مع اقتراب موعد الاستفتاء على الدستور الجزائري الجديد؛ والذي من المحتمل أن يغيِّر عقيدة الجيش الجزائري لا يقاتل سوى على حدوده، التي لازمت الجيش الجزائري منذ سبعينيات القرن الماضي، بعد إقرار «مواد دستورية» تسمح للجيش الجزائري بالمشاركة في عملياتٍ عسكرية خارج الحدود؛ استقبلت الجزائر خلال الأسابيع الماضية شخصياتٍ عسكرية رفيعة من روسيا وأمريكا، ذهبت خصيصًا من أجل أخذ صورة مقرَّبة عن منظور الجزائر العسكري والأمني للعديد من القضايا الإقليمية التي  تؤرق العالم اليوم. 

فلم يمضِ سوى يومين من إقلاع طائرة وفدٍ عسكري روسي رفيع المستوى من مطار الجزائر الدولي، حتى حطت طائرة وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، في أوَّل زيارة لوزير دفاعٍ أمريكي منذ 14 سنة للجزائر، وذلك بعد بروز مؤشرات إلى احتمالية مشاركة الجزائر عسكريًّا في الأزمات التي تشهدها المنطقة المغاربية والساحل الأفريقي.

عربي

منذ شهر
وفيات غامضة وقرارات إقالة.. هل يتخلص الجيش الجزائري من رجال القايد صالح؟

هل يُصبح الجيش الجزائري يد موسكو التي تصفع بها خصومها في ليبيا ومالي؟

لا يختلف اثنان في الجزائر على أنَّ مواقف البلد من عدَّة قضايا إقليمية بعد الاستفتاء القادم لن تكون مثل سابقتها؛ فالجزائر تلك الدولة التي التزمت سياسة الحياد الإيجابي لسنواتٍ عديدة في العديد من القضايا الإقليمية المشتعلة على حدودها، ستجد نفسها أمام خيار آخر متمثلًا في الخيار العسكري؛ خصوصًا في الأزمتين المالية والليبية؛ وذلك بعد أن سمحت مسودة الدستور الجديد المستفتى عليه في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) للجيش الجزائري بالمشاركة في عمليات عسكرية خارج حدوده. 

وبحكم أنَّها أبرز حليف عسكري للجزائر؛ تراقب موسكو التطورات الحاصلة في عقيدة الجيش الجزائري من بعيد، وهي الدولة التي  فشلت  كثيرًا – سابقًا – في  إقناع العسكريين الجزائريين بضرورة التدخل العسكري في ليبيا على خلفية سيطرة «تنظيم الدولة (داعش)» على مساحاتٍ واسعة من الأراضي الليبية سنة 2016. 

وفي خضمِّ النقاش الدائر بالجزائر حول مشاركة الجيش الجزائري في عمليات خارج حدوده في يونيو (حزيران) الماضي؛ التقى قائد الأركان الجزائري، الفريق سعيد شنقريحة، رفقة وفدٍ عسكريٍ رفيع المستوى بالعاصمة موسكو، نائب وزير الدفاع الروسي، الفريق فومين الكسندر فاسيليفيتش؛ حيث تناولت المباحثات بين الوفدين الخيار العسكري الجديد للجزائر ومواقف البلدين من الأزمة في ليبيا، وسبل تطوير العلاقات بين الجيشين الروسي والجزائري. 

وفي الأسبوع الماضي، وبعد أيَّامٍ من زيارة قائد القوات الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» الجنرال ستيفن تاون ساند إلى الجزائر ولقائه بتبون؛ وصل وفدٌ عسكري روسي رفيع المستوى إلى الجزائر بقيادة الفريق ديمتري شوقاييف، مدير المصلحة الفيدرالية للتعاون العسكري والتقني، وتناول اللقاء مستجدات الساحة الإقليمية في كلٍ من مالي وليبيا وسبل تطوير العلاقات بين الجيش الجزائري ونظيره الروسي. 

