أحمد طلب

14

أحمد طلب

14

1,892

باتت أموال الزكاة في الجزائر محور اهتمام المحللين الاقتصاديين، ومصدر جدل واسع كذلك؛ إذ يرى البعض أنها بديل مهم لتمويل الاقتصاد الجزائري ومساعدته على تخطي الصعوبات التي تواجهه بسبب تراجع أسعار النفط، وعدم قدرة البلاد على تنويع المصادر بشكل حقيقي، ولكن هل يمكن أن تعول الجزائر على هذا المصدر، في حين أن الزكاة غير إجبارية ولا تنضم لموازنة الدولة، ومن الصعب أن تكون كذلك في المستقبل؛ في ظل ضعف ثقة الكثير من الجزائريين في صندوق الزكاة؟

في الواقع تقوم الزكاة بوجه عام بدور اقتصادي كبير؛ إذ تساهم في تحريك الأموال وانتقالها وتدويرها بين الناس وتنعش الطلب على المنتجات، وهو الأمر الذي يساعد في تحريك الأسواق ومعالجة الركود الاقتصادي وزيادة الاستثمار في الاقتصاد، كما أن لها دورًا مهمًا في معالجة العديد من الأزمات كالفقر، والبطالة، إذ تعد إحدى الركائز المهمة في دعم التنمية الاجتماعية ضمن منظومة اقتصادية متكاملة.

وعلى المستوى الاقتصادي يعيش الجزائر وسط دوامة من الأزمات، فلا تزال نحو 95% من الإيرادات تأتي بشكل مباشر أو غير مباشر من قطاع الطاقة، وهو ما جعل البلاد تفقد أكثر من نصف إيراداتها من النقد الأجنبي بسبب هبوط النفط، إذ هوت من 60 مليار دولار في 2014 إلى 27.5 مليار دولار نهاية العام الماضي، وفي الوقت ذاته فإن حوالي 83% من النسيج الإنتاجي يتكون من صغار التجار أو الخدمات، بالمقابل فإن القطاع الإنتاجي يبقي هامشيًا، ويمثل أقل من 5% من الناتج الداخلي، وهو ما يقوض فرص البلاد في التنوع الاقتصادي الحقيقي.

ومن هنا جاءت المطالبات بضم إيرادات صندوق الزكاة الجزائري إلى موازنة البلاد التي تعاني عجزًا متوقعًا بالسنة المقبلة يفوق 20 مليار دولار؛ إذ تقدر إيراداتها العامة بنحو 65 مليار دولار، والنفقات الإجمالية 85.5 مليار دولار، فهل سيكون لهذا الإجراء جدوى اقتصادية؟

ما هو صندوق الزكاة الجزائري؟

في البداية انطلقت الجزائر في جمع الزكاة عام 2003، من خلال إنشاء ما سمي بصندوق الزكاة، وهو مؤسسة دينية اجتماعية تعمل تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، والتي تضمن له التغطية القانونية بناء على القانون المنظم لمؤسسة المسجد، ويتشكل الصندوق من 3 مستويات تنظيمية، وهي: اللجنة القاعدية التي تكون على مستوى كل دائرة، مهمتها تحديد المستحقين للزكاة على مستوى كل دائرة، بالإضافة إلى اللجنة الولائية، وتكون على مستوى كل ولاية، وتوكل إليها مهمة الدراسة النهائية لملفات الزكاة على مستوى الولاية، وأخيرًا اللجنة الوطنية وهي الممثلة في المجلس الأعلى لصندوق الزكاة.

