«مسلم ونص»، قالها الروائي الجزائري «رشيد بوجدرة» الذي أعلن إلحاده أكثر من مرة، قالها بخوف وإرباك وإهانة في برنامج لم يكن يعلم أنه «كاميرا خفية»، كما نطق فيه الشهادتان أيضًا أكثر من مرة.

ما إن انتهى بث البرنامج في وقت الذروة الرمضاني، عندما يلتف الجزائريون حول مائدة الإفطار وهم يشاهدون برنامج «رانا حكمناك»، حتى تحول لقاء بوجدرة ذي الـ78 سنة إلى قضية رأي عام، وموضوع جدل سياسي كبير على الساحة الجزائرية، فبينما سارع اليساريون من التيار الذي ينتمي له بوجدرة للتضامن معه، انقسم موقف إسلاميي الجزائر بين متضامن بحذر، ومستنكر لهذا التضامن على اعتبار أن ما حدث يقع ضمن الحرية التي ينادي بها يساريو وشيوعيو الجزائر، كما أحدث أيضًا تضامن الشقيق الأصغر للرئيس الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة» مع بوجدرة جدلًا آخر.

إسلام «بوجدرة» يضحك الجزائريين

في ليلة 31 مايو (أيار) الفارط، حل الروائي الجزائري «رشيد بوجدرة» المولود في عام 1941 ضيفًا على برنامج الكاميرا الخفية «رانا حكمناك»، والذي يعني باللهجة الجزائرية «قبضنا عليك»، وهو برنامج تبثه قناة النهار التلفزيونية الخاصة، وتستضيف فيه شخصيات معروفة لدى الجمهور الجزائري.

بدأ اللقاء ثقافيًّا عاديًا، قبل أن يقتحم شابان يمثلان دور الشرطة الأستوديو، ويطلبان من بوجدرة وثائقه الثبوتية، ثم نسبا له تهمة «الإلحاد والتخابر مع دولة أجنبية»، وطلبا منه النطق بالشهادتين لنفي إلحاده، ودُفع الرجل تحت وطأة الخوف والترهيب لنطق شهادتي الإسلام، لتأكيد أنه مسلم، بعد أن أشهر إلحاده في وقت سابق، وقال وهو مرتبك: «أنا مسلم، ولكن فقط لا أصلي»، وتكرر الطلب، وفعل بوجدرة أكثر من مرة، ثم رفض «بوجدرة»، وقال للممثلين قبل كشف هويتهما «فعلت ذلك للتو.. هكذا أنتم حابين تحقروني»، ومع استمرار الضغط على «بوجدرة» انفجر غاضبًا قائلًا: «قيلوني.. قيلوني» (اتركوني، اتركوني) مشتبكًا مع رجل حاول إيقافه، ومن ثم انسحب من الأستوديو.

أحدث بث هذه الحلقة، ضجة كبيرة في الشارع الجزائري، خاصة أن «بوجدرة» لم يكتفِ باعتذار مدير قناة النهار «أنيس رحماني» معترفًا بأن البرنامج لم يحترم قواعد العمل، وإنما خرج أيضًا مع العديد من المتضامين معه إلى الشارع، وعجل برفع دعوى قضائية ضد القناة على خلفية بث البرنامج دون موافقته.

الروائي الجزائري «رشيد بوجدرة» (فيسبوك)

وقد استنكر الكتّاب والمثقفون والمدونون الجزائريون، خاصة اليساريين منهم، ما تعرض له «بوجدرة»، معتبرين أن ما جاء في البرنامج «اعتداءً سافرًا ومقصودًا، وصدمة للمثقفين والمشاهدين والمجتمع المدني عمومًا، بسبب موضوع الحلقة أولًا، وأسلوب الترويع الذي مورس على الرّوائي في استنطاقه، والتدخل في حريته الشخصية ثانيًا، وإرغامه على التصريح بعقيدته قسرًا»، حسب بيان تنديد صدر عنهم، وجاء فيه أيضًا أن «هذه الممارسة تمثل تدخلاً سافرًا في حرية الكاتب، وتشكل ضغطًا على وعي المشاهد، ووصاية على ضميره، ومساسًا بحريته، بعدما اعتاد البرنامج على ممارسة العنف على ضيوفه وتقديمهم ضحايا للمشاهدين، وبذلك يمارس عنفًا على الجمهور، ويؤسس لعملية محاكمة النوايا والتشكيك في الأشخاص، ويمس بالحريات الأساسية للمواطن».