ووفق أحدث الإحصائيات؛ ما تزال موسكو المهيمن على تسليح الجيش الجزائري وتدريبه؛ إذ تشير إحصائيات «معهد ستوكهولم لأبحاث السلام» إلى أنَّ روسيا استحوذت على 67% من عقود تسليح الجزائر للعام 2019 و2020 بصفقات ناهزت قيمتها 7 مليارات دولار، بينما تشير إحصائيات أخرى إلى أن 90% من سلاح الجيش الجزائري؛ روسي الصنع.  

وتحرص الجزائر في السنوات الأخيرة على تحديث ترسانتها العسكرية؛ وأمام المنع الذي تمارسه الدول الأوروبية وأمريكا على بعض الأسلحة الدفاعية والقتالية المتطوِّرة، وجدت الجزائر ضالتها في الأسلحة الروسية؛ خصوصًا أنه بحكم العلاقة المميَّزة بين موسكو والجزائر لم تضع  وزارة الدفاع الروسية سقفًا حتى الآن لنوع الأسلحة المتطوّرة المسموح بتصديرها للجزائر، حسب خبراء في الشؤون العسكرية والاستراتيجية.

أمريكا تأمل في دورٍ عسكري فعَّال للجزائر بمنطقة الساحل

بينما تسارع السلطات الجزائرية التحضير للاستفتاء على دستورها الجديد، الذي سيسمح لأوَّل مرة للجيش الجزائري بالقتال خارج حدوده؛ تسارع الولايات المتحدة الأمريكية لإحياء الشراكة الاستراتيجية مع الجيش الجزائري؛ وذلك تحسبًا لعملياتٍ عسكرية تدخل في إطار الحرب على الإرهاب. وذلك ما تفسِّره الزيارات المتتالية الأخيرة لمسؤولين عسكريين من الولايات المتحدة إلى الجزائر، على الرغم من أنها ليست حليفًا تقليديًّا لأمريكا.

دولي

منذ 4 شهور
الكل يتسابق لنيل دعمها في ليبيا.. فلمن تحسم أمريكا خيارها؟

فقبل أيامٍ من الذكرى التاسعة عشرة لأحداث 11 سبتمبر (أيلول)، نزل قائد القوات الأمريكية بأفريقيا، الجنرال ستيفن تاون ساند، ضيفًا على الجزائر، حيث استقبله وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلّحة الجزائرية، الرئيس عبد المجيد تبون، وكانت مكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي وشمال أفريقيا وسبل مساعدة الجزائرية في ذلك، الموضوع الأساسي في المباحثات بين البلدين. 

وقال بيان أصدرته «أفريكوم»: إن «اللقاء استهدف مناقشة قضايا الأمن الإقليمي ومجالات التعاون»، بما في ذلك الصراع في ليبيا، والتمرد الأخير في مالي. ووفق البيان، بحث تاون ساند وتبُّون «تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون في مجالات الاهتمام المشتركة، بما في ذلك الاستقرار الإقليمي، والحاجة إلى إضعاف تأثير التنظيمات المتطرفة، مثل تنظيم  القاعدة في  بلاد المغرب الإسلامي».

ونقل البيان أيضًا عن الجنرال تاون ساند قوله: «لدينا الكثير لنتعلَّمه ونتشاركه معًا. إن تعزيز هذه العلاقة مهم جدًّا بالنسبة لنا، فالجزائر شريك ملتزم بمحاربة الإرهاب، وتؤدي دورًا محوريًّا في أمن منطقة شمال أفريقيا والمتوسط».

كذلك خصَّ قائد «أفريكوم» وزير الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم، بلقاء لمناقشة مواقف الجزائر في كلٍ من ليبيا ومالي، إذ عد الجنرال تاون ساند أن «الجزائر يمكن أن تضطلع بدور جد مهم لضمان الأمن والسلم في كل أرجاء المنطقة»، وتُعدُّ هذه أول زيارة يجريها قائد لـ«أفريكوم» إلى الجزائر منذ 2018. 

