على هامش «القمة الروسية الأفريقية» المنعقدة قبل ثلاثة أيّامٍ في مدينة سوتشي الروسية؛ إجتمع كل من الرئيس الجزائري المؤقت عبد القادر بن صالح ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. كان محور المحادثات هو العلاقات بين البلدين، كلّ شيءٍ إلى هنا عادي. إلّا أنّ غير العادي هو طمئنة الرئيس الجزائري المؤقت لنظيره الروسي عن الأوضاع في الجزائر، وشرحه الدقيق للوضع الداخلي الذي تشهده الجزائر، وطالبًا من بوتين أن لا يعتمد على وسائل الإعلام في تعاطيه مع الشأن الجزائري.

أثارت كلمة ابن صالح تلك والتي أذاعتها وسائل إعلامٍ روسية على المباشر سخط الجزائريين بين ناقمٍ عليها ومبررٍ لها، كما فتحت الأبواب أمام تفسير الصمت الدولي إزاء ما يحدث في الجزائر منذ ثمانية أشهر، وعن الدور الروسي في الحفاظ على السلطة الحالية.

في هذا التقرير نسلط الضوء على العلاقات المتنامية بين روسيا والسلطة في الجزائر على ضوء الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر.

«حامية الأصدقاء» روسيا حاضرة في الأزمة الجزائرية منذ بدايتها

«روسيا قلقة من الاحتجاجات في الجزائر، وتراها محاولة لزعزعة استقرار البلاد» *سيرغي لافروف

بُعيد إعلان بوتفليقة عن عدوله عن ترشحه وإلغائه للانتخابات التي كان من المزمع تنظيمها في 18 أبريل (نيسان) 2019؛ أبرقت وزارة الخارجية الروسية نظيرتها الجزائرية للاستفسار عن ما يحدث بالجزائر، ومؤكدةً من خلال الرسالة أنّ أحداث الجزائر شأن داخلي لدولة صديقة وتأمل بحل المشاكل بنهج بناء.

بوتفليقة والقايد صالح

بوتفليقة والقايد صالح

وقبل أسبوعٍ من تحديد الجيش الجزائري موقفه النهائي الرافض لبقاء بوتفليقة في الحكم، والدعوة إلى تطبيق المادة 102، وفي عزّ الحراك المليوني التي كانت تشهده الجزائر، أوفد الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة في 19 مارس (آذار) الماضي، نائب الوزير الأوّل السابق رمضان لعمامرة إلى موسكو في جولةٍ دوليةٍ قصد نيل دعمها في الإجراءات التي كان يعزم بوتفليقة تنفيذها للالتفاف على الحراك الشعبي بمبادرته التي أطلقها من أجل التغيير والتي لقيت رفضًا مطلقًا من الحراك الشعبي.

أطلع لعمامرة من خلال الزيارة نظيره الروسي سيرغي لافروف على تفاصيل الوضع الداخلي التي تشهده الجزائر، وعن الخطط التي ينوي بوتفليقة تنفيذها في المستقبل القريب من أجل الخروج من الأزمة؛ فكانت نتيجة الزيارة أن صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأنّ «موسكو تعول على قدرة النظام في وضع حدٍ للحراك واستقرار الوضع من خلال الحوار الوطني على أساس احترام الدستور الجزائري، وبالطبع احترام جميع الأطراف المعنية لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

كان تصريح لافروف بمثابة الضوء الأخضر للسلطة لتنفيذ مبادرة بوتفليقة للخروج من الأزمة؛ وبمجرد عودة لعمامرة من موسكو حتى استقبل بوتفليقة الدبلوماسي الأخضر الإبراهيمي وكلّفه بالحوار مع شباب الحراك غير أنّه فشله في ذلك، بسبب عدم جلوس أي أحدٍ معه.

Embed from Getty Images

رمضان لعمامرة و سيرغي لافروف

وبعد استقالة بوتفليقة في الثاني من أبريل الماضي رحبت موسكو بالخطوة وحذرت الدول الأجنبية من التدخل في الشأن الداخلي للجزائر، وجاء التعليق على لسان المتحدث الرسمي باسم الرئيس الروسي، دميتري بيسكوف الذي صرّح بأنّ روسيا تتابع بدقة الوضع في الجزائر وتؤكد على أنّه شأنٌ داخلي ولا ينبغي أن يكون هناك تدخل خارجي.

واستمر تحذير المسؤولين الروس بالتدخل في الشأن الجزائري طيلة أشهر الحراك؛ وهو ما فسّر التناول الدولي للأزمة الجزائرية؛ خصوصًا من الجانب الفرنسي الذي كان في وقتٍ ماض يتدخل في كلّ ما له شأن بالجزائر.

من جهته كثف السفير الروسي بالجزائر إيغور بيليايف لقائته مع الأحزاب السياسية الجزائرية، في الفترة الماضية لجس نبض كبرى الأحزاب الجزائرية وحثها على ضرورة القبول بالتوجه للانتخابات، والتقى السفير الروسي بكلٍ من الدكتور عبد الرزاق مقري رئيس حزب «حمس» كبرى أحزاب المعارضة، إضافةً إلى لقائه مع المكلف بإدارة حزب «جبهة التحرير الوطني»، إذ أبرز السفير الروسي دور بلاده في دعم خيارات الشعب الجزائري، وضرورة إقناع الجزائريين بالتوجه للرئاسيات في أقرب وقتٍ.

الجيش الجزائري بوابة روسيا للهيمنة على الجزائر

لا يختلف اثنان في الجزائر؛ بأنّ الجيش الجزائري هو أقرب المؤسسات قربًا من روسيا وقياداتها، بحكم العلاقات التاريخية التي ربطت الجزائر بالاتحاد السوفياتي سابقًا والدعم الذي قدمه الاتحاد للقضية الجزائرية إبّان الاحتلال الفرنسي.

وعلاوةً على ذلك؛ تلقى غالبية القيادات الحالية للجيش الجزائري، تدريباتهم العسكرية في موسكو منذ تولي الرئيس الراحل هواري بومدين الرئاسة سنة 1965 إثر انقلاب عسكري على الرئيس الراحل أحمد بن بلة، ولعلّ أبرز تلك القيادات التي تلقت تكوينها العسكري في المدارس العسكرية الروسية قائد أركان الجيش الحالي الفريق أحمد قايد صالح، شأنه في ذلك شأن قائد الحرس الجمهوري الجنرال بن علي بن علي.

Embed from Getty Images

إحدى القطع البحرية الروسية في السواحل الجزائرية

وبعيدًا عن دائرة الولاءات؛ شهدت الفترة الماضية عقد الجيش الجزائري لعدّة صفقات تسليح من روسيا؛ كانت آخرها الصفقة التي كشفت عنها صحيفة «فيدوموستي» الروسية وذكرت أن الجزائر وقعت صفقة طائرات «سو-30 إم كا إيه (أ)» و«ميج-29 إم إم2» في معرض الطيران «ماكس 2019». وأفاد مصدر صناعي عسكري للصحيفة بأنّ الجزائر وقعت صفقة شراء 30 طائرة روسية مقاتلة، وأشار المتحدث «أن الجزائر تعاقدت على شراء 16 طائرة من طراز «سو-30 إم كا إيه(أ)» و14 طائرة من طراز «ميج 29إم إم2» بقيمة إجمالية مقدارها 1.8 مليار دولار».

كذلك أفاد مصدر عسكري آخر بأنّ الجزائر تفكر في شراء مقاتلات الجيل الخامس الروسية «سو 57»، وأنّ المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها الجزائر تحول دون توقيع الصفقة في الوقت الحالي.

تجدر الإشارة إلى أنّ وسائل إعلام جزائرية أفادت بأنّ القيادة العسكرية الجزائرية أوفدت الشهر الماضي وفدًا بقيادة جنرال لمعاينة أحدث الطائرات المقاتلة الروسية والمعروفة باسم الشبح قبل توقيع صفقة اقتنائها.

 ومن ناحية منطلق رؤية الجيش الجزائري لحلّ الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد؛ بنت روسيا رؤيتها كذلك، انطلاقًا من ضرورة احترام الدستور الجزائري والتوجه في أقرب فرصة للانتخابات الرئاسية، كما كانت موسكو الحصن القوي للمؤسسة العسكرية من أي تدخلٍ خارجي.

الحراك الشعبي ينقل الجزائر من المعسكر الفرنسي إلى الحضن الروسي

كانت فرنسا وإلى فترة ليست بالبعيدة، من أكثر الدول المتدخلة في الشأن الجزائري، ومنذ اليوم الأوّل في التظاهرات رفع الجزائريون شعاراتٍ مناوئة لفرنسا، وتدعو إلى التحرر من التبعية لها والتي لا تزال الجزائر تعاني منها منذ استقلالها سنة 1962. ولوضع حدٍ لهذه التدخلات أعلنت موسكو باكرًا موقفها من الأزمة الجزائرية واختارت الاصطفاف خلف الجيش الجزائري ودعمه في رؤيته لحلّ الأزمة، محذرةً كلًا من فرنسا وأمريكا اللتين اعتادتا التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر من التدخل هذه المرّة.

استطاعت الضغوط الروسية أن تحيّد كلًا من فرنسا والدول الأجنبية من التدخل في الجزائر؛ فلم تصدر فرنسا أيّ ردّ فعلٍ عن الحراك الشعبي غير تصريحات متقاطعة تدعم فيها الحراك الشعبي وتدعو إلى تجنب العنف.

وتعد فرنسا من أكثر الدول التي تأثرت مصالحها بالجزائر نتيجة الحراك الشعبي؛ فعلاوةً على سقوط أكثر الأنظمة ولاءً لفرنسا منذ الاستقلال، زادت نفور المؤسسة العسكرية -الحاكم الفعلي للبلاد- من فرنسا، ووصل به الأمر إلى مهاجمتها و اتهامها بالتخطيط إلى الفوضى بالجزائر.

على الجانب الآخر ازدادت العلاقات الروسية الجزائرية متانةً، وكان آخر فصولها زيارة رئيس الدولة عبد القادر بن صالح إلى موسكو ولقائه بالرئيس بوتين، أين تبادلا الطرفان الرؤى بخصوص المستقبل الجزائر، وهي الزيارة التي خلّفت جدلًا كبيرًا في الجزائر لأنها قُرأت على أنّ الجزائر صارت تابعةً لروسيا بعد أن كانت تابعةً في السابق إلى باريس.

«عرّابة الانقلابات في أفريقيا».. هل تقود فرنسا قريبًا انقلابًا في الجزائر؟

المصادر

تحميل المزيد