رويدًا رويدًا؛ تسير الأوضاع في الجزائر نحو الانسداد والصدام، فبعد مضيّ السلطة والجيش في البلاد نحو إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد في 12 ديسمبر (كانون الأوّل) المقبل، دون اكثراثٍ لمطالب  الحراك بضرورة رحيل بقايا نظام بوتفليقة؛ وإصرار قطاعٍ واسعٍ من الجزائريين على رفضها، والتظاهر ضدّ إجرائها أسبوعيًّا، تتزايد مظاهر العنف أسبوعيًّا بين المحتجين الرافضين للانتخابات والسلطة المصرة على تنظيمها بالقوة.

ورغم نجاح الحراك في الحفاظ على طبيعته السلمية منذ بدايته، فإنّ ناقوس الخطر حول إمكانية تصاعد هذه المظاهر وتحوّلها إلى العنف، دقّ بعد تصاعد الخطابات الداعية للعصيان والتصعيد، والهجمات التي ترافق المترشحين في كل مكانٍ يذهبون إليه.

6 مشاهد من الميدان.. كيف جعلت الانتفاضة الجزائر أفضل من السويد؟

سلمية الحراك الجزائري.. ضربة قصمت ظهر عصابة بوتفليقة

في  افتتاحية عددها الصادر يوم 8 من مارس (آذار) 2019 الماضي؛ كتبت جريدة «لوموند الفرنسية» تقريرًا عن الحراك الجزائري ضد نظام بوتفليقة، واصفةً إيّاه بأنّه «أجمل مسيرةٍ في العالم». مثنيةً على المظاهر الحضارية التي رافقته، والطابع السلمي الذي غلب عليه، إذ لم يسقط فيه ولو ضحية؛ وهو الأمر الذي جعل العالم ينبهر بالطابع السلمي الذي رافق حراك الجزائريين.

ولا يختلف اثنان في الجزائر على أن الخوف من انزلاق المسيرات نحو العنف، كان مسيطرًا على الكثير قبل اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط) الماضي؛ وذلك نظرًا إلى التجارب السابقة التي عاشها الجزائريون مع الثورات، والتي انتهت جميعها إلى استعمال العنف وخلفّت آلاف الضحايا. إضافةً إلى تهديدات بعض أركان نظام بوتفليقة للمتظاهرين بمصير دول الربيع العربي، وانتشار أخبارٍ حول عزم الأمن استعمال القوة في وجه أي مظاهرةٍ رافضةٍ لترشح بوتفليقة لعهدةٍ خامسة.

الوزير الأول الأسبق أحمد أويحي يهدد الحراك بمصير سوريا

ويمكن القول بأنّ الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير الماضي، فاجأ الجميع حتى الجزائريين أنفسهم. وذلك بسبب الطابع السلمي الذي غلب عليه منذ الساعة الأولى لبدايته، بالرغم من المحاولات التي شهدها الحراك لثنيه عن سلميته.

ويمكن القول بأن نظام بوتفليقة راهن على تحوّل الشارع إلى العنف سريعًا؛ وذلك من خلال نشر وسائل إعلام قريبة من السلطة أخبارًا عن اشتباكاتٍ بين المتظاهرين وقوات الأمن، كما حدث في الجمعة الخامسة  للحراك. وذلك من أجل وسم الحراك بالعنف، وإعطاء شرعية لاستعمال القوة في فضّه، إلّا أنّ مدى الوعي الذي اكتسبه المتظاهرون الجزائريون حينها؛ أفشل مخططات نظام بوتفليقة، ليجبره في الأخير على الاستقالة.

وما تزال صور الحجارة المخبأة -من طرف عناصر مجهولة- في حاويات القمامة على طول الشوارع الرئيسية للعاصمة في الأسابيع الأولى للحراك، والتي جُمعت من أجل استعمالها سلاحًا للمتظاهرين ضدّ قوات الأمن، مرسومة في مخيلة المتظاهرين. وهي التصرفات التي شهدت رفضًا وتنديدًا واسعيْن من طرف المتظاهرين. وللردّ عليها انتشرت مئات الصور لمتظاهرين يحيِّون قوات الأمن، مثلما انتشرت فيديوهات لقوات الأمن وهي تحتفل في نهاية كلّ أسبوعٍ بنجاحها في تأمين المتظاهرين.

