تعيش المحافظات الوسطى في الجزائر أزمة مياهٍ خانقة؛ إذ يستمر انقطاع المياه عن ملايين المواطنين في مدن مثل العاصمة وبومرداس وتيبازة لعدَّة أيام، في أزمة هي الأكبر من نوعها منذ سنوات طويلة، فقد عادت طوابير ملء المياه في العديد من الأحياء والمدن في قلب العاصمة، وعرفت براميل المياه زيادةً كبيرةً في أسعارها؛ بسبب الإقبال الكبير من المواطنين على شرائها؛ قصدَ استغلالِ ساعاتِ توفُّر المياه لتخزينها.

وفي مايو (أيار) الماضي كانت الشركة المسيِّرة للمياه في الجزائر العاصمة قد أصدرت بيانًا تعلن فيه عن تذبذب برنامج تزويد المياه في المدينة، لكن البيان قد قُوبل بموجةِ سخطٍ كبيرة من طرف المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي؛ مما دفع الشركة إلى حذف البيان، لكن اتضح فيما بعد أن الانقطاعات مستمرَّة.

العاصمة تعاني العطش.. قطع للطرقات وغضب شعبي كبير

شهدت العديد من أحياء العاصمة موجة غضبٍ شديدة وتفجَّرت بسببها احتجاجاتٌ صاخبة وإحراق للإطارات وغلق للطرق العمومية في مدن العاصمة؛ احتجاجًا على انقطاع المياه لأيامٍ طويلة، وذلك في كلٍّ من برج الكيفان والطريق المؤدي لبئر خادم وعين البنيان، بالإضافة إلى احتجاجات في محافظات أخرى مثل المسيلة وغيرها.

السلطات الأمنية تعاملت مع هذه الاحتجاجات بقدر من الليونة والتجاهل وتجنَّبت الصدام المباشر، وصدرت تصريحات من مسؤولين في قطاع المياه تؤكِّد على تفهُّمهم لدوافع هذا الغضب، وذلك من أجل ضمان عدم تحوُّلها إلى هبَّة احتجاجيَّة عارمة، خصوصًا أنها ليست ذات صبغة سياسية.  

مشاهد للاحتجاجات

أزمة في البنية التحتية للموارد المائية تفاقمت بسبب انخفاض نسبة الأمطار في الشتاء الماضي وانعدام الاستثمار في إنشاء السدود وتحديث شبكة توصيل المياه، جعل العاصمة والمدن الأخرى تعود إلى مشاهد الطوابير أمام شاحنات المياه، بعد أن كانت الحكومات السابقة في عهد بوتفليقة تتفاخر بأنها قد قضت على أزمة المياه في العاصمة. 

وتداول نشطاء العديد من صور السدود الفارغة بسبب موسم الشتاء الجاف الذي ضرب البلاد، وقارنوها مع صورٍ سابقةٍ للسدود نفسها وهي مملوءة عن آخرها قبل سنوات، مما يوضِّح حجم الأزمة المائية التي ضربت البلاد.

صورة من مواقع التواصل الاجتماعي توضِّح وفق ناشريها وضعية سدِّ قدَّارة أحد أكبر السدود في وسط البلاد

وقد دفعت هذه الوضعية الحرجة السلطات إلى إنشاء برنامج استعجالي خاص لتوزيع المياه على مختلف المدن، وتقييد بعض النشاطات التجارية التي تستهلك المياه مثل غسيل السيارات، مع وعود حكومية بحلِّ الأزمة في القريب العاجل. 

من المغرب إلى ليبيا.. كيف يواجه شمال أفريقيا أزمة المياه؟

تأتي هذه الأزمة لتكشف عن نقص رهيب تعاني منه البنية التحتية لقطاع المياه في الجزائر، خصوصًا فيما يتعلَّق بالسدود الكبيرة، إذ تمتلك الجزائر قدرة تخزين تبلغ حوالي 7.6 مليار متر مكعب، من خلال حوالي 80 سدًّا، وهي الأرقام التي تبقى بعيدة عن احتياجات البلاد، فيما تقول وزارة الموارد المائية إنها بصدد العمل على ستَّة مشروعات لإنشاء سدود في ولايات الطارف وسوق أهراس وباتنة وتيزي وزو وعنابة، ويبلغ مجموع استيعاب هذه السدود الستَّة حوالي 240 مليون متر مكعَّب. 

وتعاني منطقة شمال أفريقيا في السنوات الأخيرة من انخفاضٍ في التزوُّد بمياه الشرب، وذلك بنسبة 30% في العشرين سنة الأخيرة حسب بحث لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، خلاف أنها من بين أكثر المناطق في العالم المرشحة للتأثر بفعل الاحتباس الحراري الذي يضرب العالم.

وغير بعيدٍ عن الجزائر، وعلى حدوده الغربية، اتخذ المغرب منذ عقودٍ إستراتيجية قويَّة لإدارة الموارد المائية، واستثمر مبالغ كبيرة في هذا الصدد، وركَّز اهتمامه على هذا القطاع الحسَّاس بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد المغربي على الفِلاحة بشكلٍ كبيرٍ؛ إذ أنشأ 140 سدًا كبيرًا بطاقة استيعابية تُقدَّر بـ17.6 مليار متر مكعب، مقارنةً بسبعة مليارات بالنسبة للجزائر تتوزَّع على حوالي 80 سدًّا. هذا بالإضافة إلى آلاف العيون والآبار، ويطمح إلى مجابهة أزمات المياه المستقبلية المحتملة من خلال «المخطط الوطني للماء» الذي أُطلق سنة 2015.

 أما تونس فلديها 34 سدًّا، وتعاني هي الأخرى من شبح العطش الذي يحذِّر منه كثير من الخبراء أو ما يُدعى بـ«الإجهاد المائي»، والذي يعني توفُّر أقل من ألف متر مكعَّب من المياه لكل مواطن، وليبيا هي الأخرى تعيش وضعًا ليس بأحسن من جيرانها، وإن كان عدد سكَّانها لا يتجاوز سبعة ملايين مواطن، إلا أن عدد السدود بها يبلغ 16 سدًّا كبيرًا، وهي التي تأثرت بنيتها التحتية بسبب الحروب، وخصوصًا النهر الصناعي الكبير الذي أنشأه معمر القذافي. 

أزمة مياه.. بسبب الطبيعة أم تقصير حكومي؟ 

ويتَّهم مراقبون، من بينهم زان يحيى، رئيس المنتدى الاقتصادي الجزائري في تصريحه لصحيفة «الشروق» الجزائرية، الحكومات السابقة بسوء التسيير والتسبب في الأزمة الحالية، خصوصًا بسبب تجميد مشاريع الموارد المائية منذ سبع سنوات على الأقل؛ نتيجةً لسياسة التقشُّف بعد انهيار أسعار النفط منذ 2014، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بصيانة السدود التي تعاني من ترسُّب الطمي، واهتراء الأنابيب، مما يدفع بمياه الأمطار إلى البحر. هذا بالإضافة إلى الوسائل التقليدية التي تعرفها الفِلاحة واستهلاكها المفرط لـ80% من مياه الأمطار. 

نقص رهيب تعاني منه البنية التحتية لقطاع المياه في الجزائر

ورغم مراهنة الحكومة على تخفيف العجز في المياه من خلال محطَّات تحلية مياه البحر التي يبلغ عددها 11 محطَّةً، لكن التكلفة الكبيرة التي تستهلكها هذه المحطات تجعلها غير ناجعة اقتصاديًّا، خصوصًا مع الوضعية المالية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات، وعدم الاستثمار في التكنولوجيا اللازمة لخفض تكلفة هذه المصانع أو تزويدها بالطاقة الشمسية، مما يجعل تزويدها للمياه شديد المحدودية. 

ولا تتعلَّق أزمة المياه في الجزائر بالهياكل القاعدية فحسب؛ بل إن هنالك أسبابًا طبيعية تُفاقم الأزمة، من بينها أن 85% من الأمطار تتبخر بشكل طبيعي بسبب المناخ الجاف وشبه الجاف في الجزائر، هذا بالإضافة إلى أن الجزائر من بين الدول التي من المرشَّح أن تشهد انعكاسَ ظاهرةِ الاحتباس الحراري بشكلٍ كبيرٍ.

ورغم أن الجزائر لديها عدد من المصانع لمعالجة مياه الصرف الصحي، يقدَّر عددها بـ170 مصنعًا، فإن هذا العدد يبقى ضعيفًا مقارنةً بمتطلَّبات البلاد الواسعة؛ إذ إن فرنسا على سبيل المثال تمتلك حوالي 20 ألفَ مصنعٍ لإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، بينما في الجزائر، يضيع أكثر من 80% من هذه المياه في البحر. 

ويكتسب قطاع الماء في الجزائر أهميةً كبيرةً؛ إذ يعدُّ أحد وسائل شراء السِّلم الاجتماعي، فالدولة تدفع من خزينتها – عن طريق دخل النفط – مبلغًا سنويًّا يقدَّر بـ1.5 مليار دولار، هو الفرق بين السعر الحقيقي للمياه والسعر الذي يشتريه المواطن، وتملك الجزائر نسبة تزويد مهمة بالمياه؛ إذ يبلغ عدد من لا تصلهم شبكة المياه 11% فقط، يتوزَّعون بشكلٍ أساسي في المناطق النائية، مقارنةً بالمغرب الذي تبلغ فيه نسبة المحرومين من شبكة المياه 36%. 

لكن الخبراء يطرحون مشكلة عدم التكافؤ في الوصول إلى المياه والتمييز في شبكة التوزيع بين مختلف الطبقات الاجتماعية؛ إذ إن الأحياء الراقية في العاصمة أو تلك التي يسكنها الموظَّفون المهمون في الحكومة لا تعرف انقطاعاتٍ طويلةٍ للمياه، عكس بعض القرى المحاذية للسدود.

ورغم وجود العديد من القرى القريبة من السدود الكبرى في الجزائر، والتي لا تبعد عنها مياه السدِّ سوى كيلومتراتٍ معدودة، فإن هذه السدود تموِّن المدن الكبرى كالعاصمة أو مراكز المحافظات، بينما تعاني القرى المحيطة بالسدود، مثل سد تكسابت في تيزي وزو، أو سد بني هارون في ميلة، من عدم توصيلهم بشبكة المياه، مما يدفعهم إلى حفر الآبار، وكلَّما بَعُدت المسافة عن الأحياء الراقية والشوارع الرئيسة، كلما زادت مدَّة انقطاع المياه وتذبذب التزوُّد بها. 

مجتمع

منذ سنة واحدة
صاحبة أكبر احتياطي للمياه الجوفية في العالم.. هل تعاني الجزائر من أزمة عطش؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد