في الثاني عشر من يوليو (تموز) الحالي، تعالت الأصوات الجزائرية مستنكرة بشدة تصريحات السفير السعودي لدي الجزائر، سامي بن عبد الله الصالح، التي اتهم فيها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بـ«الإرهاب»، وقد سبق أن رفضت الجزائر حكومة وشعبًا كل التصنيفات التي تدرج حركة حماس ضمن الحركات الإرهابية، وبقيت الجزائر على العهد كساحة مهمة لعمل المقاومة الفلسطينية منذ عهد الرئيس الفلسطيني الراحل أبو عمار، وبدايات الثورة الفلسطينية، وحتى الآن، إذ تسند الجزائر بقوة قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات.

القضية الأهم هو ما يثار الآن عن إمكانية إقامة قادة الحركة على الأرض الجزائرية، لتضاف الجزائر إلى قطر ولبنان وماليزيا، التي يتواجد بها قادة حماس الآن، وهو ما يطرح تساؤلًا هو حقيقة أن تصبح الجزائر مقرًا لقادة الحركة التي يعترض وجودها خاصة في قطر مضايقات، مع إصرار عدد من دول الإقليم والعالم، على تصنيفها بأنها «إرهابيّة».

الجزائر وجهة حماس بعد انحسار خياراتها

«إن رجال المقاومة يتشرفون باحتضانهم في مهد الثورة والحرية» هذا ما قاله القيادي في حركة حماس، سامي أبو زهري، وهو يتحدث عن تحركات الحركة للتواجد في الجزائر بشكل اعتيادي، نافيًا بالأمس أن تكون حركته قد تقدمت بأي طلب رسمي لإقامة قادتها في الجزائر.

القيادي في (حماس)، أسامة حمدان.

بالطبع، لا ينفي عدم التقدم بطلب رسمي من قبل الحركة تحركاتها لتواجد بعض قادتها على الأرض الجزائرية، فـ«أبو زهري» نفسه تقدم بطلب للإقامة في الجزائر، وهو الآن يتواجد بها، إذ تريد حماس أن يتواجد أبو زهري بداية في الجزائر، ثم يلتحق به عدد من قادة حماس، وقد تكررت زيارة قادة من حماس للجزائر في الفترة الأخيرة، أبرزهم «موسى أبو مرزوق» و«أسامة حمدان»، وهي زيارات تحظى برعاية رسمية، ودعوات من الأحزاب الإسلامية وعلى رأسها حركة مجتمع السلم (حمس) الإسلامية.

لوحة تضامن مع حماس.

من جهة أخرى، تعتمد الخارجية الجزائرية الصمت تجاه قضية فتح مكتب أو تمثيلية فقط أو حتى إقامة لقادة حماس، وقد أكدت مصادر جزائرية أنه تم استجابة الحكومة الجزائرية لطلب حماس بفتح مكتب لها، منذ سبتمبر (أيلول) 2016، يتولى مسؤوليته «محمد عثمان».

لقد أصبحت الجزائر وجهة حماس بعد أن انحسرت خيارات الحركة، بداية بفقدان مقرها الدائم والطويل في سوريا، وعدم استطاعتها التواجد كما تريد في تركيا بسبب ضغوط إسرائيلية، وليس انتهاءً بانعكاس الأزمة الخليجية سلبًا على تواجدها في قطر، وهي بالطبع لا تستطيع الذهاب إلى إيران، فتخسر تحالفها السني.

«محمود عباس» لن يقبل إقامة قادة حماس في الجزائر

واحدة من أهم الجهات التي يعتقد أنها ستشكل ضغوطًا على الجزائر لمنع إقامة قادة حماس على أراضيها، هي السلطة الفلسطينية، التي لا يتواني الآن رئيسها «محمود عباس» عن اتخاذ أي إجراء قد يضيق على الحركة في نظر العديد من المتابعين، فالسلطة الفلسطينية لن ترحب بأي خطوة إيجابية تجاه حماس من قبل الجزائر، خشية أن تنافسها حماس في الساحة الجزائرية.

الرئيسان، الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة»، والفلسطيني «محمود عباس».

يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة ناجي شراب: «إنّ موافقة الجزائر على فتح حماس مكتبها هناك، خطوة متقدّمة من الأولى تجاه الأخيرة، وإنجاز سياسي لحماس على الصعيد الإقليمي، فالمكتب يمنح الحركة نافذة للتّواصل مع الرأي العام الجزائريّ بحرية أكثر، لكنّ حماس مطالبة بألا تتجاوز دور السفارة الفلسطينيّة هناك، لأنّ السلطة الفلسطينية قد تمارس ضغوطًا على الجزائر بسبب قرارها الإيجابي مع حماس، خشية منافسة الحركة لها في الساحة الجزائريّة»، وحسب حديث شراب لـ«المونيتور» فإنه: «قد يدفع بالجزائر إلى تقديم توضيحات للسلطة لعدم إخافتها من هذه الخطوة تجاه حماس، علمًا بأنّ نجاح عمل مكتب حماس في الجزائر مرهون بقدرتها على تقديم نفسها كحركة وطنيّة فلسطينيّة للجزائريّين، أكثر من كونها أحد تيّارات الإسلام السياسيّ».

تحدثنا إلى أستاذ العلاقات الدولية والأمن الدولي‏ في جامعة وهران بالجزائر «محمد إسلام قرن»، حول إمكانية قبول الجزائر بإقامة قادة حماس فيها، فأجاب لـ«ساسة بوست»: «من حيث المبادئ التي تقوم عليها السياسة الخارجية الجزائرية والموقف العام من القضية الفلسطينية والمقاومة بغض النظر عمن يقف وراء البندقية إضافة إلى عدم وجود تطبيع نهائي مع إسرائيل، والزيارات المستمرة لقادتها، ثم الاحتضان الشعبي الكبير مع خيار المقاومة، وعدم التضييق الرسمي على جمع المساعدات لفلسطين وهو ما نراه من عشرات المشاريع الشعبية الجزائرية في قطاع غزة، كله يصب مبدئيًا في قبول الطلب بتواجد قادة حماس في الجزائر».

ويشير «قرن» إلى العلاقة الجيدة بين حركة حماس، والإخوان المسلمين في الجزائر الذين هم جزء من المجتمع الجزائري ولهم أحزاب ممثلون في البرلمان، مما يسهل هذا التواجد، مستدركًا: «لكن الظروف الدولية والإقليمية والمحلية والوضع الصعب للاقتصاد والانكفاء الجزائري في الدور الخارجي، وتراجع دور الجزائر في الإقليم العربي والإسلامي والضغوط الدولية، كلها قد تؤدي إلى أن ترفض ذلك وتكتفي بتواجد عدد أقل من قادة حماس وقد تضع على إقامتهم شروطًا».

قادة حماس نحو التوزيع في أكثر من دولة

تتجه السياسات العامة لحركة حماس مؤخرًا نحو الانتشار في معظم الدول الممكن تواجد قادتها فيها، ومن بين هذه الدول الجزائر، التي دعمت الثورة الفلسطينية منذ بدايتها، واحتضنت قيادتها وكوادرها، وتزايد تعاطف شعبها مع قطاع غزة على وجه التحديد في السنوات الأخيرة.

شاب فلسطيني يرفع علم الجزائر خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية.

وحسب ما نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصادر في الحركة، فإن حركة حماس: «لا تريد أن تحصر تواجدها في بلد واحد، وتسعى إلى توزيع مسؤوليها وتخفيف الضغط عن أي دولة، بتواجد عدد أقل من قادتها فيها، بعد تجربة سوريا وقطر، وتجربة أخرى في تركيا، لا تريد الحركة تركيز ثقلها السياسي في أي بلد عربي».

يتفق ما مع سبق، أستاذ العلوم السياسية والإعلام بجامعة فلسطين التقنية (خضوري)، محمد اشتيوي، ويقول: «من مصلحة حماس العمل على توزيع قيادتها وعدم تركيزهم في دولة واحدة كما في السابق»، ويرى «اشتيوي» أن المعادلة تغيرت بعد أن تحول مركز الثقل السياسي لحماس إلى الداخل وتحديدًا في قطاع غزة بعد انتخاب «إسماعيل هنية» رئيسًا للحركة، وذلك حتى يصبح القطاع مركز الثقل لحماس، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «العلاقة بين حماس والجزائر علاقة طيبة، فهي رفضت مسبقًا تصنيف الإخوان وحماس في قوائم الإرهاب، كما أن الجزائر تسهل دخول قادة حماس للبلاد وتمنحهم تأشيرات، ورغم أنه من الممكن أن تستقبل الجزائر عددًا من قادة حماس، لكن لا أرى حراكًا في هذا الاتجاه».

(حمس).. جسر واصل لحماس

يعتقد الباحث الأول في مركز الشرق للسياسات «جلال سلمي» أن عمليات استقطاب حركة (حمس) اليوم ووضعها وعلاقتها الجيدة مع الحكومة الجزائرية، بخلاف التاريخ والماضي، سيكون لصالح حركة (حماس) التي تربطها علاقة قوية مع (حمس).

رئيس حركة مجتمع السلم (حمس)، عبد الرزاق المقري. مصدر الصورة: (فيسبوك).

ويضيف: «اعتمدت الحكومة الجزائرية على (حمس) لإجراء مفاوضات مع إسلاميي ليبيا، لذلك قد تكون (حمس) عبارة عن جسر واصل ومقنع للحكومة الجزائرية، لاستقبال قادة حماس ومنحها وضعًا جيدًا في الجزائر».

ويرى «سلمي» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه لا يوجد معيقات قوية تجاه اتخاذ قرار جزائري بتواجد قادة حماس على أراضيها، مشيرًا إلى أن الوضع الدولي ليس بالضرورة يفرض حصارًا على أي دولة تستقبل حماس، خاصة أن أوروبا لا تعتبر حركة حماس إرهابية، موضحًا: «الجزائر ليس لها علاقات وتداخلات مع الأقطاب الدولية المتناحرة، وعدم تناحرها واتباعها العزلة في السياسة الخارجية يجعلها في معزل عن هذه الأمور».

ويتابع القول: «اختلاف القطب الذي تعتمد على الجزائر وهو فرنسا، وكأنها تحت الحماية الفرنسة، وتمتعها بقدر من الاكتفاء الذاتي، ووجود حاضنة شعبية واسعة في الجزائر مع حماس، وعدم وجود ارتباط دولي اقتصادي سياسي دبلوماسي مع العالم والاكتفاء بتحقيق تعاون مع فرنسا وإيطاليا، كلها أمور لا تعيق انتقال قادة حماس إلى الجزائر».

المصادر

تحميل المزيد