عبد القادر بن مسعود 2
عبد القادر بن مسعود 2

11,281

كان الاقتصاد الصيني أكبر اقتصاد في العالم عام 1820، وحافظ على مكانته تلك حتى نهاية القرن التاسع عشر، واليوم يقف في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. وأمام هذا التسارع في النمو لاحت في الأفق محاولات لضرب الاقتصاد الصيني من طرف خصومه، فما بين الحرب التجارية المعلنة من طرف إدارة ترامب على الصين، والتي كانت آخر فصولها إعلان الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية على لائحة أولية بنحو 1300 منتج صيني 70% منها من ثلاثة قطاعات رئيسة، وهي مكونات مفاعلات نووية وأدوات كهربائية ومعدات بصرية، خرج مجلس الشيوخ الفرنسي بتقريرٍ أبدي من خلاله انزعاجًا من تنامي العلاقات الاقتصادية الصينية – الجزائرية متّهمًا بكين بإنشاء طرق حرير بمفهومٍ اقتصادي وتكنولوجي جديدٍ من باكستان، وصولًا إلى الجزائر والمغرب، وهو ما يستدعي تحرّكًا فرنسيًا وأوروبيًّا لمواجهة هذا الامتداد الصيني.

من جانبه لم يخف الاتحاد الأوروبي تخوفه من تعاظم النفوذ الصيني بالجزائر، وامتعاضه من تفضيل الحكومة الجزائرية للصين على حساب الاتحاد الأوروبي، في هذا التقرير نسلط الضوء على العلاقات الاقتصاديّة الصينية الجزائرية المتنامية، وأسباب تخوّف أوروبا من تنامي هذه العلاقات.

60 سنة من العلاقات بين بكين والجزائر

تعود بداية أوّل اتصال بين الصين والجزائر إلى مؤتمر باندونغ في أبريل (نيسان) 1955، ولكن العلاقات الرسمية بينهما بدأت عقب الإعلان عن تأسيس الحكومة الجزائرية المؤقتة؛ إذ اعترفت الصين بها بعد ثلاثة أيّامٍ عن تأسيسها وذلك في 22 سبتمبر (أيلول) عام 1958، وحسب إسماعيل دبش في  كتابه «السياسة العربية والمواقف الدولية تجاه الثورة الجزائرية» فقد خص رئيس الوزراء الصيني حينئذ، شوان الي، صحيفة «المجاهد» الجزائرية بحوارٍ قال فيه: «أقدّم بكل صدق تهاني الخالصة للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي أعلن قيامها منذ قليل، إن الشعب الصيني لمسرور بإنشاء هذه الحكومة، شأنه في ذلك شأن الشعوب العربية وشعوب العالم المحبة للسلام».

 بدوره أرسل الرئيس الصيني ماوتسي تونغ إلى رئيس الوزراء الجزائري فرحات عباس ببرقية تهنئة أقرت الحكومة الصينية فيها اعترافها بالحكومة الجزائرية المؤقتة، وبعدها أعلن بيكين عن إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر في يوم 20 ديسمبر ( كانون الأول) عام 1958، كأوّل دولة غير عربية تعترف وتقيم علاقات مع الجزائر المستعمرة آنذاك من طرف الاحتلال الفرنسي.

تطورت العلاقات بين البلدين بشكل أكبر بعد الاستقلال، عمدت من خلالها الصين على تقديم معونات كبيرة للجزائر من خلال إرسالها فريقًا طبيًّا، كان الأول من نوعه إلى الجزائر، وأتبعته بـ21 فريقًا طبيًا خلال السنوات اللاحقة. شكّل ذلك بذرة أولى لصداقة بين الجماهير الشعبية المحلية والأطباء الصينيين.

Embed from Getty Images

وأثناء حكم الرئيس الجزائري أحمد بن بلّة نهجت الجزائر نهج الاقتصاد الموجّه من طرف الدولة، واستعانت الحكومة الجزائريّة في هذا المجال بالمساعدات القادمة من الصين، أمّا في عهد هواري بومدين فزاد التقارب الصيني الجزائري؛ إذ عرفت هذه المرحلة توافقًا تامًا في المواقف الصينية والجزائرية في عدة قضايا تاريخية أساسية، كدعم حركات التحرر الوطنية، ومناهضة الإمبريالية، قبل أن تشهد العلاقات الجزائرية الصينية فتورًا بسبب الأزمة المالية العاصفة التي ضربت الجزائر خلال الثمانينات، ثم العشرية السوداء التي دخلت فيها الجزائر في دائرة الحرب الأهلية حتى نهاية التسعينات.

 مع بداية الألفيّة الجديدة التي شهدت تطبيعًا متسارعًا وعودة قوية للعلاقات الصينية الجزائرية، كان للشركات الصينية نصيبٌ كبيرٌ من إجمالي 500 مليار دولار من الاستثمارات العمومية في الجزائر منذ وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم، لتصبح الصين اليوم أحد حلفاء الجزائر والشريك الاقتصاديّ الأوّل لها.

الصين تزيح فرنسا وتصبح الشريك الاقتصادي الأوّل للجزائر

تصنّف الصين كأول مستثمر أجنبي في الجزائر، متجاوزة العديد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا التي كانت قبل سنة 2013 تعتبر المسيطرة إلى حدٍ بعيد على الاستثمار والاقتصاد الجزائري، قبل أن تتربع بيكين على عرش الاستثمار في الجزائر. وصنفت الصين في المركز الأول كأهم مصدّر للجزائر في العام 2017 بحسب تقرير صادر عن المركز الجزائري للإعلام والإحصاء التابع للجمارك الجزائرية، وذكر التقرير أن الصين صدرت للجزائر ما قيمته 8.31 مليار دولار أمريكي من السلع، أي 18.1% من إجمالي واردات الجزائر التي بلغت 45.95 مليار دولار، وجاءت فرنسا في المركز الثاني بواقع 3.75 مليارات دولار، ثم ألمانيا بـ3.21 مليار دولار، وإسبانيا بـ3.13 مليار دولار.

وتستحوذ الشركات الصينية العاملة في الجزائر على استثمارات فاقت 20 مليار دولار – مما يجعل الجزائر ثاني سوق للشركات المقاولاتية الصينية في أفريقيا بعد نيجيريا – تشمل هذه الاستثمارات البنية التحتية والمنشآت الكبيرة، وكانت الشركات الصينية قد حصلت على مجمل صفقات المشاريع الكبرى في مجالات البناء والأشغال العامة بالجزائر خلال السنوات الأخيرة الماضية، مستفيدة من نمو الإيرادات الجزائرية بفضل ارتفاع أسعار النفط في تلك الفترة، كما تأمل عدة مؤسسات صينية ناشطة في صناعة السيارات وتكنولوجيات الإعلام والاتصال في الاستثمار بالجزائر.

وتشكل «الشركة الوطنية الصينية للأشغال والبناء (سي إس سي أو سي)» القوة الضاربة لبكين في الجزائر؛ إذ تنجز العديد من المشاريع، على رأسها ميناء الجزائر الجديد الذي تقوم الصين بتمويله وفقًا لاتفاق إقراض طويل الأجل بنحو ثلاثة مليارات دولار، إلى جانب مشروعات إنجاز البنى التحتية، منها توسعة مطار الجزائر الدولي، وكذا مشروع إنجاز المسجد الأعظم – ثالث أكبر مسجد في العالم – الذي من المزمع تسليمه العام المقبل، كما هي في طريقها إلى الانتهاء من مشروع الطريق السيار شرق غرب الذي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر بمتوسط تكلفة 15 مليار دولار.

Embed from Getty Images

وأثناء الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين لاقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أعلنت الصين والجزائر الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما في فبراير (شباط) عام 2014 ، وقال الرئيس الصيني تشي جين بينغ: «إن تأسيس الشراكة بين البلدين يرمز لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، واقترح أن يتعاون الجانبان من أجل تعزيز دفع العلاقات بين الصين والجزائر، وكان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قد عبّر عن إشادته بالتطور الإيجابي الذي تشهده العلاقة مع الصين متمنيًا أن يتضاعف الاستثمارات الصينية في الجزائر، وذلك من خلال برقية أرسلها لنظيره الصيني بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين».

جديرٌ بالذكر أن فرنسا كانت الشريك الاقتصادي رقم واحد في الجزائر لسنواتٍ عديدةٍ بحجم مبادلات قدر بـ8 مليار يورو سنويًا، كما كانت تعدّ فرنسا المستثمر الأول في الجزائر خارج المحروقات بوجود 450 مؤسسة فرنسية تخلق 40 ألف منصب شغل مباشر، و100 ألف منصب غير مباشر في مختلف القطات تشمل الصيدلة والنقل وصناعة السيارات، إلى أن أزاحت الصين باريس عن هرم الاستثمار في الجزائر، وهو ما دفع بوزير الخارجية الفرنسي الأسبق لوران فابيوس بالقول أثناء زيارته الجزائر وحديثه مع وزير الصناعة الجزائري: «يجب الذهاب بعيدًا على المستوى الاقتصادي؛ لأن فرنسا تريد أن تبقى الشريك الاقتصادي الأول للجزائر. الجزائر ليست سوقًا، ولكنها شريك فعلي».

التعاون ليس تجاريًا فقط.. صفقات أسلحة وتعاون فضائي بين الجزائر والصين

عمدت الجزائر منذ بضع سنوات إلى تجديد ترسانتها البحرية؛ إذ أبرمت عقودًا لاقتناء السفن البحرية والغواصات مع شركات عالمية عدة، ومع التوجه التجاري والاقتصادي الجزائري نحو الصين في السنوات الأخيرة، كان للأخيرة نصيبٌ من الصفقات العسكرية التي أمضتها الجزائر لتحسين ترسانتها العسكرية، ففي أغسطس (آب) من عام 2015، أطلقت شركة صينية لبناء السفن أول طراد C28A لصالح البحرية الجزائرية، قرب شنغهاي. وقد وقعت الجزائر صفقةً مع الشركة الصينية لتزويدها بثلاثة طرادات من هذا الطراز في مارس (أذار) عام 2012 وتسلمت البحرية الجزائرية الطرادات الصينية في منتصف عام 2015، بعد أن تم تسليحها بسونار صيني، ورادار الاستطلاع، ورادار ملاحة.

كما دعمت الجزائر منظومتها الدفاعية براجمات صينية متعددة الصواريخ، من نوع «إس-أر 5» متعددة العيارات، وهي عبارة عن منظومة لإطلاق القذائف من عيار 122 ملم، أو 220 ملم، والتي يتم إنتاجها من طرف شركة «NORINCO»، وتتألف من حاويتين للصواريخ والمقذوفات، والتي يمكن لكل منها إطلاق صيلات من 20 صاروخًا، عيار 122 ملم، أو ستة  صواريخ من عيار 220.

منظومة «إس-أر 5» لديها القدرة على إطلاق صواريخ موجّهة، المعروفة باسم «Fire Dragon 4» عيار 122 ملم، والتي تمتلك نظام الملاحة بالقصور الذاتي، أو عن طريق نظام تحديد المواقع (GPS) يصل إلى 40 كلم ودقة تبلغ 25 مترًا.

لم يتوقف التعاون الصيني الجزائري عند حدّ الصفقات العسكرية؛ ليمتد إلى الفضاء، فمع نهاية السنة الماضية أطلقت الجزائر أول قمر صناعي موجه للاتصالات السلكية، واللاسلكية والبث الإذاعي والتلفزي والإنترنت من قاعدة صينية وبمساعدة تقنيين صينيين، وبعد نجاح إطلاق القمر الصناعي الكوم سات، أعرب الرئيس الجزائري، بوتفليقة، عن امتنانه للرئيس الصيني، شي جي بينغ، لمساعدته للجزائر في إطلاق القمر الصناعي الأول، ولاستعداد الصين نقل التكنولوجيا المتطورة في مجال الاتصالات والفضاء إلى الجزائر.

التقارب الصيني الجزائري يهدد فرنسا والاتحاد الأوروبي

في تقريره الشهري أبدى مجلس الشيوخ الفرنسي عن قلقه وانزعاجه من التقارب الجزائري – الصيني على الصعيدين التجاري والاقتصادي والفضائي، وجاء التقرير الفرنسي من 183 صفحة مؤرخ في 30 مارس الماضي، وتم إعداده باسم لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والقوات المسلحة، وجاء فيه أنّ الصين بصدد حث دول عديدة على الانضمام لسياستها الفضائية لإطلاق الأقمار الصناعية، وهي بذلك بصدد إقامة طرق حرير بمفهوم جديد، هو الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا الفضائية، موضحًا أن هذه السياسة عرفت تسارعًا لافتًا في السنوات الأخيرة.

ولفت التقرير الفرنسي إلى أن الصين، وفي إطار سياستها الرامية لتوسيع سياستها الفضائية لإطلاق الأقمار الصناعية وتسييرها والتحكم فيها، قامت بتوقيع عقودها الأولى سنة 2010 مع الجزائر وباكستان وفنزويلا، وتضمنت العقود تحمل بكين لجزء من التكلفة المالية لهذه العمليات.

ولم يغفل تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي عن التقارب الجزائري الصيني في مجال البنى التحتية والمنشآت، مشيرًا إلى أن الجزائر قامت بإنجاز مشروع الطريق السيار شرق غرب، الذي عرف تأخرًا في تسليمه، وتكلفة إضافية لقيمته الحقيقية، وسوء إنجازه، وعدم دفع أجور العاملين في المشروع، دون أن تقع أية مسؤولية على هذه الشركات الصينية.

Embed from Getty Images

من جهته عبّر الاتحاد الأوروبي عن إنزعاجه من التفضيل الجزائري للصين على حساب الاتحاد؛ إذ اشتكى التكتل الأوروبي من منح الجزائر امتيازات للصين غير مبررة، واعتبرت المحافظة الأوروبية للتجارة، «سيسيليا مالمستروم»، حينها أن «الجزائر لا تحترم اتفاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي، وهي بذلك تشجع المصالح الصينية»، فقالت: «قرارات الجزائر تساعد الصين، ولا بد من إيجاد حلول، أو نلجأ إلى تفعيل البنود المتعلقة بحل النزاعات».

ويرى الاتحاد الأوروبي أن الجزائر تعمّدت فرض نظام «رخص الاستيراد» سنة 2016، وهي عبارة عن رخص إدارية اعتمدتها الجزائر لكبح فاتورة الواردات الضخمة التي تعدت 64 مليار دولار سنة 2014، حتى تقيّد الواردات الأوروبية؛ وذلك لفائدة الواردات الصينية. جديرٌ بالذكر أنّ الجزائر قررت حظر استيراد أكثر من 800 منتج، من بينها السيارات التي يحتكر جزءًا كبيرًا، منها دول الاتحاد الأوروبي.

حتى في السياسة .. الجزائر أقرب إلى الصين منها إلى فرنسا والاتحاد الأوروبي

بعيدًا عن الصفقات التجارية والارتباط الوثيق بين الصين والجزائر اقتصاديًا جاءت مواقف  الجزائر الدولية بخصوص المستجدات المتسارعة التي  يشهدها العالم متقاربة إلى حدٍ بعيدٍ مع خط الصين السياسي، وابتعادًا وخلافًا مع الاتحاد الأوروبي، وفرنسا على وجه التحديد.

فانطلاقًا من الأزمة الليبية، كانت الجزائر من أشدّ المعارضين للتدخل  العسكري الفرنسي بمعية «الناتو» سنة 2011 لإسقاط نظام العقيد الراحل معمر  القدافي، وهي المعارضة التي ما فتئت الجزائر تكررها في كل لحظة تعود فيها مسألة التدخل العسكري في ليبيا إلى الواجهة، مرورًا بالمواقف الجزائرية المساندة للنظام السوري عكس الموقف الأوروبي والفرنسي تحديدًا، وصولًا إلى معارضة الجزائر ورفضها المشاركة في التحالف العربي – بقيادة السعودية – الذي يقود عمليات عسكرية منذ أكثر من ثلاث سنوات ضد الحوثيين في اليمن، وهو التحالف الذي  يلقى دعمًا من فرنسا والاتحاد الأوروبي؛ إذ فضّلت كلّ من الجزائر والصين الحلّ السلميّ والدعوة إلى الحوار.

مواقف الجزائر تلك المخالفة للاتحاد الأوروبي جاءت متوافقةً مع السياسة الخارجية الصينية؛ وهو ما جعل الجزائر – حسب بعض المراقبين – تتوجه أكثر إلى الخط الصيني، وتبتعد عن خط الاتحاد الأوروبي، وكان السفير الصيني بالجزائر يشيد بالدور الهام الذي تلعبه الجزائر في استقرار المنطقة، داعيًا لأن تلعب الجزائر دورًا إضافيًا في حلحلة الأزمات التي  يشهدها العالم.