يرتبط توافر رغيف الخبز المعتمد في إنتاجه على القمح بشكل مباشر بأمن واستقرار الدول؛ فوجود القمح يعزز من الاستقرار في الدول خاصة العربية؛ لذلك فهذا الأمر في غاية الحساسية، ودائمًا ما يشكل القمح أزمة للدول التي تعتمد على استيراده، والتي لا يكفي إنتاجها لسد احتياجات مواطنيها، خاصة إذا كانت الدولة تعتمد على مصدر واحد في صادرات القمح، مثل مصر – أكبر مستورد للقمح في العالم – والتي تعتمد بشكل رئيس على روسيا في توفير احتياجاتها من القمح، وهي أكبر مشتر للقمح الروسي، كذلك الجزائر أحد أكبر مستوردي القمح، تعتمد بشكل رئيس على فرنسا في توفير وارداتها من القمح.

هذا الأمر تحديدًا يجعل الدول أسيرة المُورد، وهو ما يعرضها لأزمات كبيرة في السلعة الأكثر حساسية، وخلال هذا التقرير سنتحدث عن الحالة الجزائرية بشكل خاص؛ وذلك في ظل تزايد الحديث عن تقدم جزائري ملموس في مجال تنويع ممونيها من القمح المستورد، بعد عقود من السيطرة شبه الكاملة من فرنسا على السوق الجزائري، فهل الجزائر ستتمكن هذه المرة من تحرير خبزها من القبضة الفرنسية؟

إلى أين وصل الاعتماد الجزائري على فرنسا؟

قبل أن نتحدث عن الاعتماد الجزائري على واردات القمح الفرنسي، يجب أن نشير إلى أن الجزائر ضمن أهم الدول المستوردة والمستهلكة للقمح حول العالم؛ إذ ذكر تقرير صدر في أغسطس (آب) 2018 عن المصالح الفلاحية الخارجية التابعة لكتابة الدولة الأمريكية للزراعة، أن متوسط استيراد القمح بالجزائر خلال السنوات الخمس التي سبقت 2018 ما بين 7.2 و8.4 مليون طن متري، بينما يصل الاستهلاك لنحو 10 ملايين طن سنويًا.

ويتوقع التقرير الأمريكي أن يسجل متوسط ما تستورده الجزائر من القمح 2019 تراجعًا طفيفًا، بعد أن سجلت مستوى قياسيًا خلال موسم 2017/2016 بنحو 8.414 مليون طن، بينما تراجع قليلًا إلى 8.200 مليون طن في 2018/2017، فيما جاء التقدير الأخير بنحو 7.200 مليون طن لسنة 2019/2018، وكمية الاستيراد الكبيرة تلك يقابلها استهلاك قياسي كذلك، إذ إن متوسط الاستهلاك الجزائري للقمح يقدر بأكثر من 10 ملايين طن، فقد كان 10.050 مليون طن في 2015/2014 ووصل إلى 10.450 مليون طن في 2018/2017، بينما يتوقع أن يصل إلى 10.600 مليون طن في 2019/2018.
وبالعودة إلى الاعتماد الجزائري على فرنسا، فكما ذكرنا، فالجزائر حاليًا هي أكبر مستورد للقمح الفرنسي، فهي تستحوذ تقريبًا على نصف الكميات المصدرة من القمح الفرنسي خارج الاتحاد الأوروبي، ففرنسا استحوذت على عقد لتصدير حوالي 4.3 ملايين طن من القمح إلى الجزائر في موسم 2018/2017، وفق الأرقام الفرنسية الرسمية، في موسم 2016 /2017، بفاتورة بلغت 3.43 مليارات دولار.

والاعتماد الجزائر على القمح الفرنسي ليس وليد اللحظة، ولكنه يعود لعقود مضت، فبالرغم من أن الجزائر كانت تصدر القمح والشعير إلى أوروبا قبل الاستعمار الفرنسي للبلاد، فقد اختلف الأمر تمامًا بعد الاستقلال، ومن الاكتفاء الذاتي والتصدير، تراجع الإنتاج إلى 90% من احتياجات البلاد من القمح عام 1962، ثم بات الإنتاج الآن يغطي نحو ربع الاستهلاك، بينما يتم تغطية النسبة الباقية من الاستيراد، والممون الرئيس لمعظم حاجيتها من القمح هي فرنسا.

«طباعة النقود».. هل تكون الدوامة الأخيرة التي تُسقط اقتصاد الجزائر؟

ووفقًا للأرقام الفرنسية الرسمية، فإن الجزائر تحصل على نحو 50% من واردات القمح الفرنسي خارج الاتحاد الأوروبي؛ إذ صدرت باريس نحو  4.3 ملايين طن من القمح إلى الجزائر في موسم 2018/2017، وتشير بعض التقديرات الأخرى إلى أن احتياجات الجزائر من القمح بأنواعه نحو 15 مليون طن سنويًا، سواء من القمح اللين، أو القمح الصلب.

قد يتساءل البعض عن الأسباب الحقيقية لهذه التبعية الجزائرية لفرنسا فيما يخص واردات القمح، وبحسب محللين فإن هناك سببين رئيسين لهذه التبعية، الأول هو المتعلق بالجانب التاريخي فيما يخص الاستعمار الفرنسي للجزائر، وبالتالي تبعية متواصلة بين المُستعمر والمستعمِر، بينما السبب الثاني – وهو يعتبر استمرار للسبب الأول – إذ تواصل الحكومات المتعاقبة طرح مناقصاتها العالمية لشراء القمح بصيغة قد تكون مفصلة تمامًا على مقاس القمح الفرنسي من حيث النوعية وكمية الغبار وسعر النقل، وغيرها.

يشار إلى أن الديوان الجزائري للحبوب هو المكلف باستيراد القمح في البلاد؛ وذلك عن طريق طرحه لمناقصات خاضعة لدفتر شروط يحدد من خلالها الكمية ونوعية القمح ومدة نقله للبلاد.

مساعٍ جزائرية للخروج عن السيطرة الفرنسية.. هل تنجح؟

خلال العقود الماضية كانت باريس دائما ما تنجح في الفوز بالمناقصات التي تطرحها الجزائر لشراء القمح، لكن خلال 2018 بات هناك مساعٍ جزائرية جادة لتنويع ممونيها في محاولة للبعد عن هذه السيطرة، عزز هذه المحاولات إنتاج قياسي حققته البلاد خلال الموسم الماضي، وهو ما جعل هناك حالة من التفاؤل تسيطر على كثيرين، وفي الواقع هناك عدة أسباب تعزز من فكرة نجاح الجزائر هذه المرة وأبرزها:

انتعاش إنتاج الجزائر.. 2.6 مليون طن زيادة في 2018

في سبتمبر (أيلول) 2018، أعلن وزير الفلاحة الجزائري عبد القادر بوعزقي، عن أن إنتاج الجزائر خلال 2018 بلغ نحو 6 ملايين طن من الحبوب، وذلك بزيادة 74% عن سنة 2017، والتي وصل حجم الإنتاج بها لنحو 3.4 ملايين طن، أي أن الإنتاج ارتفع بواقع 2.6 مليون طن، بينما كشف بوعزقي عن أن الوزارة تسعى لمضاعفة إنتاج الحبوب في الجزائر بثلاث مرات على المدى المتوسط.

«صندوق الزكاة».. هل يصبح حلًا اقتصاديًا لمشاكل الجزائر؟

وتأتي خطة الجزائر لزيادة الإنتاج من خلال توسيع المساحة المسقية لزراعة الحبوب من 200 ألف هكتار حاليًا إلى 600 ألف هكتار بحلول 2021/2020، بينما وعد ديوان الحبوب بنهاية الربع الأول من العام الماضي، بوقف واردات البلاد من القمح الصلب في غضون 3 إلى 4 سنوات على أقصى تقدير، ووفق أرقام وزارة الفلاحة، فإن مساحة الأراضي الزراعية في الجزائر تقدر بنحو 42 مليون هكتار.

وبحسب المدير العام للديوان الجزائري المهني للحبوب، محمد بلعبدي، فإن الجزائر تعتمد حاليًا على تطوير زراعة القمح الصلب بالمناطق الجنوبية للبلاد، وذلك من خلال إنشاء مزارع خاصة واسعة تعتمد على السقي الكامل، والتي يتم دعمها تقنيًا وماديًا من قبل الديوان، موضحًا أن هذا التطوير بدأت نتائجه الإيجابية في الظهور ويسمح بتحقيق الاكتفاء الذاتي قريبًا.

وعلى الجانب الآخر كانت وزارة التجارة الجزائرية قد أعلنت في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، عن مباحثات مع البنك الدولي بشأن دعم صادرات البلاد الزراعية، في إطار مساعي تنويع الاقتصاد، وذلك من خلال تقديم البنك خبرات من شأنها تعزيز الصادرات الجزائرية، لا سيما الزراعية، وهو الأمر الذي قد يستفيد منه القمح كذلك.

«تمور الجزائر».. فرصة ذهبية لتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط!

روسيا تهدد عرش فرنسا بالجزائر

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نشرت وكالة «بلومبيرج» تقريرًا حول غزو القمح الروسي للسوق الجزائري، وذلك بعد دخول الدب الروسي على خط المنافسة على توريد حبوبها إلى الجزائر بأسعار تنافسية، وأوضح التقرير أن أوروبا باتت تفقد كثيرًا من أسواقها لروسيا؛ إذ وضع التقرير سوق القمح الجزائرية بالرتبة الرابعة في العالم، موضحًا أن موسكو قد تقدم عروضًا مغرية للجانب الجزائري؛ وهو ما قد يؤثر بشكل كبير على السطوة الفرنسية، وذلك في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين روسيا والجزائر تطورًا ملحوظًا.

وتتربع روسيا على قائمة الدول المصدرة للقمح في العالم، متقدمة على كلٍّ من الولايات المتحدة، وكندا، ودول الاتحاد الأوروبي ككل، فبحسب وزارة الزراعة الروسية، فإن صادرات البلاد من القمح بلغت خلال الموسم الزراعي الماضي بلغت نحو 41 مليون طن، بينما إجمالي صادرات الحبوب سجلت 52.422 مليون طن، وهو ما يشير إلى أن القمح شكل الحصة الأكبر في صادرات روسيا من الحبوب.

وهذه الأرقام تقترب من ضعف صادرات دول الاتحاد الأوروبي، وعددها 28 دولة؛ إذ وصلت صادرات الاتحاد العام الماضي لنحو 23.3 مليون طن، وذلك بفارق صغير عن صادرات الولايات المتحدة والتي سجلت 23.2 مليون طن، ويشار إلى أن روسيا كانت قد خسرت الصدارة في موسم 2016/2017 لصالح الولايات المتحدة، عندما صدرت 29 مليون طن، في حين لم تتجاوز مبيعات روسيا خلال العام نفسه مستوى الـ27.1 مليون طن.

وكانت الجزائر قد أرسلت في  أكتوبر 2018 وفدًا من الخبراء الزراعيين إلى روسيا، لدراسة القمح الروسي من حيث النوع والسعر؛ إذ ضم الوفد ممثلين عن وزارة الزراعة والديوان الجزائري للحبوب، بالإضافة إلى خبراء زراعيين، ويرى متابعون أن سعر القمح الروسي قد يمثل نقطة إغراء للسوق الجزائري، إذ إن طن القمح الروسي أقل بنحو 20 دولارًا من نظيره الفرنسي.

الجزائر قد تفتح امتيازات زراعية أمام المستثمرين الأجانب

لم تتوقف مساعي الجزائر عند تعزيز الإنتاج من خلال المزارعين الجزائريين فقط، من خلال تسهيل منح الأراضي للمستثمرين، ودعم عمليات الريّ، لكن وبحسب وثيقة رسمية نشرتها وكالة «رويترز» في مايو 2018، فإن الجزائر تخطط لمنح المستثمرين الأجانب امتيازات لأراض زراعية للمرة الأولى، وذلك من خلال العمل في شراكة مع الدولة، أو شركة جزائرية خاصة.

من مصر إلى الجزائر.. لماذا يظن العرب أن كل مشاكل الاقتصاد تحل بالسياسة النقدية؟

ويأتي هذا التوجه في إطار تشجيع الجزائر للمزراعين، سواء من خلال تقديم قروض بفائدة منخفضة، أو غيرها من التسهيلات، بينما تخطط الحكومة لتوسعة المناطق التي تعتمد على مياه الري إلى مليوني هكتار في 2019، من 1.3 مليون هكتار العام الماضي؛ وذلك من خلال سدود جديدة، وذلك على أمل أن تحقق هدف زيادة إنتاج القمح إلى 5.3 مليون طن بحلول 2022.

المصادر

تحميل المزيد