على صفيح ساخن ينذر بالمواجهة تارةً والجفاء تارةً أخرى؛ تسير العلاقات بين الجزائر والمغرب من سيئ إلى الأسوأ. إذ لا يكاد يمرُ أسبوعٌ دون أن يحدث فيه تصعيد بين البلدين؛ فمنذ منتصف يوليو (تموز) الفائت، تتصاعد الأزمة السياسية بين الجزائر والمغرب.

فبعد قيام سفير المملكة المغربية بالأمم المتحدة عمر هلال في 14 يوليو الفائت، بتوزيع مذكرة رسمية في اجتماع دول عدم الانحياز، يعلن فيها المغرب دعمه بشكل صريح «حق تقرير المصير لشعب القبائل»، وتفجّر فضيحة «بيجاسوس» بعدها بأسبوع؛ وضلوع المغرب في فضيحة تجسسٍ واسعة ضد مسؤولين ومواطنين جزائريين، وصولًا إلى اتهام وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، خلال زيارته المغرب -قبل 10 أيام- الجزائر؛ أنها باتت -حسبه- أكثر قربًا من طهران وتقوم حاليًا بشن حملة ضد قبول إسرائيل في الاتحاد الأفريقي بصفة مراقب. فما هو مستقبل العلاقات بين الجزائر والمغرب على ضوء دخول إسرائيل على خط الأزمة بينهما؟ 

«أزمة القبائل».. هل تتعامل المغرب مع الجزائر بمبدأ المثل؟

منذ عقودٍ طويلة، كانت «أزمة الصحراء الغربية»، الملف الأبرز على طاولة العلاقات بين الجزائر والمغرب؛ فبينما تتهم الرباط جارتها الجزائر بدعم حركة انفصالية متمثلةً في «جبهة البوليساريو»، وأنها طرفٌ في الأزمة ولها أطماع في المنطقة؛ ترد الجزائر بأنّ دورها في أزمة الصحراء لا يعدو أن يكون دور ملاحظٍ، وأن أزمة الصحراء هي قضية تصفية استعمار، غير أنّ أزمة جديدة زيّنت طاولة الصراعات بين البلدين قد لا تكون أقل أهمية من ملف الصحراء الغربية. 

الأزمة الجديدة بين البلدين اشتعلت خلال اجتماعٍ لدول عدم الانحياز في أذربيجان، في 13 و14 يوليو الماضي، حين دعا عمر هلال، سفير المغرب لدى الأمم المتحدة إلى «استقلال شعب القبائل» بالجزائر؛ وقام بتوزيع مذكرة رسمية داعمة لـ«الحركة من أجل تقرير مصير في منطقة القبائل» المعروفة اختصارًا بـ«حركة الماك» والتي تنادي بانفصال منطقة القبائل عن الجزائر.

فرحات مهني

فرحات مهني رئيس حركة «الحكومة القبائلية المؤقتة» لحركة «الماك» – مصدر الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي

من جانبه؛ استقبل فرحات مهني، رئيس «الحكومة القبائلية المؤقتة» لحركة «الماك» الدعم المغربي لمساعيه في الانفصال بصدرٍ رحبٍ، وأبرق برسالة إلى شكيب بن موسى، سفير المغرب في فرنسا، وجه من خلالها الشكر على دعم الدبلوماسية المغربية لمطلب استقلال الشعب القبائلي ثمّ ختم الرسالة بطلب لقاء الملك المغربي محمد السادس. 

وفي الوقت الذي كان فيه الملك المغربي محمد السادس يطلب فيه من الجزائر فتح صفحة جديدة؛ كانت السلطات المغربية تستقبل نائب رئيس حكومة القبائل المؤقتة أكسل بلعباسي، الذي يقوم حاليًا بزيارة إلى المغرب بدعوة رسمية.

ردّ الجزائر على الخطوة المغربية كان بالتدريج؛ فأصدرت وزارة الخارجية الجزائرية في البداية، بيانًا شديد اللهجة عن واقعة «دعم المملكة المغربية لانفصال منطقة القبائل»، واصفةً إيّاه بالانحراف الخطير، ومتهمة المغرب بدعم جماعات إرهابية في إشارة إلى حركة «الماك»، المصنفة في الجزائر منظمة إرهابية منذ شهر مايو (أيار) الماضي. 

