يَحكي موقع “ويكيبيديا” وكُتب التاريخ أنه في 29 أبريل 1827 جرت “حادثة المروحة”، في قصر الداي حسين، بالجزائر عندما جاء القنصل الفرنسي إلى القصر، وهناك طالب الداي بدفع الديون المقدرة بـ 20 مليون فرنك فرنسي، عندما ساعدت الجزائر بعد أن أعلنت الدول الأوروبية حصارًا عليها بسبب قيام الثورة الفرنسية. فرد القنصل على الداي بطريقة غير لائقة بمكانته، وهو صاحب حق، فرد الداي حسين بطرده ولوّح بالمروحة، وقيل لطمه بها. فبعث شارل العاشر بجيشه بحجة استرجاع مكانة وشرف فرنسا، وهذه الذريعة كانت السبب في الحصار على الجزائر سنة 1828 لمدة 6 أشهر وبعدها الاحتلال ودخول السواحل الجزائرية.

حادث المروحة الشهير الذي كان مقدمة لاحتلال الجزائر

وفي 28 أبريل سنة 2014 يتابع الجزائريون والعالم، عبر التلفزيون، رئيسًا مقعدًا على كرسيه المتحرك بسبب المرض، وهو يؤدي اليمين الدستورية، وبالكاد تخرج الكلمات من فيه وقد تلعثم كثيرًا لسانه فلم ينطق بكثير من الكلمات صحيحة؛ إنه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مدشّنًا ولايته الرابعة من على كرسيه المتحرك، لحكم البلاد الجزائرية التي أنجبت ذات سنوات احتلال أكثر من مليون شهيد لأجل الحرية والكرامة واستقلال القرار، لكن يبدو أن الحكام الجُدد لهم وجهة نظر أخرى في كل هذا!

جزائر الثورة !

حادثة احتلال الجزائر من قبل فرنسا التي ترجع إلى أزمة الديون التي نشبت بين الإيالة الجزائرية على عهد العثمانيين وبين الحكومة الفرنسية، بعدما دعّمت “الإيالة” فرنسا بالحبوب خاصة بعد العزلة التي فرضتها عليها أوروبا بسبب الثورة الفرنسية، التي خشيت الملكيات الأوروبية الرجعية من أن تعصف بأنظمتها الدكتاتورية، تشير (الحادثة) بشكل واضح إلى أن “الداي” أو الحاكم الجزائري كان محِبا للانعتاق والحرية ورافضا للعبودية والديكتاتورية المقيتة، وإن لم تعترف فرنسا بذلك بعد مد يد المساعدة لها من قبل الجزائريين.

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قبل أن يمرض

وبعد نحو قرنين من الزمن على تلك الحادثة التي تؤرخ لحب الإنسان الجزائري عموما للحرية والكرامة والتضحية بكل شيء من أجلهما، نقف على حادثة هي أبعد من مجرد مقارنة بينها وبين “حادثة المروحة” مع وجود الفارق الكبير بينهما، بحيث تابع العالم كيف أن السلطة الحاكمة في الجزائر أصرت على ترشيح رئيس مريض وبلغ من العمر 77 عامًا للانتخابات الرئاسية، وبعدما اتهمت المعارضة “النظام” مسبقا بأنه يرشح بوتفليقة لكي يعيد “ترشيحه” بولاية هي الرابعة له، تحولت “الاتهامات” إلى حقيقة يوم 17 أبريل/نيسان الماضي، بالرغم من أن الرئيس المقعد لم يخرج ولو لمرة واحدة أمام الناخبين ليخاطبهم ببرنامجه الانتخابي، وتكفل آخرون بذلك بالنيابة.

قلق..

طريقة إدارة حملة الرئيس بوتفليقة الانتخابية زادت من “قلق” الجزائريين على مستقبل بلادهم، حتى وإن كان جزائريون آخرون، وفق تقارير إعلامية موالية للسلطة، يرون في إصرار الرئيس بوتفليقة على الترشح “صورة لتضحية” الإنسان الجزائري، وأن تقديم الترشح من جديد رغم الظروف الصحية هو رغبة أكيدة في “الاستمرارية والاستقرار”، بدل الفوضى التي حلت بعدد من دول الجوار بعد ما سمي بـ”الربيع العربي”.

مناضلون من حركة بركات ضد ترشيح بوتفليقة

قلق المواطن الجزائري، الذي ترجمته تظاهرات شعبية خرجت إلى الشارع مباشرة بعد إعلان ترشح الرئيس “العليل” بوتفليقة، وكذا أثناء الحملات الانتخابية الرئاسية، وجُوبهت بعنف القوات الأمنية، هو نفسه القلق الذي راود شريحة مهمة من الجزائريين مباشرة بعد نقل التلفزيون الرسمي صور مراسيم تأدية اليمين الدستورية للرئيس “المتوج” من جديد؛ حيث بدا الرئيس متعبا وبالكاد ينطق كلمات القسَم ويتلعثم في النطق بأخرى، ما جعل المعارضة تتهم “النظام” من جديد بأنه بمواصلته التشبث برجل عجوز وعليل في الحكم فإنه يوجه “الإهانة” تلو الأخرى للجزائر وللشعب الجزائري، الذي ضحى في الماضي بملايين الشهداء الذين ناضلوا بأرواحهم من أجل الحصول على الحرية والاستقلال، فكيف لهذه البلاد أن تعجز عن إنجاب رجل يكون كفْءاً وأهلًا لحكُمها؟ يتساءل بعض المعارضين.

المعارضة متواصلة

يبدو أن قلق الجزائريين بدأ يتخذ أبعادًا أخرى بالإضافة إلى الاحتجاج في الشارع العام، بحيث بعد أقل من 24 ساعة من تأدية الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، اليمين الدستوري، تحركت وبقوة الأحزاب المعارضة مطالبة المجلس الدستوري بتفعيل المادة 88 من الدستور؛

الرئيس بوتفليقة

وتقدمت الأحزاب المعارضة حركة “بركات” (أي كفاية)، في الخطوة، حيث أرسلت مساء الثلاثاء 29 أبريل/ نيسان الجاري رسالة إلى المجلس الدستوري تدعو فيها رئيسها، مراد مدلسي، المحسوب على النظام، بتنحية بوتفليقة من الحكم استنادا إلى المادة 88 من الدستور، والإعلان عن حالة شغور منصب الرئيس، بالنظر إلى الحالة الصحة السيئة التي ظهر فيها بوتفليقة خلال تأديته لليمين الدستورية وهو يردد القسم الدستوري بصعوبة بالغة.

وقد استندت حركة “بركات”، بحسب بيان وزعته على الصحافة، إلى الصور التي نقلها التلفزيون الحكومي يوم الاثنين بقصر الأمم لنادي الصنوبر بالعاصمة، حينما كان الرئيس بوتفليقة يؤدي اليمين الدستوري، وهي الصور التي كشفت الصعوبات التي وجدها الرئيس الجديد في ترديد اليمين الدستوري أو قراءة الرسالة كاملة التي كان منتظرًا أن يلقيها على الحاضرين واكتفائه بالصفحة الأولى من البيان الذي حمل إحدى عشر صفحة، فضلا عن طريقة حديثه وتأديته لليمين، وهو ما يعتبر سببًا كافيًا، برأي الحركة، لتفعيل المادة 88 من الدستور الجزائري وتنحية بوتفليقة من منصبه.

مسؤولية تاريخية

محتجون ضد النظام الجزائري واستمرار الرئيس بوتفليقة

في رسالة “بركات” تحميل صريح للمسؤولية لرئيس المجلس الدستوري إذا لم يستطع تفعيل بنود الدستور التي تتناقض مع وضعية الرئيس الحالي الصحية، بحيث أكدت الحركة أنها تحمل رئيس المجلس الدستوري “المسؤولية التاريخية كاملة أمام الله، الشعب والأجيال القادمة”، وتدعوه إلى التطبيق الصارم لما جاء في المادة 88 من الدستور.

وفي ذات السياق اعتبرت شخصيات من المعارضة أن ظهور بوتفليقة على التلفزيون الحكومي وخطابه يؤكد وضعه الصحي السيء، وطالبت بتفعيل المادة 88 من دستور 1996 المعدل في 2008، والتي تنص على أنه “إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامّه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوري وجوبا، وبعد أن يتـثـبّـت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التصريح بثبوت المانع. (..) وفي حالة استمرار المانع بعد انقضاء 45 يوما، يعلن الشغور بالاستقالة وجوبا”.

دعوات المعارضة المجلس الدستوري لتفعيل بنود الدستور لـ”تنحية” الرئيس المريض، قد تكون مبادرة جديدة ضمن مبادرات أخرى قد تنضج مستقبلًا، إلى جانب احتمال استمرار الاحتقان الاجتماعي والسياسي الذي يعرفه الشعب الجزائري.. كلها ظروف قد تحرك الشارع الجزائري في مستقبل الأيام بقصد “التغيير” الذي لا شك أن أحفاد المليون شهيد يتطلعون إليه حتى وإن حاولوا إقناعهم بأن الثورات تعصف بالاستقرار، على غرار ما فعلت ببلدان الجوار.

عرض التعليقات
تحميل المزيد