ويعتبر «بوجدرة» واحدًا من أبرز الوجوه الروائية في الجزائر، وأكثرهم إثارة للجدل على الساحة الأدبية، عمل في التعليم، وحاضر في كبرى الجامعات في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، وتقلد مناصب كثيرة، منها أمين عام لرابطة حقوق الإنسان، وفي سنة 1987 انتخب أمينًا عامًا لاتحاد الكتاب الجزائريين لمدة 3 سنوات، وهو لا يخفي توجهه الشيوعي الماركسي، فقد انضم إلى الحزب الشيوعي الجزائري إثر استقلال بلاده سنة 1962، و يعرف بعدائه للإسلاميين، فقد هدد في عام 2012 بـ«حمل السلاح في حال وصول الإسلاميين للسلطة في الجزائر»، وقال إنه  لا يمانع في حمل السلاح ضدهم مثل ما فعله في شبابه خلال فترة الاستعمار الفرنسي.

أعلن الرجل إلحاده أكثر من مرة كما أسلفنا، إلا أن أكثرها إثارة للجدل كانت وقت استضافته في برنامج «المحكمة» الذي يبث على قناة الشروق الجزائرية، إذ شكلت هذه الحلقة محطة مهمة في علاقته بالشعب الجزائري، فقد كان أول مواطن جزائري يشهر إلحاده مباشرة على التلفزيون، وقد بدأ ظهوره في البرنامج بالقسم بأمه التي لم يزر قبرها البتة بدلًا من القسم بالله، كما هو معتاد من الضيوف البرنامج، ليكون سؤال المذيعة الأول إذا ما كان يؤمن بوجود الله، فكان ردّه: «أنا لا أؤمن بالله ولا بالإسلام… وإذا ما خيّرت بين الديانات فسأختار البوذية لأنها الأكثر مسالمة وروحانية»، كما قال إن «الإلحاد عبارة عن مسألة شخصية، أنا أفضل نفسي ملحدًا نزيهًا على أن أكون مسلمًا منافقًا».

وأحدث حواره غضبًا كبيرًا في الشارع الجزائري؛ مما دفعه إلى التراجع والقول بأنه مسلم ويدافع عن الإسلام، وبأن تصريحاته بأنه ملحد كانت بغرض الدعابة، كما كان هناك من دافع عن «بوجدرة»؛ باعتبار أن إعلان إلحاده حق كفله دستور الجزائر، بمنحه حرية الرأي والتعبير.

لماذا تضامن شقيق الرئيس الجزائري «السعيد» مع «بوجدرة»؟

منح الرئيس الجزائري «عبد العزيز بوتفليقة» وسام الاستحقاق للروائي الجزائري «بوجدرة» تزامنًا مع قضيته المثارة الآن على الساحة، لكن المفاجأة الأكبر كانت مشاركة الشقيق الأصغر لبوتفليقة «السعيد» مجموعة من المثقفين والصحافيين وسياسيين الجزائريين في وقفتهم التضامنية مع «بوجدرة» قرب مقر سلطة الضبط للسمعي– البصري، وسط العاصمة الجزائرية، فقد فاجأهم «السعيد» بالترجل من سيارة دون حراسة، والانضمام إليهم، ثم قام بمصافحة «بوجدرة» والهمس في أذنه بالفرنسية: «إن ما فعلوه بك مشينًا، أنا هنا متضامن معك كمواطن».

الشقيق الأصغر لبوتفليقة «السعيد»

هذه المشاركة أحدثت ضجةً في الشارع الجزائري، فبينما عجل البعض لالتقاط صور «السيلفي» مع الرجل، هاجمه البعض وطلب منه الرحيل، وحسب تقرير نشرته صحيفة «القدس العربي» فإن: «الأصوات التي ارتفعت مطالبة إياه بمغادرة المكان هي أصوات سياسية تصرفت بمنطق سياسي من أجل استقطاب الأنظار، وأنه كان بالإمكان استغلال وجود السعيد بوتفليقة في الشارع لمواجهته بأمور جوهرية، بما في ذلك الرداءة التي يعانيها الإعلام»، ويضيف التقرير أن هناك من رأى أن: «الأصوات التي ارتفعت ضد السعيد بوتفليقة كانت ضرورية، لأنه مسؤول عن الوضع الذي تعيشه البلاد على كل المستويات».

المحللون والكتاب الجزائريون رأوا في حضور «السعيد» رغبة في التضامن مع تياره اليساري الذي كان أحد أهم ناشطيه أثناء الدراسة الجامعية، وهناك من اعتبر أن السعيد الذي يوصف بـ«الحاكم الفعلي» للجرائر يريد قياس مدى شعبيته تحسبًا لترشحه للرئاسة الجزائرية، لكن التفسير الأقرب هو محاولة «السعيد» إبعاد تهمة ملكيته لقناة «النهار» التي نُظم الاحتجاج ضدها، ورغبة منه في نفض يده عن القناة المحسوبة على السلطة، إذ كان اسم مالك القناة الصحافي «أنيس رحماني» مرتبطًا دائمًا في أذهان الجزائريين بـ«السعيد بوتفليقة»، فقد حضر «السعيد» ليتبرأ من الصورة السلبية التي طبعتها القناة بخرق المحظور الذي يسيء إلى الطبقة الحاكمة أمام شركاء الجزائر في العالم.

يقول الكاتب الجزائري «محمد رابح» عن «السعيد»: «إن نزوله إلى الشارع ومشاركته المحتجين ضد مضمون حصة النهار يحمل دلالات سياسية عميقة بعد تغيير حكومي شهد رحيل أسماء كانت محسوبة»، مضيفًا: «قد تكون رسالة من الرجل للرأي العام أنه ثابت على أفكاره التي ناضل لأجلها في الجامعة، وأيضًا إعلان تشكيل خارطة جديدة لحلفاء في الإعلام والسياسة في الأيام القادمة».

إسلاميو الجزائر مع «بوجدرة» أم ضده؟

«ليس من الدين ولا من الأخلاق ولا من الاحترافية التي عودتنا عليها هذه القناة ذائعة الصيت، ولا من شيم الرجولة أن نغافل الناس لكشف خباياهم، فالنطق بالشهادتين تحت الإكراه مردود على صاحبه، وتجاوز في حق سماحة هذا الدين العظيم الذي لا يطارد الفارين منه، ولا يكره أحدًا على اعتناقه»، هذا ما قاله رئيس حركة مجتمع السلم السابق، «أبو جرة سلطاني»، تعقيبًا على برنامج الكاميرا الخفية مع بوجدرة.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” id=”” url=”https://www.facebook.com/Abderrazak.Makri/posts/1412693988776641″ width=”446″ ]

إلا أن الموقف الأكثر جدلية لإسلاميي الجزائر كان بسبب ما قاله رئيس حركة مجتمع السلم «عبد الرزاق مقري»، فبالرغم من أنه أعلن عن تضامنه مع «بوجدرة الإنسان» لكون ما حدث في البرنامج تجاوزًا للحد من قبل صحافيين لا يعرفون الامتداد الرهيب لبوجدرة، إلا أنه قال إنه متضامن أكثر مع الذين ظلموا قبل بوجدرة، مستشهدًا بعدم التضامن من قبل مع قناة «الوطن» التي أغلقت مؤخرًا.