وخلال الـ14 عامًا الماضية تضاعفت إيرادات الصندوق الجزائري عدة مرات، وحقق نجاحًا كبيرًا بالرغم من الاتهامات من البعض بوجود فساد في المستويات التنظيمية للصندوق، وبحسب ورقة بحثية للأستاذ بكلية العلوم الاقتصادية، بجامعة سعد دحلب البليدة، مسدور فارس، الخبير بصندوق الزكاة الجزائري، وأحد المساهمين في تأسيس الصندوق، يعتمد الصندوق في توزيع الزكاة على قسمين: الأول موجه للاستهلاك، وهو خاص بالعائلات المعدمة التي لا تملك القدرة على العمل، والثاني موجه للاستثمار، وهو خاص بالعائلات والأفراد القادرين على العمل، وهذا لا يكون إلا إذا تجاوزت الحصيلة في الولاية المعنية مبلغًا معينًا يحدد كل عام، وهو يخصص لتمويل المشروعات الصغيرة لمختلف الفئات القادرة على العمل على أساس صيغة القرض الحسن – قرض بدون فائدة – مع تسهيلات خاصة في التسديد.

وكشف وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى، عن أن تحصيل الزكاة لهذه السنة بلغ 140 مليار سنتيم (الدينار = 100 سنتيم) وهي أعلى حصيلة حقّقها صندوق الزكاة منذ نشأته، إذ تبلغ 1.4 مليار دينار (14 مليون دولار)، وهذا الرقم في الواقع متواضع كثيرًا مقارنة بالعجز البالغ 20 مليار دولار، لكن تبقى الآمال في زيادة حصيلة الصندوق بالسنوات القادمة، بالإضافة إلى أن الأموال المسترجعة من القروض الحسنة منذ سنة 2004 إلى غاية 2011، مجمدة لدى بنك البركة، والتي تقدر بمبلغ 2.207 مليار دينار، ولم توظف لحد الآن.

جدير بالذكر أنه حدد نصاب الزكاة لعام 1438هـ الموافق 2017-2018م، بما يعادل 85 غرام من الذهب، أو ما يقابله بالعملة الجزائرية 450 ألف دينار (4500 دولار)، بحسب وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، إذ إن المزكي وجب عليه دفع 2.5% من قيمة النصاب (4500 دولار)، سواء من النقود أو العروض التجارية والسلع التي تحدد قيمتها بثمنها الحالي في السوق، وتحديد النصاب هو إجراء سنوي تقدمه وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

دعوات لضم الزكاة لميزانية الجزائر

كان عبد الرزاق مقري، الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم الجزائرية (أكبر حزب إسلامي)، دعا مطلع أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي إلى إدماج الزكاة في المنظومة الضريبية للبلاد، قائلًا: إن الزكاة تعد واحدةً من أبرز الحلول التي يمكن أن تلجأ إليها الدولة لمواجهة التراجع المخيف للموارد المالية.

وبحسب أبو عبد الله غلام الله وزير الشؤون الدينية الجزائري السابق، فإن مقدرات البلاد الحقيقية من الزكاة تحوم حول نسبة 2.5% من الناتج الوطني الخام (الإجمالي)، أي ما يقارب 4 مليار دولار سنويًا، ويقدر الناتج الوطني الخام للجزائر في 2016 بنحو 160 مليار دولار وفق معطيات الديوان الوطني للإحصاء التابع لوزارة المالية (حكومي).

بشير مصيطفى، الخبير الاقتصادي وزير الاستشراف والإحصاء السابق، من جانبه طالب بتفعيل الزكاة كآلية لتمويل احتياجات الأبواب، أي المصارف الخاصة بها (الفئات في حاجة لمساعدة)، وهو جزء من الإنفاق العام الذي نسميه في صلب ميزانية الدولة بالتحويلات الاجتماعية، والطريق المختصر لذلك هو تأسيس (البنك الجزائري للزكاة)، وهو بنك متخصص ضمن النظام المصرفي الجزائري، ويخضع للقانون التجاري الجزائري، ويعمل على تحصيل الزكوات في شكل حساب مشترك للمستحقين وتحويلها إلى أصول استثمارية لفائدتهم في أشكال ممكنة (مناصب عمل – أسهم – حقوق تملك – منح شهرية – حقوق توريث)، إذ يرى أنه بذلك ستدخل الزكاة في خانة تنويع الاقتصاد.

