تسعى الدبلوماسية الخارجية الجزائرية إلى العودة بصورة واضحة إلى الساحة الأفريقية، وعليه؛ اختارت مؤخرًا العودة عبر بوابة أكبر ملفٍ فشلت الجهود الدبلوماسية العالمية في إيجاد حلٍ له أو على الأقل الوصول إلى تسوية ترضي أطراف الصراع: «أزمة سد النهضة».

فالزيارة الثلاثية التي قام بها وزير الخارجية الجزائري المخضرم رمطان لعمامرة مؤخرًا لأطراف الصراع؛ إثيوبيا والسودان ومصر، حملت مساعي الجزائر الجدية في التوسط بين الدول الثلاث من أجل الوصول إلى تسوية سياسية بخصوص أزمة سد النهضة، التي تنذر باحتمال وقوع كارثة قد تتجاوز أبعادها حدود الدول الثلاث، ما قد يؤثر في مستقبل القارة الأفريقية بأكملها.

مساعي الجزائر ونواياها تلك؛ التقطتها إثيوبيا بدعوتها الجزائر إلى التوسط في الملف قصد تصحيح ما وصفته أديس أبابا بـ«التصورات الخطأ» لجامعة الدول العربية، وقبول الخرطوم لعب الجزائر دورًا في حلحلة أزمة العقد بأفريقيا.

فهل تستطيع الجزائر تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة على ماء النيل؟ وما حظوظ مبادرة الجزائر في حل أزمة سد النهضة؟

«مبادرة قادمة من الغرب»..  هل تنجح مساعي الجزائر في إعادة التفاوض بين دول المصب؟

في 28 يوليو (تموز) الفائت؛ حطت طائرة وزير الخارجية الجزائري في مطار أديس أبابا؛ لينزل منها الدبلوماسي الجزائري  المخضرم – العائد إلى الواجهة من جديد –  رمطان لعمامرة، مرتديًا الثوب الذي لطالما ارتدته الدبلوماسية الجزائرية في السابق، وهو محاولة التوسط وتقريب وجهات النظر.

Embed from Getty Images

التقطت أديس أبابا مساعي الجزائر وجهودها للعودة إلى الساحة الأفريقية من خلال تفعيل دبلوماسيتها، فطلبت رسميًّا من الجزائر التوسط في أزمة سد النهضة؛ إذ طلب نائب رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير خارجيتها، ديميكي ميكونين، من رمطان لعمامرة لعب دور بنَّاء فيما أسماه «تصحيح التصورات الخاطئة» لجامعة الدول العربية بشأن سد النهضة، مؤكدًا «نوايا إثيوبيا في الاستخدام العادل والمنصف لمياه النيل».

وبحسب مراقبين؛ يبدو أنَّ موقف الجزائر من أزمة سد النهضة، الذي اتسم بشكل كبيرٍ بالحياد الإيجابي وعلاقاتها الإيجابية بكلٍ من السودان ومصر، دفع الجانب الإثيوبي إلى الاستعانة بها للتوسط نحو جولةٍ جديدةٍ من المفاوضات حول الأزمة.

وبالعودة إلى تفاصيل الأزمة، فقد وقَّع ممثلو الدول الثلاث (إثيوبيا ومصر والسودان) في 23 مارس (آذار) 2015، على وثيقة «إعلان مبادئ سد النهضة» لتسوية النزاعات. ونصت المادة رقم 10 في بنود هذه الوثيقة على أن: «تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض، وفقًا لمبدأ حسن النوايا».

وتضيف المادة العاشرة، أنه «إذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، يمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول أو رئيس الحكومة».

وأمام الانسداد الذي بات سمة أي تفاوض مباشر بين الدول الثلاث، حملت تلك المادة فرصة للجزائر من أجل إعمال دبلوماسيتها في حلحلة الأزمة.

وبالفعل لم تتأخر الجزائر في عرض مبادرتها لحلحلة الأزمة؛ فطار لعمامرة إلى الخرطوم؛ ليكون أول مسؤول جزائري يزور السودان منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر حسن البشير، سنة 2019. وخلال هذه الزيارة التقى لعمامرة مع رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح برهان، وكذا مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك.

بعد دخولها على خط الأزمة.. هل تنجح الجزائر في حل أزمة سد النهضة؟

وزيرة خارجية السودان تؤكد لنظيرها الجزائري سعي الخرطوم لحل دبلوماسي لأزمة سد النهضة، مصدر الصورة (شبكة يمن تيلجراف الإخبارية)

كما عقد مباحثات موسعة مع نظيرته السودانية مريم الصادق المهدي، جرى خلالها تناول المبادرة الجزائرية «لتقريب وجهات النظر بين دول مصر والسودان وإثيوبيا» حول  ملف سد النهضة، وهي المبادرة التي لاقت ترحيبًا من السلطات السودانية.

وأعربت وزيرة الخارجية السودانية لنظيرها الجزائري عن أمل الخرطوم في أن تعود إثيوبيا بنفسها لمعالجة الوضع السوداني بمسؤولية وإرادة، مضيفةً أن السودان قلق من الوضع في إثيوبيا وحريص على استقراره.

بعد الخرطوم توجه وزير الخارجية الجزائري إلى القاهرة للقاء الرئيس المصري ووزير خارجيته، وفي خلال لقائه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، جدد الرئيس المصري تأكيد موقف بلاده الثابت بالتمسك بحقوقها التاريخية من مياه النيل، داعيًا إلى «اتفاق شامل وملزم قانونًا حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة».

السيسي يستقبل وزير خارجية الجزائر، مصدر الصورة (مواقع التواصل)

من جهته أكَّد سامح شكري، وزير الخارجية المصري، لرمطان لعمامرة؛ طلب مصر والسودان مشاركة أطراف دولية بقيادة جمهورية الكونغو الديمقراطية في المساعي للدفع نحو تسوية لملف أزمة السد.

وحتى كتابة هذه السطور، لم يجر الكشف عن تفاصيل المبادرة الجزائرية لحلحلة الأزمة، غير أنَّ مصادر إعلامية مصرية، أشارت إلى أن وزيرة خارجية السودان، مريم الصادق، ألمحت في أول تفسير لها حول مبادرة الجزائر باستخدام المادة 10 السابق ذكرها؛ احتمالية طرح لعمامرة لفكرة «عقد قمة على مستوي الرؤساء برعاية جزائرية، تجمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس مجلس السيادة السودانى، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، خاصة أن محاولات اجتماع رؤساء الحكومات، لم ينتج منها حلول مُرضية للدول الثلاثة».

تجدر الإشارة إلى أنَّه سبق وأن عُقدت قمة ثلاثية جمعت الأطراف الثلاثة في فبراير (شباط) 2019 بأديس أبابا على هامش قمة الاتحاد الأفريقي؛ وانتهت بتأكيد ضرورة العمل للتوصل إلى توافق حول جميع المسائل العالقة بشأن مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، كما أعقبتها لقاءات أخرى بين الأطراف الثلاثة دون إجراءات فعلية على أرض الواقع.

وجدير بالذكر أيضًا أنَّ المفاوضات بين الدول الثلاث؛ توقفت منذ جولة مفاوضات كينشاسا برعاية الاتحاد الأفريقي في أبريل (نيسان) الماضي، ما دفع السودان ومصر للجوء إلى مجلس الأمن الدولي لوضع منهجية جديدة للتفاوض؛ غير أن مجلس الأمن أعاد كرة التفاوض إلى ملعب الاتحاد الأفريقي.

وأعلنت إثيوبيا، مع بداية شهر يوليو (تموز) الفائت، البدء في الملء الثاني لسد النهضة، وهو الأمر الذي رفضته كلٌّ من مصر والسودان بوصفه إجراءً أحاديًّا يقوِّض المفاوضات التي تسعى الأطراف لاستئنافها.