فقد أكد المقري أن الوقفة التضامنية سابقة الذكر مع بوجدرة «غير صادقة»، وكتب على صفحته بـ (فيسبوك): «هؤلاء أصبحوا يمثلون طبقة بورجوازية، وإنهم هم من يسحق طبقة الشغيلة، وغدوا أداة الرأسمالية في الجزائر، بل أباطرة الفساد، ومصانع الفقر والبؤس»، وتابع القول: «ولو كانت وقفتهم صادقة ضد قناة النهار، لكانت قبل هذا اليوم، لأن الظلم والقهر الذي سلطته العديد من وسائل الإعلام المتحكم فيها من قبل السلطة ضد جزائريين شرفاء كثيرة قبل تلك الحصة المثيرة للجدل».

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” id=”” url=”https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=454524518256148&id=100010958101249″ width=”446″ ]

ورغم عدم رضا العديد من أبناء التيار الإسلامي الذي يمثله مقري عن هذا التضامن، إلا أنه أيضًا أثار غضب التيار اليساري الذي كان يقصده بـ«الوقفة غير الصادقة»، وأبرز هؤلاء كان الكاتبين الجزائريين أحميدة العياشي وكمال داود، فقد وجه العياشي كلامًا لمقري، جاء فيه: «تصفون من قاموا بالمبادرة لقول كلمة حق في وجه وليد من أولاد نظام جائر باليساريين بالمعنى القدحي، كأن واحدًا يقول عنكم إسلاميين مارقين، وأنا في غاية التأكد أن ما تقولونه هو مداعبة للعامة تخفون من ورائها مقاصدكم».

ودفع المقري للرد على العياشي قائلًا: «أنا لم أدن كل الذين وقفوا مع بوجدرة، ولكن أدنت بعض المحظوظين والنافذين في مؤسسات الدولة والمجتمع الذين صنع وقوفهم الحدث، ممن يعرفون بانتمائهم لليسار وهم أكبر الرأسماليين اليوم، ووقوفهم انتقائي أيديولوجي لم نره في انتهاكات أخرى في حق مظلومين جزائريين آخرين؛ بل هم سبب في انتهاكات أشنع مثل ما حدث مع قناة الوطن وغيرها وأنت أعرف بهم مني»، وقد ألمحت وسائل إعلام جزائرية أن المقري يقصد الشقيق الأصغر للرئيس الجزائري «السعيد».

علم الجزائر

وعلى غير مواقف الإسلاميين السابقة، رفض نائب الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء «حسن عريبي» التضامن مع بوجدرة، معبرًا عن استغرابه من الحملة التضامنية مع الروائي، وقال إن ما حدث معه أمر عاديًا يأتي على خلفية حرية الإعلام التي كان يطالب بها الجميع غير مراعين الدين والأخلاق، وقال: «أليس هؤلاء الحمقى والمغفلون من أشبعونا بعبارات الحريات العامة ولو مسّت أصل الدين ولو دعت إلى الإلحاد، ونفي وجود رب العالمين – تعالى الله عن كفرهم علوًا كبيرًا- أيقبلون في الله عز وجل السب والتهكم على بعض جرائدهم وفضائياتهم باسم حرية التعبير، ويرفضونها في الممسوخين من أمثالهم».

مضيفًا: «إن كانت الحرية عندكم لا تقف عند ثقافة ومجتمع ودين ولا رب العالمين، فبأي حق تلومون على النهار أو غيرها أن تواصت بما دعوتم له يا مجرمين… إنّها حرية التعبير التي استضافت روائيكم الشيوعي… وحرية التعبير هي من عرفته قدره أمام الملايين، وأنّه لا يستطيع أن يقاوم حشرة، فضلًا عن أن يرفع السلاح في وجه أمّة الملايين… فاصمتوا».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد