«في السياسة لا يوجد صديق دائم ولا عدو دائم، ولكن توجد مصالح دائمة» قالها البريطاني ونستون تشرشل في وقت سابق، وهي مقولة يمكن أن تنطبق على العلاقات الثنائية بين الجزائر وقطر تجاه الملفات الدولية، ففي وقت يروج لخلافات حادة بين صناع القرار في الجزائر والدوحة، لا تعكس الزيارات والتصريحات هذه الخلافات بل تؤكد لوجود تقارب وتعاون غير معلن.

وتعرف العلاقات الجزائرية الخليجية بشكل عام اختلافًا بائنًا تجاه عدد كبير من القضايا الدولية، وتتمايز مستويات الخلاف بين قضية وأخرى، ففي الشأن السوري واليمني تشكل الجزائر مع إيران وروسيا محورا معاديا للرؤية الخليجية التي تقودها السعودية، في حين تشكل القضية الليبية أحد الأوراق التي تتطابق مع بعض دول مجلس التعاون الخليجي في مقدمتها قطر.

 

وبالعودة إلى العلاقات التاريخية بين الجزائر وقطر الحديثة، نجد أن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة باشر إلى غلق مكتب قناة الجزيرة بمجرد الإعلان عن رئاسته للبلاد عام 1999، وهو الإعلان الذي حرم ولا زال يحرم تواجد مكتب للقناة الإخبارية الأولى في العالم العربي بالجزائر، وتتهم أوساط في النظام السياسي الجزائري القناة ومن وراءها بمحاولة زعزعة الأنظمة السياسية في الدول العربية، وخلق فوضى تحقق أهداف أجندات غربية لتقسيم المنطقة.

 

تصريحات مطمئنة لخلافات مبطنة

 

ولا تعكس تصريحات مسؤولي البلدين هذا التوتر والخلاف القائم حول رياح التغيير العربي، حيث وصف وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة في آخر زيارة له قبل أسبوعين إلى الدوحة ضمن جولة خليجية العلاقات مع قطر، بالحميمية والتي تتسم بالمودة والاحترام المتبادل والقناعات المشتركة، مؤكدًا أن علاقة البلدين تخدم المصلحة العربية المشتركة؛ مضيفًا ان لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الجزائر مكانة خاصة.

وذهب وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني أكثر من ذلك في وصفه لعلاقات بلاده مع الجزائر، وقال في تصريح نقلته وكالة الانباء الكويتية كونا بأن بلاده بحاجة إلى خبرة الجزائر في القارة الإفريقية نظرا لوجود مشاريع مشتركة بين البلدين هناك. وأضاف الوزير القطري «نعول كثيرا على الخبرة التي اكتسبتها الجزائر في تعاملها مع الدول الإفريقية». مؤكدا أنه ناقش مع نظيره الجزائري العلاقات الثنائية المتميزة.

واستقبل رئيس الجزائر بوتفليقة أمير قطر تميم خلال الأسبوع الماضي، نوّه فيها المسؤولون الحكوميون كذلك بالعلاقات المميزة التي تربط البلدين، وقالت وسائل الإعلام المحلية إن بوتفليقة أقنع أمير قطر بضرورة العمل على نجاح مؤتمر فيينا لمنظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط أوبك، وهي المهمة التي قدمت فيها الجزائر جهودًا دبلوماسية كبيرة لترسيم قرار الجزائر المعروف بالاتفاق على تقليص الإنتاج إلى أقل من 32.5 مليون برميل يوميًا.

وتعتبر زيارة وزير الخارجية الجزائري لعمامرة إلى الدوحة، أحد الجهود الدبلوماسية للجزائر تجاه دول الخليج وهي آخر زيارة بمجلس التعاون بعد أبوظبي والمنامة، في حين قام الوزير الأول الجزائري عبد المالك سلال بزيارة إلى الرياض بأسبوع قبل ذلك، إلى جانب انعقاد منتدى المال والأعمال مع السعودية وقبله كذلك بالإمارات العربية المتحدة وصفت بالناجحة، ودعوة المستثمرين الخليجيين إلى الجزائر، والتعاون على الاستثمار أكثر في إفريقيا للوزن الذي تحظى به الجزائر إقليميا وقاريًا.

 

الجزيرة وطهران والصحراء الغربية.. ثلاثية التشويش

 

قبل عامين ونصف من اليوم، ذكرت وسائل الإعلام الجزائرية أن دولة قطر قدمت عرضًا ومساومة للحكومة الجزائرية بخصوص بث مباريات منتخب «الخضر» في كأس العالم 2014 بشرط فتح مكتب الجزيرة، وهي المعلومات التي لم تؤكدها ولم تنفها شبكة الجزيرة، وتصر الجزائر على لسان وزير الاتصال على أن فتح مكتب الجزيرة يخضع لقرارات سيادية في إشارة إلى رئيس البلاد بوتفليقة.

وتنظر الحكومة الجزائرية إلى قناة الجزيرة باعتبارها «عراب الفوضى» في المنطقة، حيث يعود غلق مكتب القناة إلى حادثة تلاسن وتبادل اتهامات بين الإعلامي أحد منصور والمترشح عبد العزيز بوتفليقة عام 1999، حيث اتهم الأول الثاني باختلاس أموال والتهرب الضريبي منذ حقبة الرئيس الراحل هواري بومدين 1978.

كما يُعتبر دعم مجلس التعاون الخليجي لوحدة التراب المغربي، إشارة سلبية للجزائر التي تسعى من خلال هيئة الأمم المتحدة لحل الأزمة، وفق تقرير المصير الذي أصدره مجلس الأمن منذ عقدين من الزمن، وفي آخر موقف لها قررت كل من السعودية والكويت والإمارات وقطر دعم المغرب في القمة الإفريقية العربية، كما رفضت إدراج راية الصحراء الغربية «جبهة البوليساريو» ضمن الوفود الرسمية للاجتماعات في عاصمة غينيا الاستوائية مالابو.

ومع انزعاج الجزائر من الدعم الخليجي للمغرب في شؤون مغاربية، تضغط الدبلوماسية الجزائرية في اتجاه التقارب مع إيران التي تعتبر عدوًا لا جدال ولا حوار فيه بالنسبة للممالك الخليجية، فالتفاهم الذي تبديه الجزائر وإيران جعل الملفات والقضايا العربية تتعقد أكثر من اللازم، وانعكس هذا التقارب على نظرة الجزائر تجاه حزب الله كتيار للمقاومة وليس جماعة إرهابية مثلما صنفته السعودية وشقيقاتها الخليجية، في حين توترت العلاقات بين الجزائر والخليج سياسيًا في الملفين السوري واليمني.

 

لماذا شكلت القضية الليبية الاستثناء؟

 

يعتبر الملف الليبي أحد القضايا الاستثنائية في العلاقات الجزائرية الخليجية، ومع قطر أصبحت الرؤية مشتركة ومتعاون عليها في أدق التفاصيل، ولعل الزيارة الأخيرة لأمير قطر إلى الجزائر وقبلها زيارة وزير الخارجية الجزائري إلى الدوحة، أحد أهم النقاط التي دار النقاش حولها، وضرورة دعم حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السرّاج.

ونوّه وزير الخارجية رمطان لعمامرة بالتنسيق العالي بين الجزائر وقطر في مسألة حل الأزمات الكبيرة التي تمزق المجتمعات العربية، وتجعل المواطنين لا يرتاحون لهذه الأوضاع سواء ما يجري في سوريا أو اليمن أو ليبيا وهو ما يتطلب بذل جهد متواصل وتنسيق في المواقف وتبادل المعلومات حول الكيفية التي يمكن بها لقطر والجزائر ودول الخليج أن تتضافر جهودها من أجل دفع عجلة الحل السلمي العادل والدائم إلى الأمام.

وكانت الجزائر قد استضافت النقاشات الداخلية واللقاءات التي تتناول الوضع بين الأطراف الليبية، في حين سعت المغرب إلى تبني نفس المسار باحتضان المفاوضات بمدينة الصخيرات، وهي الخطوة التي رأت فيها الحكومة الجزائرية تشويشًا على الجهود الدبلوماسية المبذولة. كما تدخلت مصر والإمارات العربية المتحدة عسكريًا وسياسيًا في الملف دون تنسيق مع الدولة الأبرز في المشهد الليبي، وهي الجزائر الدولة الجارة ذات الامتداد الحدودي الأطول مع ليبيا.

وتتقاطع رؤية قطر مع الجزائر في صيغة الحل في ليبيا، حيث تسعى الجزائر إلى إبعاد أي تدخل عسكري في البلد الثاني من حيث الثروة النفطية في القارة الإفريقية، كذلك إلى الوقوف أمام التدخل السياسي والدعم العسكري لنظام السيسي وحاكم أبوظبي خليفة بن زايد في دعم الثورات المضادة، والذي يثير مخاوف الجزائر هو انتشار السلاح ونمو التطرف وتمدد الجماعات المتشددة عبر آلاف الكيلومترات من الحدود في الصحراء الكبرى.

كما شكل الاتفاق الناجح بين قبائل التبو والطوارق جنوب ليبيا بنهاية العام الماضي 2015، أحد أوجه الثقة الجزائرية في الدبلوماسية القطرية وإمكانية المشاركة في الحل السياسي والسلمي في ليبيا، كما يعتبر طرح الجزائر عدم التدخل في شؤون الآخرين والتأكيد على الحل السياسي خيار تتبناه هيئة الأمم المتحدة وتنوه به على أكثر من صعيد في جلساتها حول ليبيا.

 

 

وتنظر الحكومة الجزائرية إلى ليبيا بحكم الجارة والتقارب الكبير في مسائل الثروة النفطية والغازية والتنوع الديموغرافي، بالإضافة إلى المساحة الشاسعة والتأثير في العمق الإفريقي، وهي مؤشرات تعكس إمكانية حدوث نفس السيناريو من قبل الدول الغربية على الجزائر، ولذلك تنادي بالحل السلمي والكفاح الدبلوماسي من أجل إضعاف الحل العسكري في المؤسسات الدولية.

ويشير محللون ومراقبون أن نظرة الجزائر تجاه الصراعات في المنطقة العربية ذات حكمة، وأصبحت دول ذات تأثير في هذه الصراعات كدول الخليج تنظر بعين الرضا إلى المقترحات الجزائرية بخصوص التعاون من أجل الحل السلمي والتركيز على الحوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ومخاطبة الهيئات والمؤسسات الدولية التي تعتبر فضاءات النقاش والتأثير على القرار الدولي.

 

المصادر

تحميل المزيد