بدون رصاص ولا دماء.. كيف يحاول الجيش إجبار الحراك على استعمال العنف؟

لا يختلف اثنان في الجزائر على الدور الإيجابي الذي أدته المؤسسة العسكرية من خلال ضغطها على بوتفليقة لتقديم استقالته. وكذلك دورها الكبير في اعتقال أبرز رجاله فيما بعد، وهو الأمر الذي جعل أسهم الجيش الجزائري تبلغ العنان في الجزائر بالأسابيع الأولى من الحراك.

هذه الصورة البطولية التي رُسمت عند أغلب الجزائريين حول قيادة الجيش الجزائري، وأحيت التاريخ من خلال تشبيهه بجيش التحرير الوطني، الذي قاتل فرنسا وأرغمها على الخروج من الجزائر؛ سرعان ما بدأت في  التلاشي عند قطاعاتٍ واسعة من الحراك الشعبي تدريجيًّا. وذلك بعد أن تحوّل خطاب الفريق أحمد قايد صالح إلى مهاجمة جزءٍ من الحراك واتهامه بخدمة أجندةٍ أجنبية.

في 22 أبريل (نيسان)، وبعد شهرين كاملين من الحراك؛ أُودع أغنى رجل بالجزائر ورجل الأعمال الشهير، يسعد ربراب، الحبس المؤقت، ضمن مجموعة من أبرز الرموز والشخصيات الجزائرية النافذة. لتبدأ بعدها أولى مظاهر التشتت في الحراك الجزائري من خلال تنظيم أنصار رجل الأعمال يسعد ربراب مسيرات ومظاهرات حاشدة في الولايات ذات الأغلبية الأمازيغية ورفع شعاراتٍ ضدّ الجيش، واعتبار حملة الاعتقالات ومكافحة الفساد التي يشنّها الجيش بمثابة انتقامٍ من منطقة القبائل.

✅إدارة وأنصار #شبيبة_القبائل ينظمون #مسيرة دعما لـ #ربراب

✅إدارة وأنصار #شبيبة_القبائل ينظمون #مسيرة دعما لـ #ربراب

Geplaatst door ‎النهار الجديد‎ op Vrijdag 26 april 2019

مسيرة حاشدة تدعو إلى إطلاق سراح ربراب

أدت تلك المسيرات التي حملت شعارات «ليبري ربراب» (أي أطلقوا سراح ربراب) إلى إثارة حفيظة مؤسسة الجيش، التي لم ينتظر قائدها الفريق أحمد قايد صالح حتى خرج بخطابٍ مثيرٍ يهاجم فيه منظمي تلك المسيرات ويصفهم بأذناب  العصابة، وطالب قوات الأمن بمنع رفع الرايات الأمازيغية واعتقال حامليها.

تحوّلت ميادين الحراك بعد خطاب القايد صالح ذلك لساحات مواجهة، بين قوات الأمن التي اقتحمت ساحة البريد المركزي – أكبر ميادين الحراك- وشنّت حملات مداهمة رافعي العلم الأمازيغي واعتقالهم من وسط الحراك، وبين المشاركين في الحراك، الذين كان ردهم على هذا التصعيد من جانب السلطة والجيش؛ رفع شعارات مناهضة للمؤسسة العسكرية، والمطالبة برحيل الفريق أحمد قايد صالح. ولم تسلم شعارات ومطالب الحراك تلك، من اتهامات القايد صالح بخدمة أجندة أجنبية تريد استهداف  المؤسسة العسكرية.

لم يكتفِ القايد صالح بمهاجمته الحراك الشعبي من خلال خطاباته المتكررة، والتي ساهمت في عدول ملايين الجزائريين عن الاستمرار في الحراك والاكتفاء بما حققه من مطالب، ما أدى إلى قلة زخمه، خصوصًا في شهر أغسطس (آب) المنصرم، بل بدأت مواجهة من نوعٍ آخرٍ حين أمر قائد الجيش الجزائري قوات الأمن بمحاصرة مداخل الجزائر العاصمة ومنع المتظاهرين القادمين من الولايات الجزائرية الأخرى من دخولها عشية ويوم الحراك. وكذا إخلاء مدرجات البريد المركزي وغلقه، وهو الأمر الذي زاد من غضب المتظاهرين وسخطهم تجاه المؤسسة العسكرية.

العلم الأمازيغي في مسيرة مؤيدة للحراك بالعاصمة الفرنسية باريس
العلم الأمازيغي في مسيرة مؤيدة للحراك بالعاصمة الفرنسية باريس

على جانب آخر فتحت هذه الممارسات التضييقية من طرف قوى الأمن والجيش الباب لبروز شخصياتٍ حملت على عاتقها مهمة انتقاد هذه الممارسات. فخرج المجاهد لخضر بورقعة في تصريحات وصف فيها المؤسسة العسكرية بـ«الميليشيا»، وطالب كريم طابو – أحد ناشطي الحراك- في تصريحاتٍ له، ضباط المؤسسة العسكرية القيام بحراك ضد القيادة الحالية للجيش. الأمر الذي دفع المؤسسة العسكرية إلى اعتقال كلٍ من المجاهد لخضر بورقعة، وكريم طابو، وسمير بلعربي وعدّة نشطاء آخرين، بتهمة المساس بمعنويات الجيش.

ويعدّ قرار المؤسسة العسكرية بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد في 12 ديسمبر مهما جرت الظروف؛ هو المواجهة الأخطر بين المؤسسة والحراك الشعبي. وذلك نظرًا إلى الرفض المتزايد من طرف الجزائريين لهذه الانتخابات، والمعبر عنه بالخروج أسبوعيًّا في  مسيراتٍ رافضة للانتخابات، ومهاجِمةٍ للفريق أحمد قايد صالح.

«مكانش انتخابات مع العصابات».. هل تحول الانتخابات ميادين الحراك إلى ساحة عنف؟

تشهد الجزائر منذ بداية الحملة الانتخابية في 17 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، احتجاجاتٍ يوميةٍ ترافق أماكن عقد المترشحين تجمعاتهم الانتخابية. وعلى الرغم من أنّ الاحتجاجات مستمرة في الجزائر منذ أكثر من 10 أشهر؛ فإنّ الجديد في المسيرات والمظاهرات المرافقة للحملة الانتخابية هو مظاهر العنف التي بدأت في التصاعد.

ففي أوّل أيّام الحملة الانتخابية، طرد متظاهرون غاضبون مرشّح الرئاسة عبد القادر بن قرينة من مدينة تيندوف. فيما تعرّض المرشح علي بن فليس لهتافاتٍ مناوئة وهو يهم بالدخول إلى القاعة التي شهدت تجمعًا لأنصاره، وتكرر الأمر نفسه مع بقية المترشحين، ما جعل الحملة الانتخابية للمترشحين لا تخرج من القاعات المحصنة بقوات الأمن.

ولعلّ أكثر المشاهد التي رفعت دائرة خطر المواجهة بين أنصار الانتخابات ومعارضيها هو ما حدث مع المترشح عبد القادر بن قرينة، الذي نزل إلى ساحة الحراك في البريد المركزي بالعاصمة ليدشن حملته من هناك، إلّا أن الجموع الرافضة للانتخابات حاصرته وطردته.

بن قرينة يطرد من تندوف

بن قرينة يطرد من تندوففيديو : @سمير بن عبد الله

Geplaatst door Chouf-Chouf op Dinsdag 12 november 2019

وحفاظًا على سير التجمعات الانتخابية وبرامج المرشحين؛ شنّت قوات الأمن سلسلة اعتقالات، هي الأكبر في البلاد منذ نهاية العشرية السوداء ضدّ المحتجين على زيارات المترشحين، إذ أشارت مصادر حقوقية لـ«ساسة بوست» إلى اعتقال أزيد من 400 متظاهر  منذ بداية الحملة الانتخابية، حُكم على بعض منهم بالسجن لمدة 18 شهرًا بتهمة عرقلة سير الحملة الانتخابية.

