مشهدان شديدا التناقض عرفتهما الجزائر يوم الخميس الماضي 12 ديسمبر (كانون الثاني)، فبينما كانت مكاتب الاقتراع مفتوحة لاستقبال المصوّتين في انتخابات الرئاسة؛ كانت شوارع أغلب المدن الجزائريّة تهتزّ على وقع المسيرات الحاشدة للمتظاهرين الرافضين بصورة قاطعة لهذه الانتخابات، وهم يهتفون اعتراضًا على إصرار السلطة على إجراء الانتخابات في ظروفها الحاليّة. 

وقد أعلنت «السلطة العليا المستقلّة للانتخابات»، أن الفائز في الانتخابات الرئاسيّة هو عبد المجيد تبّون، الوزير الأوّل السابق ومرشّح النظام الأوّل حسب مراقبين، بنسبة 58% من الأصوات. وقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات حسبما أعلنته السلطات حوالي 40%، بينما يشكّك المشاركون بالحراك في هذه الأرقام بشدّة.

انتخايات الرئاسة في الجزائر والحراك الشعبي

لكن رغم الاحتجاجات الحاشدة التي شهدتها العديد من المدن الجزائريّة على مدار أسبوع كامل سابق للانتخابات، نجحت السلطة في تمريرها، ونجحت أيضًا في إقناع عدد معتبر من الفئات الشعبيّة للمشاركة فيها – رغم الجدل حول حقيقة نسب المشاركة التي يرى الكثيرون أنّها مزوّرة- وبالتالي فإنّ الحراك الشعبي الجزائري يواجه العديد من التحديات المستقبليّة، خصوصًا بعد دعوة الرئيس الجديد الحراك إلى الحوار، فما هو مستقبل الحراك بعد نجاح الانتخابات؟

«خيبة ممزوجة بالعزيمة على مواصلة النضال»

بالنسبة للكثير من المشاركين في الحراك الشعبي المستمرّ منذ أكثر من تسعة أشهر، فإنّه لا مجال للتوقّف عن الضغط على السلطة من خلال استمرار الحراك الشعبي، خصوصًا في ظلّ بقاء المعتقلين في السجون وحملات القمع التي طالت المحتجّين في مدُن الغرب الجزائري، مثل محافظة سيدي بلعباس وسعيدة، والفيديوهات الصادمة التي جاءت من مدينة وهران، والتي تصوّر قوّات الشرطة وهي تعتدي بعدوانية كبيرة على المتظاهرين ضدّ الانتخابات، بينما يهتفون «سلمية سلمية».

وقد عرفت الجُمعة 43 التي عرفت إعلان تبّون فائزًا في الانتخابات، احتجاجات في العديد من المدن، رافضين الرئيس الجديد ومعتبرينه غير شرعيّ، وقد ردّدوا شعارات من بينها «انتخابات غير شرعيّة، نحن رافضون لها» و«الله أكبر، مافوطيناش (لم ننتخب)» .

وبالتالي فإن نشطاء الحراك يرون أن الانتخابات الرئاسيّة التي فرضتها السلطة في 12 ديسمبر الماضي ستُعقّد المشهد أكثر، بدلًا من أن تشكّل حلًّا سياسيًّا كما أرادت السلطة. وفي تعليقه حول الواقع الذي فرضته الانتخابات الرئاسيّة وإعلان عبد المجيد تبّون رئيسًا، يقول خالد حسن، رئيس تحرير «صحيفة الأمّة» في تصريحه لـ«ساسة بوست» إن «الانتخابات وما تمخّض عنها من تعيين رئيس من سُلطة العسكر، رسّخت قناعة الحراك في معظمه، أن لا خيار في مواجهة مكابرة السلطة الفعلية وتعنتها وانغلاقها على مسلكها المفروض على الشعب؛ إلا بتكثيف الضغط الشعبي والدفع السياسي، لن تتغير السلطة من داخلها، هذا وهم، ولا هم مستعدون أصلًا لأي تنازل، إلا إذا حشروا في زاوية ضيقة واضطروا إليه اضطرارًا بقوة الدفع الشعبي».