الفرصة الأخيرة.. ما هي حظوظ الجزائر في حلحلة أزمة سد النهضة؟

بتاريخها الدبلوماسي المشرف في الوساطات بالأزمات؛ وبعودة الدبلوماسي القديم والعارف بالخبايا الأفريقية والعربية، رمطان لعمامرة، لقيادة السياسة الخارجية؛ تفتتح الجزائر مساعيها للعودة إلى التأثير الدبلوماسي في الساحة الأفريقية والعربية من خلال دخول خط أزمة سد النهضة من بوابة «عرض الوساطة».

الكثير من الآمال تعقد على الخطوة الجزائرية، كونها – حسب الكثير من المحللين – آخر فرصة لتسوية ملف سد النهضة؛ بعد أن وصل طريق المفاوضات إلى بوابة مغلقة.

فيرى الدكتور ياسين أحمد، مدير المعهد الإثيوبي للدراسات الشعبية في مقابلة له ضمن «برنامج المسائية»، الذي يبثُّ على فضائية «الجزيرة مباشر»: أنَّ «إثيوبيا ترحب بالوساطة الجزائرية، كون الجزائر لها من رصيد في العمل الدبلوماسي، وتتسم دبلوماسيتها بجمع الأطراف الثلاثة لتقريب وجهات النظر. وأن لإثيوبيا تجربة مع الدبلوماسية الجزائرية حين توسطت الأخيرة بين إثيوبيا وإريتريا سنة 2000 بعد حرب الحدود بين البلدين»، وأضاف أحمد بأن الجزائر «قد تنجح في  الوساطة بين الدول الثلاث إذا توفرت الإرادة السياسية».

Embed from Getty Images

من جهته يرى الخبير العسكري والإستراتيجي المصري، اللواء سمير راغب، في تصريح لوكالة «سبوتنيك»، أن الجزائر يمكن أن تستثمر الهدوء الحالي بين الدول الثلاث بعد التأكد من عدم الضرر في حصص المياه على الأقل لمدة عام قادم، وأن الفرصة قد تكون مواتية لتقريب وجهات النظر، خاصة مع رفض إثيوبيا الدور الغربي ضامنًا أو مراقبًا للمفاوضات.

على جانب آخر، يرى الخبير السوداني، والعضو المستقيل من «اللجنة الوطنية السودانية لسد النهضة»، دكتور أحمد المفتي، أن مساعي الجزائر للتوسط سوف تفشل في التوفيق بين الأطراف، إن لم تشترط وقف الملء والتشييد، إلى حين الوصول إلى اتفاق ملزم؛ وأضاف المفتي في منشور له على صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك» بأنه «ليس هنالك ما يدعو إثيوبيا للقبول بذلك، إلَّا إذا جرى الضغط عليها أو إغرائها أكثر».

وبالرغم من أن الجزائر تمتلك علاقات متميزة مع كافة أطراف أزمة سد النهضة، قد تُمكنها من أن تلعب دور الوساطة في  الأزمة، ناهيك عن احتضانها للقمة العربية المقبلة وموقعها في الاتحاد الأفريقي الذي يسهل من جهودها في إنجاح المهمة؛ فإنه لا يمكن الجزم بنجاح الجزائر في تقريب وجهات النظر من عدمه، إذا وقف كل فريق في موضعه، رافضًا التنازلات أو الحلول الوسط، لكن بعض المحللين والمراقبين، يعلقون الآمال على الوساطة الجزائرية هذه، فهل تنجح؟ هذا ما سنراقبه في الأيام القادمة.

دولي

منذ 4 شهور
«المونيتور»: كيف توازن السعودية بين دعم مصر في أزمة سد النهضة وعلاقاتها مع إثيوبيا؟

المصادر

تحميل المزيد