وجاء في بيان الخارجية الجزائرية، أن «الممثلية الدبلوماسية المغربية بنيويورك قامت بتوزيع وثيقة رسمية على جميع الدول الأعضاء في حركة «عدم الانحياز»، يكرس محتواها بصفة رسمية انخراط المملكة المغربية في حملة معادية للجزائر، ومعبرًا عن دعم ظاهر وصريح لما تزعم بأنه «حق تقرير المصير للشعب القبائلي» الذي – حسب المذكرة المغربية – يتعرض لـ «أطول احتلال أجنبي»، وطالبت الجزائر الرباط بتوضيحات بشأن هذه الخطوة. 

الخطوة الثانية في رد الجزائر، كانت في 17 يوليو الماضي؛ باستدعاء سفيرها بالرباط «فورًا للتشاور» ولم تستبعد اتخاذ إجراءات أخرى حسب التطور الذي تشهده القضية. 

وتجدر الإشارة، إلى أنه في 9 أغسطس (آب) الجاري؛ شهدت منطقة القبائل موجة حرائق كبيرة، أسفرت عن مقتل أزيد من 100 شخص، وإحراق مئات الهكتارات من غابات المنطقة، وشهدت المنطقة أيضًا جريمة قتل بشعة ذهب ضحيتها الشاب جمال بن سماعين.

وقد كشفت التحقيقات الرسمية التي أجرتها السلطات الجزائرية، وقوف حركتي «الماك» و«رشاد» المصنفين من الحكومة الجزائرية في قوائم الإرهاب، وراء إشعال الحرائق وجريمة اغتيال الشاب جمال من أجل إشعال نار الفتنة بين الجزائريين، بعد أن أوقفت مصالح الأمن الجزائرية بعض المتهمين في قضية اغتيال الشاب وهم يهمون بالفرار إلى المغرب، بحسب البيان الجزائري الرسمي الصادر.

وأمام هذا الوضع، عقد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، يوم الأربعاء 18 أغسطس الجاري، اجتماعًا استثنائيًّا للمجلس الأعلى للأمن، خُصص لتقييم الوضع العام للبلاد، وما وصفها بالأعمال العدائية المتواصلة من طرف المغرب وحليفه «الكيان الصهيوني» ضدّ الجزائر.

نتج عن اللقاء جملة من التدابير، كان أبرزها اتهام الحركتين «الماك» و«رشاد» بإشعال الحرائق، وكذا تورطهما في اغتيال المواطن جمال بن سماعين الذي أراد بعض المتهمين باغتياله الفرار إلى المغرب.

مصدر الصورة: نورث أفريكا بوست

وفي السياق نفسه قرّر المجلس الأعلى للأمن إلقاء القبض على كل المنتمين للحركتين «الإرهابيتين» بحسب تصنيف الجزائر لهما، لا سيما حركة «الماك» التي تتلقّى الدعم والمساعدة من أطراف أجنبية وخاصة المغرب وإسرائيل بحسب السلطات الجزائرية، إضافةً إلى قرار إعادة النظر في العلاقات مع المغرب وتكثيف المراقبة الأمنية على الحدود الغربية، الأمر الذي ينذر -حسب المتابعين للشأن المغاربي- باحتمال التوجه إلى «قطع العلاقات الرسمية بين البلدين». 

على جانب آخر، يبرر المغرب خطوته في دعم حركة «الماك» الانفصالية بالجزائر، بأنّه ردّ فعلٍ على دعم الجزائر لجبهة البوليساريو الانفصالية. وفي هذا السياق ترى المحللة السياسية المغربية، شريفة لومير في تصريحٍ لها لموقع «الحرة» الأمريكي أنّ «رد السفير المغربي على إعلان وزير الخارجية الجزائري دعم حق تقرير مصير سكان الصحراء المغربية، جاء في محله».

وتضيف لومير أن «حق تقرير المصير هو مبدأ لا يتجزأ وأنّ رفض الجزائر للمذكرة الرسمية التي قدمها المغرب خلال المناقشة الوزارية العامة في اجتماع حركة عدم الانحياز هو تعبير واضح عن ازدواجية الخطاب الذي تتعامل به الجزائر، فهي داعمة لجبهة البوليساريو لكنها ترفض إبداء المغرب لموقفه الداعم لاستقلال منطقة القبائل!».

تجدر الإشارة إلى أنّ الجزائر والمغرب يتقاسمان حدودًا برية طويلة، تمتد لمسافة 1500 كيلومتر؛ وهي مغلقة منذ عام 1994، على خلفية اتهامات مغربية للجزائر بالوقوف وراء تفجيرات مراكش، التي طالت فندق «أطلس أسني».