ولا يمكن تجاهُل بعض مشاعر الإحباط والخيبة التي عمّت النشطاء بعد تمرير الانتخابات الرئاسيّة المرفوضة من طرف الحراك، وإعلان الوزير الأوّل السابق تبّون رئيسًا، لكن في المُقابل يؤكّد الحراكيّون أن هذا لن يعني أبدًا التوقّف عن النضال. تقول نُزهة خلالف، الناشطة الطُلاّبية في جامعة قسنطينة: «شعوري بعد تمرير الانتخابات هو شعور خيبة ممزوجة بالعزيمة على مواصلة النضال. لقد كشفت انتخابات 12 ديسمبر إصرار السلطة على الآليات والممارسات ذاتها، الأمر الذي خلق إصرارًا مضادًا لدى الحراك على مطلب القطيعة مع هذه الممارسات».

أبرز 5 تحديات تنتظر الرئيس الجزائري الجديد

تبون والحوار.. مسعى للحلّ أم هديّة مسمومة؟

في أولى خطاباته بعد إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسيّة، أكّد الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون عزمه الحوار مع الحراك الشعبي؛ إذ قال في المؤتمر الصحافي: «حان وقت العمل، بلا تهميش ولا إقصاء، وللمّ الشمل، دون أي نزعة انتقام كما يروّج لها، بل على العكس تمامًا، سأعمل جاهدًا على طي صفحة الماضي، وفتح صفحة «الجمهورية الجديدة»، بعقلية جديدة، وأخلاق جديدة، ومنهجيّة جديدة».  وأضاف تبون: «أتوجه مباشرة للحراك الذي أمّد له يدي، لحوار جاد من أجل الجزائر، والجزائر فقط».

مبادرة الحوار التي أطلقها الرئيس الجديد عبد المجيد تبون، في أوّل خطاباته كانت لها ارتدادات قويّة على معسكر الحراك، بين من عدها مجرّد مناورة جديدة من مناورات السلطة، التي تريد من خلالها تفكيك الحراك، وإدخاله في دهاليز المفاوضات التي لا تنتهي، والتي يُخشى أن تؤدي إلى تحوّل الحراك من ضغط شعبي احتجاجيّ إلى مجرّد نقاشات في الغرف المغلقة بين السلطة وممثلين عن الحراك، فيما رأى البعض إمكانية الحوار مع السلطة ولكن بشروط مسبقة، من بينها إطلاق سراح المعتقلين، وتحرير الإعلام، وإيقاف القمع ضد المحتجّين، وهو الرأي الذي تبنّته بعض الأحزاب المُعارضة مثل «جيل جديد» لرئيسه جيلالي سفيان، و«حركة مجتمع السلم» الإسلامية. 

ترى الناشطة الطلاّبية نُزهة خلالف في تصريحها لـ«ساسة بوست» أن الحراك لم يحسم أمره من مسألة الحوار: «يبدو الجميع متوجسًا، بين مرحب متردد وبين رافض من منطلق أن تبون رئيس غير شرعي، وأن الحوار لا يكون إلا مع السلطة الفعلية. ما يتفق حوله الجميع هو إطلاق سراح معتقلي الرأي وتحرير وسائل الإعلام كشرطين أساسين للنظر في أية دعوة للحوار.»

وقد عرف الشارع الجزائريّ تصعيدًا استثنائيًّا في الأيام القليلة التي سبقت الانتخابات الرئاسيّة، إذ عرفت العديد من المدن الجزائري مظاهرات يوميّة حاشدة وأخرى ليليّة، بالإضافة إلى إضراب عام وإغلاق للمحلاّت في عدّة مناطق، إلاّ أن كل ذلك لم ينجح في إيقاف قطار الانتخابات التي أصرّت السلطة على إجرائها في موعدها، ليُعلن فوز مرشّح النظام ووالوزير الأوّل السابق عبد المجيد تبون بالرئاسة. 

تبون والحراك الجزائري

هل ستتغيّر مُقاربة النظام واستراتيجيّته تجاه السلطة بعد أن نجحت في تمرير الانتخابات الرئاسيّة وفوز تبون؟ تعلّق الناشطة الطلاّبية نزهة خلالف أن «من الخطأ اختزال الحراك في المسيرات، يوميةً كانت أم أسبوعية أو حتى ليليّة. الحراك هو استفاقة شعب، والمسيرات ليست سوى أحد مؤشرات هذه الاستفاقة. قد لا تستمر المسيرات لكن الحراك سيستمر بصور وأشكال أخرى؛ لأنه حتمية تاريخية لا مفر منها. لقد دقت ساعة التغيير.». 