ويدعو مسدور، إلى إنشاء ديوان وطني للزكاة يهتم بالجمع والتوزيع والاحصاء والاستثمار، قائلًا إن المساعدة التي يمكن أن تقدمها الزكاة لميزانية الدولة المخصصة للشؤون الاجتماعية تصل إلى 30%، وبالتالي التخفيف من الأعباء على الخزينة العمومية، إذ يرى أن الجزائر أمام ثروة هائلة – أي الزكاة – لكنها لا تزال مهملة.

أزمة ثقة

وتعتبر قضية الثقة في الصندوق من أهم الجوانب المؤثرة على حصيلة الزكاة، فبعض المواطنين لا يثقون كثيرًا في طريقة الجمع، والبعض الآخر لا يثقون في طريقة الإنفاق، وهو الأمر الذي يعد عائقًا أمام زيادة الحصيلة بشكل أكبر، وعلى ما يبدو فإن أزمة الثقة تتركز بشكل أكبر بين الأثرياء، إذ أظهرت نتائج دراسة لمعهد «والث إكس» السنغافوري، المختص في احتساب الثروة ومدى انتشارها عبر دول العالم بين 2015 و2016، وجود أكثر من 4700 ملياردير في الجزائر، يمتلك كل واحد منهم على الأقل مبلغ مليون دولار (17 مليار سنتيم).

وبالنظر إلى هذه الإحصائية، فإن المبالغ المحصلة ضعيفة جدًا، إذ تشير إحصاءات غير رسمية إلى أن 90% من أموال الزكاة تبقى حتى الآن غير محصلة، أي أن المحصل هو 10% فقط، وهو ما يشير إلى أن الصندوق لا يزال يحتاج إلى كثير من العمل حتى يثق فيه الجزائريون.

هل ضم الزكاة للموازنة يعزز ثقة الجزائريين؟

بالنظر إلى مشروعية الزكاة في الإسلام، ربما لن يتحمس الجزائريون لهذا الاتجاه؛ لأن الإنفاق في الموازنة يشمل جميع المواطنين من فقراء وأغنياء، إلا أن الزكاة يجب أن يتم إنفاقها على الفقراء، وهذا الأمر قد يضعف أيضًا من ثقة الجزائريين بالصندوق، ولكن مع قرار وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بمنح الصلاحيات الكاملة لمديريها الولائيين لتوزيع أو استثمار الأموال المحصلة من الزكاة، بدلًا عن إرسالها للجنة المركزية أو ضمها للموازنة، فإن هذا سيعزز من ثقة الجزائريين؛ لأن المزكي سيرى أن أموال الزكاة تنفق أمامه؛ وهو ما سيضيف كثيرًا من الثقة في الصندوق، في نظر البعض.

فبحسب مصدر بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، فإن الوزارة ستمنح الصلاحيات للمديرين المحليين من التصرف في أموال الزكاة المحصلة محليًا، وذلك قصد المساهمة بالتنمية المحلية للولاية، وذلك بدءًا من العام المقبل 2018؛ إذ ستقوم كل ولاية بوضع برنامج خاص بها، وفقًا للمال الذي تم جمعه من الزكاة، وتوزيعه على الفقراء.

على الجانب الآخر يقول وزير الشؤون الدينية والأوقاف الأسبق أحمد مرّاني، خلال منتدى نظمته صحيفة «الشروق» الجزائرية، إن عودة ثقة الجزائريين في الصندوق مرهونة بطريقة تنظيمه؛ إذ يرى أنه يجب أن تتولاه الحكومة، بدلًا عن المساجد، حتى تذهب الأموال لمستحقيها، موضحًا أن توزيع وجمع مال الزكاة عن طريق المساجد معرض للنهب، ويفتح المجال للاختلاس والسرقة.

وأكد «مرّاني» أنّ شفافيّة العملية ستمنح الثقة والأمان للمواطنين، مؤكدًا أنه في حال توعيتهم بأهمية إخراج الزكاة، بإمكان الصندوق أن يجني أمولاً طائلة سنويًا، ويمكن أن تكون مصدر دخل كبير، وتحلّ بذلك عددًا من المشاكل الاقتصادية لمستحقيها.