بيجاسوس.. تجسس المغرب على مسؤولين جزائريين يزيد الطين بلّة

حالة التوتر بين الجزائر والمغرب لم تتوقف عند دعم المغرب لحركة «الماك» الانفصالية، بل عقّدتها أيضًا قضية عصفت بالعالم أجمع وهي برنامج التجسس الإسرائيلي «بيجاسوس» الذي تفجّرت فضيحته منتصف يوليو المنصرم. ففي 18 يوليو نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية، نتائج تحقيق أجرته 17 مؤسسة إعلامية، عن برنامج «بيجاسوس»، وجاء في التحقيق أن المغرب تتجسس على أكثر من 6 آلاف رقم جزائري باستعمال تقنية «بيجاسوس» الإسرائيلية.

ومن بين أبرز أسماء المستهدفين ببرنامج «بيجاسوس» من طرف المغرب بحسب التحقيق؛ شقيقة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة زهور، ومستشاره وشقيقه السعيد ومقربون منه، فضلًا عن الوزير الأول السابق نور الدين بدوي، إضافةً إلى نائب وزير الدفاع السابق وقائد أركان الجيش الجزائري الفريق الراحل أحمد قايد صالح وقادة عسكريين آخرين أبرزهم واسيني بوعزة ومدير المخابرات الأسبق بشير طرطاق، فضلًا عن مراقبة هاتف ضابط الصف قرميط بونويرة، المساعد السابق للفريق الراحل أحمد قايد صلاح.

وبحسب بيان لوزارة الخارجية الجزائرية نشرته على حسابها على موقع «فيسبوك»، فقد أبدت الجزائر قلقها العميق من «قيام سلطات بعض الدول وخاصة المغرب، باستخدام واسع النطاق لبرنامج التجسس بيجاسوس ضد مسؤولين ومواطنين جزائريين»، وأوضح البيان أنّ الجزائر تحتفظ بالحق في تنفيذ إستراتيجيتها للرد على ما وصفته بـ«الاعتداء الممنهج على حقوق الإنسان»، عبر استخدام برنامج التجسس «بيجاسوس»، ضد بعض مسؤوليها.

كذلك فتحت نيابة الجمهورية في محكمة سيدي أمحمد الجزائرية، تحقيقًا ابتدائيًا بشأن «معلومات حول عمليات تجسس طالت شخصيات محلية باستعمال برنامج بيجاسوس». ولم يصدر حتى الآن بيانات ومعلومات بشأن هذا التحقيق. 

من جهته؛ رفض المغرب بشكل قاطع الادعاء بأنَّه حصل على برمجية بيجاسوس، ونفى أن تكون أجهزته قد استخدمت البرمجية للتجسس، كما أعلن عن رفعه دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية في باريس ضد منظمتي «فوربيدن ستوريز» والعفو الدولية بتهمة التشهير، وذلك بسبب اتهامه باستخدام برنامج «بيجاسوس» الإسرائيلي للتجسس.

وإسرائيل تدخل على خط التوتر بين الجزائر والمغرب

في خضم هذا التوتر والتراشق الدبلوماسي بين الجزائر والمغرب؛ جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد إلى الرباط قبل 10 أيام لتصب الزيت على النار، وتُدخل تل أبيب على خط الخلاف بين الجزائر والمغرب. 

ففي خلال الزيارة عبّر وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد علانية عن قلقه من التقارب بين الجزائر وإيران، وذلك حسب وسائل إعلام مغربية.

إسرائيل تدخل على خط التوتر بين الجزائر والمغرب.. ما الذي يعنيه ذلك؟

يائير لابيد خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد إبان زيارته إلى المغرب – مصدر الصورة: تايمز أوف إسرائيل

وأضاف الوزير الإسرائيلي «نحن نتشارك بعض القلق بشأن دور دولة الجزائر، التي باتت أكثر قربًا من إيران، في المنطقة، وهي تشنّ حاليًا حملة ضد قبول إسرائيل في الاتحاد الأفريقي بصفة مراقب».

تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي تلك استقبلت باستهجانٍ من طرف الجزائر؛ فوصفتها الخارجية الجزائرية في بيانٍ لها بأنها تصريحات «مغلوطة ومغرضة» وصادرة عن المغرب بشأن «الجزائر ودورها الإقليمي وعلاقاتها مع دولة أخرى».

وذكر البيان الذي نشرته وزارة الخارجية على حسابها على موقع «فيسبوك» أن: «التصريحات محرضها الحقيقي ناصر بوريطة بصفته وزير خارجية المملكة المغربية الذي تقوم بلاده مع حليفه الشرق أوسطي الجديد إسرائيل، بمغامرة خطيرة موجهة ضد الجزائر وقيمها والمواقف المبدئية». كما شدد البيان على أن «المغامرة الخطيرة التي تكذب شعار اليد الممدودة المزعومة التي تستمر الدعاية المغربية في نشره بشكل مسيء عبثًا».

وختمت الخارجية الجزائرية بيانها بالتأكيد على أنّ: «رئيس الدبلوماسية المغربية يحاول بمكر أن يضيف إلى محاولته اليائسة لتشويه قضية إنهاء الاستعمار في الصحراء الغربية الاستنجاد بقوة عسكرية شرق أوسطية تواصل رفض السلام العادل والدائم مع الشعب الفلسطيني الذي يحمل مبادرة السلام العربية».

Embed from Getty Images

رمطان لعاممرة 

وكشف مصدر جزائري مسؤول لصحيفة «الشروق الجزائرية» أن الزيارة الرسمية الأخيرة لوزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، إلى المغرب لها هدفان أساسيان: مواصلة الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الحصول على اعتراف واشنطن بمزاعم «مغربية الصحراء» من جهة، و«إنشاء خط عسكري مغربي-صهيوني موجه ضد الجزائر».

ويأتي تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي ضدّ الجزائر؛ تزامنًا مع حملة عربية وأفريقية تقودها الجزائر من أجل إعادة النظر في قرار رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي محمد ضمّ إسرائيل إلى الاتحاد بصفة عضو مراقب.

وكان المغرب قد قطع علاقاته مع إيران سنة 2018؛ متهمًا إياها بدعم جبهة «البوليساريو» التي تسعى لاستقلال الصحراء الغربية، وقال حينها المغرب إنّ إيران تستخدم سفارتها بالجزائر لتدريب وتسليح مقاتلي البوليساريو.

لتحظى بقبول شعبي مغربي للتطبيع.. إسرائيل تستخدم فزاعة إيران

وبسؤال البروفيسور يحيى بوزيدي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي بلعباس بالجزائر، عن تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي، أجاب: «تصريحات وزير خارجية الكيان الصهيوني ضد الجزائر من المغرب تندرج بكل تأكيد ضمن الضغوط ومحاولة التأثير في توجهات السياسة الخارجية الجزائرية، أو على الأقل تقديم بعض المبررات للرأي العام المغربي بخصوص تطبيع العلاقات بين المملكة المغربية والاحتلال الإسرائيلي، من خلال الإشارة إلى إيران. نظرًا لسياسات الأخيرة العدائية تجاه شعوب المنطقة العربية من خلال المليشيات الطائفية التي زعزعت أمن واستقرار بعض الدول، وأيضًا محاولة نشر التشيع».

ويضيف بوزيدي خلال حديثه مع «ساسة بوست» أن «هذه القضايا بغض النظر عن الجدل حولها، تبقى مفصولة كليًّا عن مبادئ وثوابت الجزائر، فالدفاع عن قضايا التحرر عمومًا والقضية الفلسطينية خصوصًا من ثوابت الجزائر، ورفضها للتطبيع بمختلف أشكاله مسألة مبدئية في السياسة الخارجية الجزائرية، لم تتغير بتغير شكل النظام الجزائري من الأحادية الحزبية إلى التعددية، أو بتغير مختلف الأنظمة السياسية في الإقليم أو حتى على مستوى النظام الدولي، لذلك محاولة وضع هذه القضايا في سلة واحدة هي محاولة يائسة وبائسة» على حد تعبيره.

ويرى بوزيدي أن «علاقات الجزائر مع إيران كانت جيدة في زمن الشاه، الذي كان حليفًا للكيان الصهيوني، وحينها توسطت الجزائر في أزمة الحدود العراقية الإيرانية ما أثمر عن اتفاقية 1975 بين البلدين، واستمرت الجزائر في علاقاتها الجيدة مع النظام الذي جاء بعده الشاه، والذي تحول إلى معاد للاحتلال الإسرائيلي. وتعود هذه الاستقلالية في السياسة الخارجية الجزائرية إلى ما تمتلكه من مقومات القوة الإقليمية التي تجعلها في منأى عن سياسات المحاور التي تلجأ إليها الدول الصغيرة والضعيفة بحثًا عن حماية أو دعم».

وأمام هذه الأزمات؛ يتوقع المراقبون أن يتواصل الجفاء والتوتر في العلاقات بين الجزائر والمغرب؛ خصوصًا بعد دخول إسرائيل على خط الأزمة، الأمر الذي ينذر بحصول قطيعة تامة بين البلدين الشقيقين، فهل يؤثر هذا التوتر في المنطقة المغاربية؟

المصادر

تحميل المزيد