 

ولم تمض سوى ثلاثة أسابيع على تلك الزيارة؛ حتى حطت طائرة وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، بالجزائر، في  أوَّل زيارة من نوعها لوزير دفاع أمريكي منذ زيارة دونالد رامسفيلد سنة 2006. 

جاءت زيارة مارك إسبر، حسب بيانٍ لوزارة الدفاع الأمريكية، لتأكيد دعم واشنطن للتعاون بين الجيش الجزائري، خاصة في مجال تبادل الخبرات والتدريب العسكري، وتنسيق جهود محاربة الإرهاب في منطقة شمال أفريقيا والساحل، بالنظر إلى الدور القيادي الذي تلعبه الجزائر في الحفاظ على أمن المنطقة، وختم إسبر زيارته للجزائر بالقول إنَّ الجزائر الآن «شريكٌ مهمٌ للغاية في المنطقة لجهة الأمن والاستقرار الإقليميين، وكذلك في مكافحة الإرهاب».


يأتي الاهتمام الأمريكي الأخير بالجزائر وجيشها، حسب مسؤولٍ في وزارة الدفاع الأمريكية، إلى قرار السلطات الجزائرية بالسماح للجيش الجزائري بالمشاركة في العمليات العسكرية خارج حدوده، من خلال مادة جديدة في الدستور المنتظر التصويت عليه في الأول من نوفمبر القادم. 

وفي هذا الصدد يشير مسعودي بشير، الباحث في  التاريخ، إلى أن  «أوَّل حرب شاركت فيها القوات الأمريكية بعد اعتماد دستور أمريكي يسمح بقتال القوات الأمريكية خارج الحدود كانت ضدَّ إيالات الجزائر وطرابلس سنة 1801؛ واليوم أمريكا تنتظر من الجيش الجزائري أن تكون منطقة شمال أفريقيا والساحل المكان المناسب لمساهمة الجيش الجزائري في الأمن الإقليمي والعالمي». 

حفظ سلام أم مشاركة في الحروب.. لماذا تريد الجزائر مشاركة جيشها في الصراعات الإقليمية؟

أثارت التعديلات الدستورية الجديدة القاضية بالسماح للجيش الجزائري بالمشاركة في عمليات عسكرية خارج حدوده، جدلًا واسعًا بين الجزائريين؛ وهي المواد التي كانت سببًا في انقسام الجزائريين حول الدستور القادم، بين رافضٍ لفكرة إرسال جنودٍ جزائريين إلى خارج الحدود ومعتبرًا إيَّاها مدخلًا لتهديد الأمن القومي الجزائري، وبين مرحبٍ بالفكرة ومشيرًا إلى أنَّ هذه الخطوة تأخرت كثيرًا. 

وتشير المادة 31 من الدستور المستفتى عليه مطلع الشهر القادم إلى أنَّه «يمكن للجزائر في إطار الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، وفي ظل الامتثال العام لمبادئها وأهدافها، أن تشارك في عمليات حفظ واستعادة السلام»، أمَّا المادة 95 فتنصُّ على أنَّ بإمكان رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، أن «يقرر إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين من أعضائه».

ويرى الرئيس الجزائري في قرار إرسال وحداتٍ عسكرية من جيشه  إلى الخارج أنه يأتي في  إطار مرحلةٍ جديدة من الدبلوماسية الجزائرية تعطي للجزائر «حق المساهمة في حفظ الأمن الدولي تحت راية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي» كمَّا أكَّد تبون أن جيش بلاده «لن يشارك أبدًا في عمليات عدوان»، وأنَّ إقرار إرسال وحدات عسكرية جزائرية إلى الخارج «سيتم بصفة ديمقراطية وبموافقة ثلثي البرلمان».

الجيش الجزائري ثاني أقوى جيش في أفريقيا

بينما ترى وزارة الدفاع الجزائرية على لسان «مجلة الجيش» أنَّ «مقترح مشاركة الجيش الوطني الشعبي في عمليات حفظ السلام خارج حدودنا الوطنية يتماشى تمامًا مع السياسة الخارجية لبلادنا، التي تقوم على مبادئ ثابتة وراسخة تمنع اللجوء إلى الحرب، وتدعو إلى السلام، وتنأى عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتحرص على فض النزاعات الدولية بالطرق السلمية؛ تماشيًا مع قرارات الشرعية الدولية ممثلة في الهيئات الدولية والإقليمية».

أمَّا البرلمان الجزائري فيرى مشاركة الجيش الجزائري في عمليات عسكرية فرصة لحماية الأمن القومي وتفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك مع الدول الصديقة والحليفة، وبهذا الصدد يشير النائب عبد الوهاب بن زعيم، عضو مجلس الأمة الجزائري، إلى أنَّ «مشروع الدستور منح حق الجيش في التدخل الخارجي حال الاعتداء على التراب الجزائري، بما يسمح له بمتابعة المجرمين خارج الحدود الذين اعتدوا على التراب الجزائري».

وشدد على أن «الدفاع العربي المشترك، وأن تعديل مشروع الدستور يساهم في حماية التراب الجزائري وبعض الدول العربية التي بينها وبين الجزائر اتفاقية دفاع عربي مشترك»، بحسب تصريحاته لموقع «سبوتنيك».

يقول عبد إله عبد الله طالب العلوم السياسية في جامعة الجزائر في حديثه مع «ساسة بوست»  إنَّ «قرار الجيش الجزائري إنهاء مرحلة الجندي المتفرج على الصراع الدائر حول حدود بلاده، أسال لعاب الكثير من الدول الغارقة في الصراع في ليبيا ومالي، والتي أجبرها الصراع على تكبُّد خسائر بشرية كبيرة؛ والآن ترى في الجيش الجزائري المنقذ والقادر على تحمُّل باقي فاتورة الصراع». 

وتجدر الإشارة إلى أنَّه سبق للجزائر أن شاركت بالفعل في عدة مهمات لحفظ السلام بمناطق عديدة عبر العالم، أبرزها في عام 1976 بلبنان إلى جانب القوات السورية، ومن 1991 إلى 1993 في كمبوديا، وفي 1999 بجمهورية الكونغو الديمقراطية، وعام 2000 في مراقبة اتفاق وقف الأعمال العدائية بين إثيوبيا وإريتريا، أو في عام 2004 في هايتي.

عربي

منذ شهرين
أسوةً ببوتفليقة.. هكذا يستغل تبون التاريخ الجزائري سياسيًّا

كما شارك الجيش الجزائري في حروبٍ عديدة خارج حدوده؛ من خلال مشاركته في حرب الأيام الستة عام 1967 وفي حرب 6 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، وفيما يُطلق عليه «حرب الاستنزاف» بين عامي 1969 و1970. كما أرسلت طائرات ميج 21 إلى ليبيا في عام 1973 ضد التوغلات الأمريكية، أو حتى الدوريات في موريتانيا عام 1976 ضد الإسبان. 

ويتابع المراقبون للشؤون الأمنية والعسكرية بالجزائر الموقف الفرنسي من قرار الجزائر السماح لجيشها بالمشاركة في عملياتٍ بالخارج؛ خصوصًا أنَّ فرنسا التي دعت الجزائر كثيرًا في العلن ​​إلى مشاركة عسكرية أكبر خارج حدودها؛ تمرُّ علاقتها بالجيش الجزائري منذ سقوط بوتفليقة بأزمةٍ كبيرة، وهو الأمر الذي يفسِّر الصمت الرسمي الفرنسي حتى الآن، من التغير الحاصل في عقيدة الجيش الجزائري.

المصادر

تحميل المزيد