منذ اكتشاف النفط في الجزائر في عام 1956، لم تحقّق البلاد الاكتفاء الذاتي من المنتجات النفطية رغم المحاولات الكثيرة، لكن في الواقع لا يمكن وصف هذه المحاولات بالجادة، خاصة أنّ هذا الملف الطاقوي لم يكن يشكّل أزمة كبيرة في ظل وجود فائض ضخم بفضل إيرادات الطاقة، لذلك لم يعتبر الكثيرون استيراد الجزائر – عضو منظمة أوبك – للمنتجات النفطيّة أزمة، ولكن مع تراجع إيرادات النفط بعد هبوطه منذ منتصف 2014، وزيادة الاستهلاك الداخليّ بالإضافة إلى التراجع التدريجيّ في المخزون النفطي للبلاد؛ باتت هذه الواردات أزمة حقيقية، وعلاجها بات أمرًا ملحًا، فالمصدر الأساسي الذي كانت تستخدمه الجزائر لأعوام عديدة في دفع فاتورة الواردات، وتحجيم المشكلات الاجتماعية من خلال زيادة الأجور والدعم تضرّر كثيرًا.

فبعد أن كانت إيرادات الطاقة التي تشكل 95% من إجمالي الصادرات و60% من ميزانية الدولة نحو 60.3 مليار دولار في 2014، تراجعت إلى 35.72 مليار دولار في 2015، ثم هوت إلى 27.5 مليار في 2016، بينما تحسّنت قليلًا في 2017 لتسجل 33.06 مليار دولار، لكنها ما زالت حتى الآن تقترب من نصف إيرادات 2014، وهو ما يعني استمرار الأزمة المالية التي تمر بها الجزائر، لذلك تسعى البلاد للسيطرة على فاتورة الواردات الكبيرة لخفض العجز التجاري، هذه المساعي اصطدمت مع تنامي مستويات الاستهلاك للطاقة في البلد البالغ تعداد سكانه 41 مليون نسمة، وهو ما ساهم بشكل مباشر في زيادة فاتورة الواردات من المنتجات المكرّرة، لكن هل ستنجح الجزائر هذه المرة في وقف استيراد الوقود؟ وما هي الآليات التي يمكن أن تساعدها في ذلك؟

إلى أين وصلت فاتورة استيراد الوقود في الجزائر؟

في 2016 احتاجت الجزائر نحو 800 مليون دولار لتلبية الطلب المحلي على الوقود، إلا أنّه في 2017 ارتفعت هذه الفاتورة لأكثر من ثلاثة أمثالها مسجلة 2.5 مليار دولار، وذلك بسبب مشاكل التكرير في البلاد. هذا الرقم يعد كبيرًا جدًا في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد منذ هبوط أسعار النفط، وبحسب وزير الطاقة والمناجم مصطفى قيتوني، فإن الجزائر تحتاج إلى استيراد 3.5 مليون طن من الوقود سنويًا، بيد أن الإنتاج الوطني من الوقود يقدر بنحو 11.5 مليون طن، أي أن احتياجات الجزائر من الوقود نحو 15 مليون طن في السنة.

ارتفاع هذه الفاتورة جاء نتيجة ارتفاع استهلاك الفرد الجزائري حاليًا إلى 2 طن مكافئ من النفط مقابل 1.36 طن مكافئ خلال 2014، فيما تشير الأرقام الصادرة عن الشركة الجزائرية لتسويق وتوزيع المنتجات النفطية (نفطال) – حكومية – إلى أن الاستهلاك الإجمالي لجميع أصناف الوقود بلغ نحو 14.68 مليون طن في 2017، وذلك بتراجع طفيف بلغ 1.4% فقط مقارنة بسنة 2016، التي بلغ فيها الاستهلاك الداخلي للوقود 14.94 مليون طن، وهو ما يوضح أن حلول الحكومة الجزائرية لكبح الاستهلاك المحلي لم تنجح حتى الآن.

Embed from Getty Images

وهو الأمر الذي دفع أحمد أويحيى، الوزير الأوّل الجزائري، للدعوة إلى رفع إنتاج المواد الطاقة من أجل تلبية الاحتياجات الوطنية و الأسواق الأجنبية، مشيرًا إلى أن عملية استيراد الوقود تشكل عبئًا ثقيلاً على الخزينة العمومية، قائلاً: «استيراد الوقود يكلفنا غاليًا وانخفاض قيمة الدينار تجعل الوضعية صعبة أيضًا، فمن الضروري تكثيف الجهود من أجل رفع إنتاج الوقود».

لماذا فشلت الجزائر حتى الآن في الاكتفاء الذاتي من الوقود؟

على مدار السنوات الماضية اكتفت الحكومات الجزائرية المتعاقبة ببيع النفط الخام لتعظيم إيرادات البلاد من الطاقة، وخاصة في سنوات ما قبل أزمة هبوط أسعار النفط، لكن هذا الاهتمام جاء على حساب قطاع التكرير، إذ لا تمتلك الدولة النفطية سوى خمس مصاف «الجزائر – حاسي مسعود – سكيكدة – أرزيو – أدرار» معظمها يحتاج إلى كثير من التطوير، وهو الأمر الذي جعل البلاد عاجزة أمام تغطية احتياجات السوق المتزايدة سنويًا، وتعويض ذلك بالاستيراد.

ولكن بالنظر إلى دول أخرى غير نفطية نجد أن الجزائر متأخّرة كثيرًا في هذا المجال إذ تمتلك مصر 10 مصاف، وتمتلك الأرجنتين ثماني مصاف، مقابل 13 للبرازيل وثماني لإندونيسيا، وتحوز ألمانيا 15 مصفاة وإسبانيا وفرنسا تسع مصافٍ، فيما تمتلك كلّ من إيطاليا وإيران 15 مصفاة، وعلى سبيل المثال كان وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، قد أعلن في سنة 2009 عن مصفاة تيارت، لكن حتى الآن لم يدخل هذا الإعلان حيز التنفيذ.

إذًا؛ يمكن القول إن إخفاق السياسات المتّبعة في مجال تطوير البدائل الخاصة بالمصافي، هو السّبب الرئيسي الذي أدى إلى فشل الجزائر في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من الوقود حتى الآن، لكن هل هناك بدائل أخرى حاولت أو ستحاول الجزائر من خلالها وقف استيراد الوقود والوصول إلى الاكتفاء الذاتي؟

Embed from Getty Images

جدير بالذكر، أن هناك تقديرات تشير إلى أن خسائر البلاد من التأخير في بناء مصاف جديدة وتوقّف الاستثمارات في مجال التكرير والنقل منذ العام 1980، لا تقل عن 20 مليار دولار مع حساب الخسائر الناجمة عن الاستيراد ودعم الوقود، بالإضافة إلى أنه تضاعفت تكلفة بناء المصافي بداية من عام 2008 بالمقارنة مع المرحلة 2000 إلى 2008، وذلك نتيجة ارتفاع الأسعار في السوق العالمية.

رفع الدعم وتجميد استيراد السيارات.. حلول حكومية فاشلة

ذكرنا أنّ المشكلة الأساسية تكمن في أن إهمال تطوير البدائل الخاصة بالمصافي، وتراجع الاستثمارات في مجال التكرير بشكل عام، لكن خلال الأشهر الأخيرة لجأت الجزائر إلى طرق أخرى تستهدف خفض استهلاك الوقود بعيدًا عن زيادة إنتاجها منه، هذه الطرق تمثلت في رفع أسعار المحروقات من خلال رفع الدعم الحكومي بالإضافة إلى تجميد استيراد السيارات. وعلى الجانب الآخر، ومع بداية العام الجاري كشفت شركة سوناطراك النفطية – الشركة المملوكة للدولة والمنتج المحلي الوحيد للنفط – أنها وقّعت اتفاقًا مع شركة تجارة النفط فيتول – أكبر شركة لتجارة النفط في العالم – لتكرير الخام في الخارج، إذ ستسدّد الشركة تكلفة التكرير قبل إعادة الوقود المكرّر للجزائر.

وخلال السنوات الثلاث الماضية رفعت الحكومة أسعار الوقود ثلاث مرات، كانت آخرها في يناير (كانون الثاني) الماضي بنسب تراوحت بين 11.65 و18.2%، ولم يكن هدف هذه الزيادات توفير أموال للخزينة العامة الجزائرية فقط، ولكن كانت أحد وسائل كبح جماح الاستهلاك الداخلي للوقود، ولكن لم يتراجع الاستهلاك الداخلي بفعل هذه الإجراءات.

Embed from Getty Images

على الجانب الآخر لم يتأثّر الاستهلاك كذلك بـتجميد عمليّة استيراد السيارات سنة 2017، فيما قرّرت الحكومة كذلك عدم استيراد السيارات بالنسبة لسنة 2018، فهل سيتغير الوضع؟

الغاز والطاقة الشمسية.. هل يعوّضان واردات الوقود؟

وبعد أن اتجهت الجزائر لتكرير الخام في الخارج؛ وأعلنت عن تحديث مصفاتها الخمس، وكشفت عن خطط لبناء مصاف جديدة بهدف تلبية الطلب المحلي، إذ وضعت البلاد سنة 2022 هدفًا للوصول إلى الاكتفاء الذاتي من الوقود، وذلك مع دخول مصفاة حاسي مسعود مرحلة الإنتاج، ولكن تسعى البلاد بقوّة نحو بدائل أخرى لعلاج هذه الأزمة، وهي الغاز والطاقة الشمسية، إذ يقول مدير سلطة ضبط الطاقة مصطفى حوغلاون، في تصريح لصحيفة «العربي الجديد» إن بلاده تهدف إلى تحويل 500 ألف سيارة للعمل بالغاز بين 2018 و2020، فيما يصل عدد السيّارات العاملة بالغاز حاليًا نحو 300 ألف سيارة.

Embed from Getty Images
حوغلاون أكّد أن الحكومة تهدف إلى الوصول إلى مليون سيارة بحلول 2024، إذ خصّصت نحو 50 مليون دولار لدعم عملية التحول السيارات إلى استعمال الغاز، وفي حال نجحت هذه الخطة؛ ستسمح هذه الخطوة للجزائر بتقليص فاتورة استيراد الوقود بحوالي الثلث، ويشار إلى أن الجزائر أحد مورّدي الغاز الرئيسيين لأوروبا، إذ صدرت 55 مليار متر مكعب من الغاز في 2017، ويزيد ذلك قليلا عن 54 مليار متر مكعب صدرتها البلاد في 2016.

على الجانب الآخر تبرز الطاقة الشمسية باعتبارها أحد الحلول التي تأمل الجزائر في الاعتماد عليها لتوفير الوقود التي تستخدمه البلاد في محطات إنتاج الكهرباء، خاصة بعد أن سجّلت الجزائر أرقامًا قياسيّة في استهلاك الكهرباء مؤخرًا، وهو الأمر الذي دفع البلاد إلى خيار إنتاج الكهرباء من مصدر متجدّد وهو الطاقة الشمسية، التي تعدّ أكبر الإمكانات التي تحوزها البلاد.

وتخطّط الجزائر لتوفير نحو 22 ألف ميجاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2035، وباعتبارها خطوة أولى أطلقت الحكومة في 2017 مناقصة لإقامة محطات لإنتاج وتوزيع 4 آلاف ميجاواط، لتمكين البلاد من إنتاج 27% من طاقتها الكهربائية بالطاقة الشمسية، فهل ستنجح في ذلك؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد