ألقت سنوات الحرب والدم التي شهدتها الجزائر في تسعينات القرن الماضي بظلالها على عدد كبير من الأفلام مع مطلع الألفية الجديدة، حين تعافت صناعة السينما من تعثرها وعادت عجلتها للدوران، وكغيرها من القضايا التي تشمل أكثر من طرف، تباينت زوايا الطرح التي تبنّتها هذه الأفلام؛ ما فتح مساحات واسعة من النقد والنقاش حولها، فمن الرواية الرسمية إلى النظرة الغربية لأحداث العشرية السوداء، مرورًا بما يفعله العنف والخوف في جسد المجتمع، تتابعت على المشاهد الكثير من الأعمال الدرامية بمختلف وجهات النظر.  

«العالم الآخر: مذكرات ياسمينه».. تلوين الجزائر بالصبغة الأفغانية 

يعتبر المخرج مرزاق علواش من الأسماء البارزة التي تناولت التغيرات التي حدثت في المجتمع الجزائري في سنوات العشرية السوداء وما رافقها مما يراه محاولة لـ«أفغنة» الجزائر. في فيلمه «العالم الآخر: مذكرات ياسمينه» الذي هو من إنتاج جزائري فرنسي مشترك ظهر عام 2001 يروي قصة «ياسمينه» الفتاة التي تسير في رحلة محفوفة بالمخاطر للبحث عن خطيبها الذي انخرط في الجيش كغيره من الجنود في تسعينات القرن الماضي، ما يعني أنه يواجه الجماعات المسلحة. الأمر الذي قاده إلى الوقوع أسيرًا لديها. 

في أثناء هذه الرحلة يسلّط علواش الضوء على الكثير من خبايا هذه الجماعات من وجهة نظره وما كانت تحاول أن تجبر عليه المجتمع مثل: فرض الحجاب على السيدات وغيرها من أمور يراها تُغير الصورة المعتادة للمجتمع، إضافة إلى العنف الكامن في النفوس واستسهال القتل فقط لأن من يتم قتله «آخر». 

من ناحية أخرى يطرح الفيلم سؤالًا يبقى مفتوحًا في كل الأزمنة: ما هو السبب الذي يقف وراء هذه المشكلات التي تجر البلاد إلى مثل هكذا ويلات كأزمة العشرية السوداء؟ ويطرح فكرة الحذر الواجب الذي يجب أن يبقى ماثلًا في الأذهان قبل المضي في أي طريق. نال الفيلم شهادة تقديرية في مهرجان كان، ولكنه لم ينجُ من الانتقادات، خاصة حول ما إذا كان قد نجح في تصوير الواقع الذي يراه الكثيرون أسوأ بكثير. 

«عطور الجزائر».. صورة المرأة من فوهة السلاح

يطرح رشيد بن حاج كاتب السيناريو ومخرج فيلم «عطور الجزائر» مزيجًا من القضايا التي أثرت في المجتمع الجزائري في حقبة التسعينات، والتي غيرت صورة البلاد التي اضطر هو نفسه أن يغادرها في تلك الفترة. 

يحكي قصة المصورة الفوتوغرافية «كريمة» التي عانت من سلطة أب لا يرحم، وبلاد أغرقتها الأزمات؛ ما أجبرها على مغادرتها وقطع كل صلة بها، لتعود إليها من جديد بعد 20 عامًا، وترصد رائحة البارود التي أزكمت الأنوف كل تلك السنوات. 

يطرح الفيلم بشكل جلي صورة المرأة في نظر أفراد الجماعات المسلحة، والسلطة التي تسعى لفرضها عليها الأمر الذي ترفضه «كريمة» فمرة تنصح من حولها للخروج من هذه البلاد التي لا ترى فيها أمل للتغيير، ومرة تسعى لمناصرة السيدات في مظاهراتهن المطالبة بالحرية والديموقراطية. 

من ناحية أخرى يصوّر الفيلم العلاقات وأثر الأفكار في إذابة حتى أكثر العلاقات الإنسانية متانة. يبدو هذا في الحوارات التي دارت بين «كريمة» وأخيها الذي اتُهم بـ«الإرهاب» ورفض أن تخلي السلطات سراحه مقابل التخلي عن أفكاره. فكرة الهوية والانتماء والتعصب والمشكلات الاجتماعية الناتجة تضخم السلطة في نفوس البعض جميعها مزيجًا مميِّزًا لفيلم رشيد. 

«حكاية السنوات السوداء».. التفاصيل اليومية بريشة سالم الإبراهيمي

في ظل مآسي الحرب والعشرية السوداء يبدو مرور التفاصيل اليومية البسيطة بسلاسة ضرب من المستحيل. يتجاوز فيلم  «حكاية السنوات السوداء» فكرة السرد التاريخي للأحداث إلى طرح قصة التطرف الفكري وكيف ينشأ، عبر سلسلة من الأحداث اليومية والمواقف لحياة «نور الدين وياسمين»؛ الشريكان اللذان يعيشان حياة يملؤها الخوف والقلق وعدم القدرة على العيش بسلام مع طفليهما. 

يبدأ الفيلم مع المشكلات التي اعترضت الشريكين لإتمام زواجهما، مرورًا بهروب ياسمين بطفلها خوفًا بعد اتهام زوجها بالكفر، وفي مشهد درامي يصور المخرج نور الدين وابنته وهما يعبران طريقًا مليئًا بجثث القتلى الذين خلفتهم هذه الحرب الدامية.

وفي تفصيل آخر أراد المخرج من خلال تصوير إغلاق الشوارع وقت صلاة الجمعة وصورة المنقبة التي تبذل جهدها لإقناع الفتيات والسيدات بالحجاب أن يوضح أثر الأفكار والأيديولوجيات في التفاصيل الصغيرة لحياة الناس. 

«موريتوري».. «إرهاب» المال والسياسة

خلافًا لما تطرحه الأفلام الثلاثة السابقة التي ربطت «الإرهاب» بالتطرف الديني، يأتي فيلم عكاشة تويتة «موريتوري» الذي يشير بإصبع الاتهام لمجموعات أخرى. الفيلم مرتكز على رواية للكاتب الجزائري المثير للجدل محمد مولسهول الذي ظل يكتب طويلًا تحت الاسم المستعار ياسمينة خضرا. 

يتناول الفيلم قصة شرطي في زمن التسعينات يقتاده حظه العاثر للوقوع فريسة في أيدي مافيا المال والسلطة الذين أرادوا أن يستخدموه لتحقيق غاياتهم وهو الذي لم يرد إلا أن يعيش نزيهًا لينتهي به المطاف صريعًا على يد مجهولين.

 الطرح الجريء الذي أثار زوبعة من الانتقادات أراد أن يحكي قصة تطرفات ومصالح من نوع آخر تلعب هي الأخرى دورًا كبيرًا في ما تعيشه البلدان: إرهاب المال، والسياسة. رفضت وزارة الثقافة الجزائرية تمويل الفيلم بالشكل المتفق عليه، كما رفضت عرضه بداية، ثم عادت لدعوته للمشاركة في فعالية الجزائر عاصمة الثقافة العربية. 

«بركات».. فيلم سينمائي أم خطيئة تاريخية؟ 

أثار فيلم «بركات» أثناء عرضه عام 2006 سلسلة كبيرة من الانتقادات التي اتهمت مخرجته «جميله صحراوي» بالتسويق لوجة نظر المستعمر الفرنسي؛ حيث استخدم الفيلم أحداث العشرية السوداء ونبش في ماضي ثورة الجزائر التحريرية وتهكم على شهدائها وسخر من منجزاتها، بحسب رأي البعض. 

عربي

منذ سنة واحدة
شبح «العشرية السوداء» حاضر.. كيف تتفاعل «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» مع الحراك؟

ما أشعل الأمر غضب النقاد والجمهور أكثر هو فوز الفيلم بجائزة أحسن فيلم عربي في مهرجان القاهرة السينمائي؛ إذ من وجهة نظرهم كيف لفيلم بهذا التشويه أن يحظى بتكريم عربي؟ 

يروي الفيلم قصة صحافي جزائري تختطفه الجماعات المسلحة في زمن التسعينات وتضطر زوجته إلى البحث عنه حين تتخذ من طبيبة عونًا لها في مهمتها بدلًا عن الاعتماد على الأمن الجزائري. في جوانب أخرى، يشير الفيلم إلى مشكلات المجتمع الجزائري وعلاقة الرجل بالمرأة وغيرها من القضايا التي تتبنى بحسب بعض الغاضبين من الفيلم وجهة النظر الغربية. 

يرى النقاد الرافضين للفيلم أن الفيلم لا يزيد عن محاولة لتلميع المستعمر الفرنسي وإظهاره بمظهر إيجابي حاول فقط أن يمدّن الجزائر. 

«زهر».. محاولة لتشريح سيكولوجيا العنف 

«أردت أن أبين كيف انتقل العنف بمستويات مختلفة إلى داخل الناس، وصار سلوكًا يوميًا بين الرجل والمرأة وبين الآباء والأبناء وبين أفراد المجتمع» بهذه الكلمات علّقت المخرجة فاطمة الزهراء زعموم على موجة الانتقادات التي طالت فيلمها زهر

يرصد الفيلم الأحداث بعيون «علياء» العائدة إلى الوطن بعد أن غادرته لعشرين سنة إثر خلاف مع والدها. ترى علياء ما فعلته سنوات الحرب والإرهاب في نفوس الجزائريين وسلوكيات العنف التي صبغت – كما يرى الفيلم – كل العلاقات الاجتماعية. 

رأى بعض النقاد أن الطرح جاء سطحيًا ولم يوفق في الغوص في سيكولوجيا العنف، في حين رأى آخرون أن السيناريو يفتقد للترابط الأمر الذي لم يسمح للمشاهد بالتقاط الرسائل المرجوة من الفيلم بشكل جيد.

«أبو ليلى».. ثنائية الخوف والعنف من الداخل إلى الخارج

في واحد من أحدث الأفلام التي تتحدث عن العشرية السوداء، جاء فيلم «أبو ليلى» بتصوّره الذي يتناول بعدًا جديدًا يختلف عن الأفلام السابقة التي تتناول فترة التسعينات. يروي الفيلم قصة شرطيين أثناء ملاحقتهما «أبو ليلى» الذي ألقى محاميًا صريعًا أمام منزله. 

عبر الصحراء الجزائرية الممتدة من الشمال إلى الجنوب، يتناول الفيلم الصراع الداخلي الذي يعيشه الشرطيان وثنائية الخوف والعنف التي تتجاذب الإنسان من الداخل كما هي من الخارج كاستجابة لأحداث كثيرة. 

الفيلم من إنتاج جزائري – قطري – فرنسي، وقد لاقى استحسان النقاد وشارك في مهرجانات عربية وعُرض في افتتاح مسابقة أسبوع النقاد الدولي بمهرجان القاهرة السينمائي. لكنه لا يزال لم يحصل على ترخيص العرض في الجزائر، على الرغم من أنه من إنتاج وزارة الثقافة، ولا يتناول طرحًا منافيًا لما تراه الجزائر.

والأمر ذاته حدث مع العديد من الأفلام التي تناولت العشرية السوداء وغيرها حيث لم تُمنح ترخيص العرض إلا بعد فترة طويلة ولأسباب مجهولة. 

«بابيشا».. صرخة نسائية في وجه «السطوة الذكورية»

لازالت أحداث الجزائر الدامية في التسعينات تلهم العديد من الكتّاب والمخرجين في محاولة لتقديم جديد وإكمال الصورة. في فيلم «بابيشا» التي أرادت مخرجته أن يكون فريقه نسائيًا من الدرجة الأولى، تُركز منية مدور على ما عانته المرأة من سطوة ذكورية ومجتمعية قتلت في الشباب أحلامهم بمستقبل أفضل، وجعلت كلمة الهجرة هي الخلاص التي يرجونه.

يروي الفيلم قصة شابات جامعيات يأملن بعيش الحياة كما يردنها دون قيود تثقل كاهلهن في مجتمع طالته يد التطرف الفكري بحسب الفيلم. تتصاعد الأحداث عندما تسعى «نجمة» لتحقيق حلمها في عالم الأزياء بمساعدة صديقاتها إلى أن يصل العنف عتبة دارها ويقطف روح أختها التي قُتلت بدم بارد؛ الأمر الذي أفقد نجمة شهيتها للمستقبل، وكادت تتراجع عن حلمها. 

يشير الفيلم إلى النقاب بشكل كبير ومحاولات فرضه على سيدات المجتمع الجزائري التي سعت منية إلى إظهارهن بلباسهن التقليدي «الحايك» في إشارة إلى غرابة النقاب عن الجزائرين. الفيلم من إنتاج جزائري – فرنسي – بلجيكي ولا يزال ممنوعًا من العرض في الجزائر، على الرغم من ترشيح الدولة له لجوائز الأوسكار.

في ظل الأحداث التي تشهدها الجزائر منذ أشهر يعطي المتابعون أهمية كبرى لهذه النوعية من الأفلام التي لا تفتأ تذكّر الجزائريين بماضٍ لم تندمل جراحه بعد، بالترهيب تارة، وبالحذر في اختيار النهج والطريق تارة أخرى.  

المصادر

تحميل المزيد