الحديث عن إقامة قاعدة عسكرية أمريكية في الجزائر ليس وليد اليوم، ولكنه يعود لسنوات، عندما تنقلت الولايات المتحدة الأمريكية بطلبها عبر أكثر من دولة إفريقية وعربية، بخصوص إقامة قاعدة عسكرية تتيح لواشنطن سهولة تتبع ورصد أنشطة الجماعات المتطرفة، ولا سيما فرع تنظيم القاعدة في شمال إفريقيا، المسمى “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، الذي ازداد ونضج وترعرع على التراب الجزائري قبل أن يمتد نشاطه إلى بلدان الجوار، وخاض إلى جانب جماعات مسلحة أخرى من مالي ومن بعض دول جنوب الصحراء والساحل، حربًا ضروسًا في مالي مع القوات الفرنسية والإفريقية، وما تزال هذه الحرب قائمة وإن بدرجة أكثر حدة.

أفريكوم

وزير الخارجية الأمريكي في لقائه مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مؤخرًا

وفق المعلومات المتوفرة فإن القيادة الأمريكية الأوروبية (إيوكوم)، هي المسؤولة عن باقي الدول الإفريقية وعددها 41 دولة، ويرى القادة العسكريون الأمريكيون أن (أفريكوم)، التي تقترح واشنطن إقامتها في الجزائر أو المغرب أو إحدى الدول الحليفة لأمريكا في المنطقة، ستجعل القوة العسكرية الأمريكية أكثر فاعلية في ممارسة نشاطاتها عبر القارة الإفريقية، ومطاردة المجموعات المسلحة المتشددة.

المعطيات التي يفيدنا بها موقع ويكيبيديا تقول أن المشاركة الأمنية الأمريكية في صورة ملحوظة برزت في القارة الإفريقية منذ عام 2001، وطرحت مبادرة الساحل والصحراء عام 2002، والتي تضم رؤساء الأركان في كل من: الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا والسنغال ونيجيريا ومالي والنيجر وتشاد، وتهدف إلى دعم التعاون بين هذه الدول في مجال مكافحة الإرهاب.

وقد شارك نحو ألف جندي أمريكي في تدريبات عسكرية للتصدي للإرهاب في الصحراء الإفريقية، وهي أضخم عمليات للولايات المتحدة في القارة السمراء منذ الحرب العالمية الثانية. وسعيًا وراء تحقيق الهدف ذاته واستجابة لتنامي نشاط القاعدة والشبكات الإرهابية في شمال وغرب إفريقيا، خصصت الإدارة الأمريكية مبالغ مالية مهمة لمكافحة الإرهاب في المنطقة. وساعدت تلك المبادرات على تعزيز العلاقات بين دول القارة، ومن ضمنها العديد من الدول الإسلامية والعربية بالخصوص كالجزائر، والمغرب، وموريتانيا، وتونس، ومالي وغيرها.

أي تنسيق؟

قوات أمريكية في مناورات بإحدى الدول الإفريقية

قوات أمريكية في مناورات بإحدى الدول الإفريقية

كانت الولايات المتحدة أعلنت رسميًّا في سنة 2008 تشكيل قيادة عسكرية إقليمية وحيدة لإفريقيا (إفريكوم)، في شتوتجارت (جنوب غرب ألمانيا)، لتنسيق وجودها العسكري بشكل أفضل في هذه القارة، ووفق الجيش الأمريكي فإن “أفريكوم” ستكون مسئولة حيال البنتاجون عن العلاقات العسكرية للولايات المتحدة مع الدول الثلاث والخمسين في القارة. ولم يتم حتى الآن اختيار مركز المقر العام للقيادة في القارة الإفريقية، ورفضت أكثر من دولة الطلب الأمريكي بإقامة قاعدة أفريكوم، لتبقى العمليات الأمريكية التي تستهدف المجموعات المتشددة ومحاربة الإرهاب في القارة السمراء، ولاسيما ما يتعلق منها بمنطقة الساحل والصحراء، خاضعة للقيادة الإقليمية الأمريكية بمنطقة أوروبا “يوكوم” بشتوتجارت بألمانيا.

ما تسرب من أخبار، نقلاً عن دبلوماسي أمريكي، فإن رفض الجزائر إقامة قاعدة عسكرية أمريكية، جوبه برفض واشنطن بيع طائرات من دون طيار إلى الجزائر، بينما يقول بعض المتتبعين العكس، أي أن رفض بيع واشنطن لتلك الطيارات للجزائر جعل الأخيرة ترفض فتح إقليمها للجيش الأمريكي لينشئ قاعدة عسكرية.

حسابات..

قوات أمريكية تابعة لأفريكوم

لكن الثابت هو أن هناك حسابات يأخذهما كل من البلدين بعين الاعتبار، ومن ذلك أن واشنطن تواصل “توجسها” من التقارب والتعاون القائم بين الجزائر وروسيا منذ الحرب الباردة، ومنذ عهد الاتحاد السوفييتي، بل إن حتى معطيات التسلح الجزائري تصب في اتجاه السوق الروسية، بحيث تمت إقامة واحدة من أكبر صفقات شراء السلاح الروسي، نهاية السنة الماضية، وصلت قيمتها إلى 10 مليارات دولار. وشملت الصفقة بحسب تقارير صحفية مقربة من أصحاب القرار الجزائري، تزويد سلاح الجو الجزائري باثنين إلى أربع من أسراب القاذفات التكتيكية بعيدة المدى سو32، وثلاثة أسراب هليكوبتر هجومية من طراز “مي 28″، وطائرات من نوع “ياك “130 المناسبة للهجوم على الأرض. وعلى مستوى القوات البحرية ضمت الصفقة النظم الأرضية “باستيون” المضادة للسفن، إضافة إلى غواصتين “كيلو” مع حق شراء اثنتين أخريين بنفس الشروط، أما على مستوى القوات البرية فشملت الصفقة شراء 180 دبابة طراز “تي 90 إم إس”، وتعزيز أسطولها من صواريخ متعددة قاذفات طراز “إسميرش”.

وفي المقابل تنظر الجزائر بعين “الشك والريب” بل و”القلق” إلى بعض مواقف واشنطن على المستوى الإقليمي، لا سيما موقفها إزاء المملكة المغربية، التي يبدو أنها بالإضافة إلى أنها ظلت وفية لسوق التسلح الأمريكية، بحيث وقعت الرباط وواشنطن، في صيف السنة الماضية، اتفاقًا يقضي بموجبه شراء المغرب لصفقة سلاح أمريكي وصلت قيمته الإجمالية 12 مليار دولار، فإن قضية الصحراء وموقف واشنطن الأخير المؤيد بشكل كبير للمملكة المغربية، جعل الجزائر المؤيدة لأطروحة انفصاليي البوليساريو تصاب بخيبة أمل، هذا في نفس الوقت الذي ينظر الحكام الجزائريون بغير قليل من الشك من أن تكون الجولة التي قام بها الملك محمد السادس في الآونة الأخيرة بعدد من دول جنوب الصحراء والغرب الإفريقي، جاءت بضوء أخضر من واشنطن التي يمكن أن تستغلها لأي وجود عسكري مستقبلاً، بعدما “مهد” المغرب الطريق لها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد