في 29 مارس (أذار) الماضي كان الجزائريون على موعدٍ مع الجمعة السادسة من الحراك الشعبي المستمر منذ شهر فبراير (شباط) الماضي ارتفع  شعار «الجيش والشعب خاوة خاوة» عاليًا في تلك الجمعة تقديرًا لموقف قيادة الأركان بانحيازها إلى جانب المتظاهرين ودعوتها بوتفليقة للاستقالة، استمر مديح الحراك الشعبي للمؤسسة العسكرية في الجمعة السابعة، وبلغ أوجه، بعد أن نجح الجيش في الضغط على بوتفليقة ودفعه للاستقالة، غير أنّ أصواتًا بدأت في الارتفاع شيئًا فشيئًا محذرةً من السيناريو المصري، وداعيةً إلى ترسيم دولة مدنية بعيدة عن حكم العسكر.

ومع بلوغ الحراك الشعبي جمعته العاشرة التي تزامنت مع اعتقال رموز الدولة العميقة بالجزائر (الجنرال توفيق، والجنرال بشير طرطاق، والسعيد بوتفليقة) طفت على الساحة شعارات مناوئة للجيش الجزائري من قبيل «دولة مدنية ماشي عسكرية» و«القايد صالح ارحل»، بعد أن ظهرت – حسب المتظاهرين – بوادر سقوط البلاد في حكم العسكر من جديد. هذه الشعارات المناوئة للجيش أغضبت قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، ودفعته إلى مهاجمة من يرفعها معتبرًا أنّ شعار «دولة مدنية ماشي عسكرية» يدخل ضمن «أفكار مسمومة أملتها دوائر معادية الجزائر»، مؤكدًا أنّ لا طموح لديه، أو لأي قائد بالجيش في حكم البلد.

والآن بعد مرور أكثر من ستة أشهر على انطلاق الحراك الشعبي يجد المتابع للشأن الجزائري الجيش الجزائري قد نجح في بسط سيطرته على مفاصل الحياة المدنية في الجزائر. في هذا التقرير نسلط الضوء على تعاظم الحضور العسكري في الحياة المدنية الجزائرية بعد الحراك الشعبي. 

يلقبونه بـ«المنجل».. الجنرال الجزائري الذي «حصد رؤوس» رجالات بوتفليقة

الإعلام الجزائري من «التطبيل» لبوتفليقة إلى «التسبيح بحمد» الجيش

تعرّض الإعلام المحلي لجملةٍ من الانتقادات للدور الذي لعبه في التعتيم عن الحراك الشعبي في بداياته، وهو الأمر الذي دفع بالعديد من الصحافيين الجزائريين للخروج في مسيراتٍ احتجاجية ضدّ هذا التعتيم، وللمطالبة بتحرير الصحافة، والسماح لها بتغطية المظاهرات، لينقل التلفزيون الجزائري في «الجمعة السادسة» المظاهرات لأوّل مرّة في تاريخه. كما تسابقت القنوات الخاصة في تخصيص البرامج ونقل صور المتظاهرين؛ في مشهدٍ أعاد لحظيًا رسم العلاقة بين الشعب والإعلام الجزائري التي كانت مهترئةً في ما قبل بسبب الانحياز المستمر من الإعلام لنظام بوتفليقة.

ومع إعلان بوتفليقة استقالته في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي بضغطٍ من المؤسسة العسكرية، واستمرار الإعلام في تغطيته الحراك على استحياء نظرًا للضغوط التي كان يتلقاها من الحكومة الجديدة – حسب الكثير من القنوات – وذلك بسحب الإشهار الذي يعدّ من أهم موارد الصحافة الخاصة بالجزائر، كان لزامًا على الإعلام التكيّف مع الحالة الجديدة التي تعيشها البلاد؛ وذلك بالترويج لرؤية الجيش للحل، وكذا تلميع قيادة الأركان وربط إنجازات الحراك بهم.

لافتة مناهضة لقائد الجيش الجزائري

ولبسط سيطرة المؤسسة العسكرية على الإعلام تحوّل الإعلام الرسمي إلى منبرٍ لخطابات قائد الجيش، كما أفرد التلفزيون الرسمي برامج خاصة لتحليل مواقف الجيش ودعمها، أثنى عليها القايد صالح في الكثير من المناسبات، ومن يشذ عن قاعدة تمجيد المؤسسة العسكرية في الإعلام الخاص يكون معرضًا للحرمان من الإشهار (الإعلانات) أو التعرّض للحجب؛ وهو الأمر الذي حدث لموقع «كلّ شيء عن الجزائر» الذي قامت السلطات بحجبه منذ 12 يونيو (حزيران) الماضي.

وكان أحد محرري الموقع قد أكّد لـ«ساسة بوست» وقوف الفريق أحمد قايد صالح وراء حجب الموقع، وذلك على خلفية التقارير المهنية التي ينشرها وأضاف المصدر – الذي رفض ذكر اسمه – أنّ إدارة الموقع تعرّضت لضغوط منذ بداية الحراك كانت المؤسسة العسكرية وراءها، كما تمّ حجب موقع «ألجيري بارت» الذي تعود ملكيته لابن الجنرال خالد نزار؛ بسبب التقارير المهاجمة لقيادة الجيش المنشورة على الموقع. 

الجيش هو «البطل دومًا» في الجزائر

طيلة ستة أشهر من الأزمة السياسية التي تعيشها الجزائر بعد استقالة بوتفليقة؛ ظلّت المؤسسة العسكرية أكثر اسمٍ تداولًا بين ألسنة الجزائريين؛ فعلاوة على دوره السياسي في مرافقة الحراك، كان الجيش الجزائري أمام مهامٍ أخرى بعيدةً عن مهامه الدستورية التي برّر من خلالها تدخله لعزل بوتفليقة، بدايةً من مرافقته في تأمين امتحانات شهادة البكالوريا، التي كانت في السنوات الماضية أكبر تحد للحكومات الجزائرية المتعاقبةً نظرًا للتسريبات وحالات الغش الجماعي التي باتت لصيقةً بها. 

بكالوريا هذه السنة، أو ما يفضّل الجزائريون تسميتها بـ«بكالوريا الحراك» كانت غير عادية؛ بسبب تدخل الجيش الجزائري في تأمينها، وذلك بتوفير أجهزة تشويش عالية الجودة؛ لمنع تسريب الأسئلة داخل القاعة، وكذا أجهزة لقطع الإشارة السلكية، كما نقلت أسئلة البكالوريا إلى مراكز الامتحانات على طائرات عسكرية وبمرافقةٍ أمنية.

كما تجري دراسة اقتراح تقدمت به وزارة التربية الوطنية لإعطاء أساتذة مدارس «أشبال الأمة» التابعة لـ«وزارة الدفاع الوطني» – التي نالت أعلى نسبة نجاح – مسؤولية إعداد مواضيع البكالوريا في السنوات القادمة لضمان سرية أكبر؛ ممّا سيُسهم في تعزيز الدور العسكري داخل قطاع التربية.

وخلال فترة الحراك ضربت الجزائر عدّة كوارث طبيعية، كالفيضانات التي ضربت مدينة جانت، وتمنراست في أقصى الجنوب الجزائري، وهي المأساة التي وجدت فيها المؤسسة العسكرية فرصة لإظهار مدى ارتباطها بالمواطن، وتعزيز صورتها لدى الطبقة الشعبية، وذلك بعمليات الإجلاء التي قامت بها للضحايا والمساعدات المقدمة للمنكوبين، وهو نفس الإجراء الذي قامت به لحلّ أزمة الحرائق التي عصفت بغابات الشمال الجزائري عبر توفير المعدات وتقديم المساعدات في إطفاء هذه الحرائق. 

ولم تسلم حتى الرياضة من تدخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، وعلى الرغم من غياب الفريق أحمد قايد صالح عن الاستقبال الرسمي لأبطال أفريقيا لكرة القدم، غير أنّ قرار وزارة الدفاع بتسخير طائراتها لنقل مشجعي المنتخب إلى القاهرة، ونزول الملحق العسكري للسفارة الجزائرية بالقاهرة إلى ملعب المباراة النهائية لمصافحة اللاعبين مؤشر – برأي البعض – على التدخل العسكري في أكثر القطاعات شعبية لدى الجزائريين. 

الاستقبال الشعبي لأبطال أفريقيا لكرة القدم

كما كانت للمؤسسة العسكرية بصمة في قطاع العدالة؛ وذلك بدعوة قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح لتحرير العدالة، وإلزام وزارته بمرافقة مكافحة الفساد، وكان لوزارة الدفاع الدور الهام في فتح جميع ملفات الفساد التي يحاكم فيها رموز النظام السابق، كما يتهم الكثير من المتظاهرين المؤسسة العسكرية بالسيطرة على القضاء وفرض إملاءات على وزارة العدالة لتصفية حساباته، وهي الاتهامات التي رفضتها قيادة الأركان مؤكدةً أنّ حملة محاربة الفساد «تقودها العدالة بكل حرية».

وعن هذا الموضوع تبرز الأستاذة في العلوم السياسية بجامعة غارداية هجيرة بن زيطة لـ«ساسة بوست» أنّ «انتشار  ظاهرة الفساد والتي أدت إلى موجة غضب هي فرصة للجيش من أجل البروز كحامي للدولة، فالجيش يعتبر النظام الحارس المستتر؛ إذ لا ترغب فيه المؤسسة العسكرية في التدخل المباشر واستلام مقاليد الحكم، لكنها تتدخل بالقدر الذي يضمن لها وجود من يتفقون معها حول الأهداف والتصورات السياسية والاجتماعية والثقافية للدولة».

تجدر الإشارة إلى أنّ «ساسة بوست» إتصلت بمقربين ومدافعين عن ضرورة تدخل الجيش في الحياة المدنية للجزائريين غير أنّهم رفضوا التعليق على الموضوع. 

«سجن العقرب الجزائري».. سجن الحراش من مُعتَقلٍ للثوار إلى نُزل رجال النظام

«اقتصاد الجزائر» في  عيون المؤسسة العسكرية

يختلف حضور الجيش الجزائري في الحياة المدنية عن سائر الجيوش العربية، ففي الوقت الذي تسيطر فيه جلّ الجيوش العربية على اقتصاد بلدانهم، يجدُ الجيش الجزائري نفسه بعيدًا عن لعب دورٍ في الحياة الإقتصادية للجزائريين، كما وجد القايد صالح نفسه في صدامٍ مع رجال الأعمال الجزائريين الذين استفادوا – حسبه – بغير وجه حق، من قروض بآلاف المليارات، وإلحاق الضرر بخزينة الدولة، واختلاس أموال الشعب.

غير أنّ الباحث في الوجه الاقتصادي للمؤسسة العسكرية يجد احتكارها لعلامة السيارات الخاصة بالشركة العالمية «مرسيدس»، وهو المصنع الذي يعكف على إنتاج أكثر من 25 ألف سيارة، كما يوظف أكثر من 30 ألف من المدنيين، كما تعكف المؤسسة العسكرية الجزائرية على الاستثمار في الساحة الاقتصادية من خلال أربع مؤسسات: «مجمع ترقية الصناعات الميكانيكية» ومقره في ولاية قسنطينة بالشرق الجزائري، و«مؤسسة الألبسة ولوازم النوم» في الجزائر العاصمة، و«مؤسسة تطوير صناعة السيارات» في ولاية تيارت بالغرب الجزائري، وأخيرًا «مؤسسة الإنجازات الصناعية» في سريانة بولاية باتنة. 

وتستبعد هجيرة بن زيطة تعاظم الدور الاقتصادي للجيش الجزائري في المستقبل، مبررةً ذلك بأن الدور السياسي هو الدور الوحيد الذي يتقنه الجيش الجزائري بالقول: «منذ الاستقلال دأبت المؤسسة العسكرية على التدخل في السياسة حيث تعتبر صانعة الرؤساء، رغم أن دورها دستوريًا محصور في المحافظة على الاستقلال الوطني، والدفاع عن السيادة الوطنية، ووحدة البلاد».

وتضيف قائلةً: إن «تعاظم دور الجيش سيكون بتدخلاته في الشأن السياسي، سواءً بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، لأنّه لا يزال القبول العسكري لمبدأ السلطة المدنية على العسكرية يمثل الحلقة المفقودة في ديناميكية التحول الديمقراطي رغم الانفتاح السياسي».

مظاهرات أخرى لدعم الجيش الجزائري

أمام تعالي الأصوات المناوئة للقيادة العسكرية ومطالبة تنحيها بات الانقسام يدبّ في حراك الجزائريين جمعةً بعد أخرى نظرًا للدعم الكبير الذي تتلقاه القيادة العسكرية وسط قطاعاتٍ كبيرة من الحراك؛ ما جعل تلك القطاعات تقوم بحراك مواز دعمًا للجيش الجزائري، وخياراته، ووسمه بـ«الجيش النوفمبري» أسوة بجيش التحرير الذي خاض معركة الاستقلال ضدّ فرنسا، وهو ما حدث في ولاية الجلفة؛ إذ خرج الآلاف من المتظاهرين في مسيراتٍ لدعم الجيش على خلفية الشعارات المناوئة له التي رفعها الحراك، وهو الأمر الذي شهدته معظم ولايات الجزائر بتنظيم وقفات مؤيدة للعسكر.

مسيرة دعم للجيش الجزائري وسط الحراك

ويعزو الكثير من المراقبين حركة الانحسار التي يشهدها الحراك الشعبي منذ أسابيع إلى الشعارات المناهضة للجيش وقياداته، والتي ساهمت في انخفاض عدد المتظاهرين بصورة كبيرةٍ، وتوقفه في عدّة ولايات، أبرز تلك الولايات التي أوقفت حراكها بسبب التهجم على الجيش حراك ولاية برج بوعريريج والتي كانت تسمى عاصمة الحراك، وفي هذا الصدد يشير مهدي أحد أعضاء أولاد الجباس المسؤولة عن تنظيم فعاليات الحراك في برج بوعريريج في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «الاختراق الذي شهده الحراك من طرف دوائر معادية للجيش والجزائر ساهم في اتخاذ قرار توقيف الحراك بالولاية». 

«عرّابة الانقلابات في أفريقيا».. هل تقود فرنسا قريبًا انقلابًا في الجزائر؟

المصادر

تحميل المزيد