وتضيف حول إعلان السلطة فوز تبون بالرئاسيات: «تبون هو أحد وجوه السلطة المرسكلة، يدور الحديث منذ ثلاث سنوات عن كونه خليفة محتملًا لبوتفليقة، ووصف منذ إعلانه نية الترشح للانتخابات بمرشح الجيش، لا أعتقد أن أحدًا قد تفاجأ لدى تعيينه رئيسًا.

بالنسبة للحراك، تبون ليس إلا دمية جديدة، واجهة سياسية رثة أكدت المسيرات التي خرجت يوم إعلانه رئيسًا، أنها لن تنجح حتى في تغطية عورة السلطة الفعلية».

«منطقة القبائل» لم تنتخب.. هل نجحت السلطة في تكريس الانقسام؟

عرفت محافظات بجاية وتيزي وزو التي تُعرف بـ«منطقة القبائل» بالإضافة إلى بعض المدن في البويرة وبومرداس، تعطيلًا لعمليّة الانتخاب، وذلك بعد إقدام محتجّين على اقتحام مقرّات الانتخاب وتحطيم صناديق الاقتراع في المنطقة، وبالتالي إيقاف عمليّة التصويت بالقوّة، وهو ما جعل «السلطة الوطنية العليا للانتخابات» تعلن أن نسبة المشاركة في هذه المنطقة قد قاربت صفر %، وقد أدّى هذا التصعيد في بعض الحالات إلى وقوع مشادّات عنيفة مع قوّات الأمن، أسفرت عن وقوع عدّة جرحى، وقتيل واحد.

بسبب إيقاف التصويت في «منطقة القبائل» مُقابل استمرارها بصورة عادية في المناطق الأخرى – رغم الاحتجاجات التي شهدتها أغلب المدن في يوم الانتخابات- يتخوّف البعض من أن يؤدّي هذا المُعطى إلى زيادة العُزلة عن المنطقة، خصوصًا وأنّ الآلة الدعائية للنظام سواء في وسائلها الرسمية أو في مواقع التواصل الاجتماعي، عمدت إلى تشويه المنطقة واللعب على الاختلافات الثقافيّة والحساسيّات العرقيّة من أجل ضرب الحراك الشعبيّ، خصوصًا بعد اعتقال العشرات من المشاركين في الحراك بتُهمة رفع «الراية الأمازيغيّة»، وانتقاد قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح لحامليها في خطاباته.

وقد شهدت الجُمعة 43 التي تلت يوم الانتخابات رفع شعارات مُساندة «لمنطقة القبائل» وامتناعها عن التصويت؛ إذ ردّد المتظاهرون هتافات «يا القبايل برافو عليكم.. الجزائر تفتخر بكم» للتأكيد على الطابع الوطني الجامع للحراك. في تعليقه على انعكاسات إحجام «منطقة القبائل» عن التصويت، يقول الأستاذ خالد حسن في تصريحه لـ«ساسة بوست» إن السلطة اليوم بانتخاباتها «فرضت الانقسام على البلد فرضًا، ذلك أن المقاطعة الكاسحة في بعض المناطق الثائرة رسالة واضحة الدلالة لا لبس فيها أن ليس ثمة أي استعداد للتراجع والتعامل مع سلطة الأمر الواقع، وهذا يشير إلى عمق التصدع والهوة السحيقة بين السلطة الفعلية والمناطق المقاطعة كلية»

ويرى في الوقت نفسه أن السلطة هي المسؤولة عن تنامي المشاعر العنصرية من خلال الخطاب الذي روّجته وسائل إعلام قريبة منها: «السلطة الفعلية تبنت خطابًا وتدبيرًا عنصريًّا مناطقيًّا، ولعبت بورقة العصبيات والعنصريات، وأشعلت نيران الأحقاد والمناطقية، وهذه خطتها لفرض سيطرتها وإنقاذ حكمها، فمن أجل أن تستمر مستعدة أن تشعل الحرائق المهلكة والمهددة لوحدة البلد، ولا تبالي بالمآلات والعواقب».

عربي

منذ 11 شهر
رئيس «ناقص الشرعية».. انتخابات الجزائر بعيون الصحف الفرنسية

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد