين والمرضى، أذكر أنه كان هناك رجل كبير بالعمر أصيب بالغرغرينا في قدمه اعتاد قصي على مداواته ولم يتركه حتى توفاه الله».

ويواصل محمد الحديث لـ«ساسة بوست»: «أصيب أبي وأصبح بحاجة إلى عملية جراحية في تركيا، طلبنا منه أن يرافق أبي في رحلة العلاج، فكان يرفض حتى لا يترك حلب، كما رفض أن يذهب إلى بيت جدي بسويسرا، يرد علينا بالقول: «بدي أتم بحلب وأستشهد».

الكوميديا الحلبية للتنفيس عن المعاناة والغضب

يستعرض مسلسل «أم عبدو الحلبية» حياة أهالي حلب في المناطق المحررة. يتناول ظروفهم المعيشية بعد ما آلت إليه الثورة السورية، وعلاقاتهم مع المجموعات المسلحة واللاجئين، كما استعرض ظاهرة الكتائب المسلحة النسائية، وتناول أيضًا بالنقد حياة المعارضة السورية، وعرض المشاكل في مناطقها بهدف معالجتها، عرضت بعض المقاطع بطريقة كوميدية لنقد المعارضين، كان ذلك بهدف تنفيس الغضب عن طريق الروح المرحة للحلبيين.

كما أبرز المسلسل مدى صمود الأهالي، وإصرارهم على البقاء في مدينتهم رغم مخاوف الحصار التي يروج لها النظام، وانتقل المسلسل في جزئه الثاني نقلة نوعية. يقول المخرج أبو هادي: «الجزء الثاني من المسلسل يختلف عن الأول بالعديد من التقنيات الفنية، إلى جانب الجرأة بطرح مواضيع حساسة تسلط الأضواء على بعض من حاول تشويه ثورتنا المباركة»، ويتابع: «في هذا الجزء تغلب نظرة التفاؤل، و يشاهد الناس أطفالًا أكبرهم 12 عامًا وأصغرهم ثلاثة أشهر يلعبون بطولة المسلسل بمهارة واحترافية عالية يعجز عنها كبار الفنانين الذين أوهمونا أنهم أبطال ونجوم».

عرض التعليقات
تحميل المزيد