وبعيدًا عن الحملة الانتخابية وتجمعاتها؛ وفي محاولةٍ للتصعيد ضد السلطة لإجبارها على إلغاء الانتخابات، خرجت بدءًا من الأربعاء الماضي مسيرات ليلية مفاجئة، هي الأولى من نوعها منذ استقالة بوتفليقة، شهدتها كلٌ من الجزائر العاصمة وبعض ولايات الجزائر، خرج من خلالها آلاف الجزائريين للتعبير عن رفضهم للانتخابات وسط تحذيراتٍ من الانزلاق في العنف، وردًّا على هذه المسيرات؛ اعتقلت قوات الأمن عشرات من المتظاهرين واستعملت القوة لتطويق تلك المسيرات.

وعلى وقع شعار «مكانش انتخابات مع العصابات» سار مئات الآلاف من الجزائريين في الجمعة الأربعين من الحراك الشعبي، للتعبير عن رفضهم القاطع لإجراء الانتخابات المقبلة، ومطالبتهم برحيل رموز نظام بوتفليقة، وسط إجراءاتٍ أمنية مشددة شهدتها العاصمة وبعض ولايات الجزائر.

الحراك في الجزائر والانتخابات
اعتقالات ومحاكمات واسعة في حق نشطاء الحراك الشعبي

وعلى الجانب الآخر يخرج دوريًّا أنصار الانتخابات في مسيرات وصفتها وسائل إعلامٍ حكومية بـ«الحاشدة»، في  وقتٍ يصفها المراقبون بمحدودة العدد. غير أنّ اللافت للنظر ما نقلته مصادر محلية لـ«ساسة بوست» عن حدوث مناوشاتٍ أمس السبت في مدينة تيارت (غرب الجزائر)، إذ اشتبك أنصار الانتخابات مع رافضيها؛ ما اضطر قوات الأمن للتدخل واعتقال عشرات المناوئين للانتخابات.

ولمعرفة تفاعل الجزائريين مع الإجراءات التي تتخذها السلطة لفرض الانتخابات بالقوة، رصد «ساسة بوست» عينة من آراء المواطنين الجزائريين، وقال الطالب الجامعي في جامعة باب الزوار (بشير، ب)، إنّ: «السلطة بقرارها مواجهة إرادة الشعب بفرض مترشحين من النظام السابق، تكون قد أطلقت النار على أرجلها»، مشيرًا إلى أن الحراك سيبقى يتعامل مع مخرجات الانتخابات كأنها لم تجرِ.

من جهتها تساءلت السيدة (إكرام. س) «هل ثار الجزائريون من أجل إجراء الانتخابات التي تنظمها العصابة أم من أجل تغيير جذري لهذه العصابة؟»، أمّا (علي. م) القادم إلى ساحة البريد المركزي من ولاية ورقلة، فيرى أن التصعيد هو الحل الذي بقي للجزائريين، لوضع حدٍ لهذه الانتخابات التي تعدّ «أخطر المراحل التي تمر بها الجزائر» بحسب تعبيره.

وتنتشر في الجزائر منذ أيامٍ دعواتٌ إلى عصيانٍ مدني وإضرابٍ عام، في الأيام التي تسبق الانتخابات المزمع إجراؤها في 12 ديسمبر، وذلك للضغط أكثر على السلطة للعدول عن قرار إجرائها. وكان رئيس الدولة الجزائري عبد القادر بن صالح قد أكد في خطابه، مضيّه قدمًا في قرار إجراء الانتخابات متوعدًا رافضي ومعرقلي هاته الانتخابات بتطبيق صارمٍ للقانون ضدهمّ.

هل تعيد الانتخابات الجزائرية القادمة فلول بوتفليقة إلى الحكم؟

المصادر

تحميل المزيد