لا تخلو مجالس الجزائريين أفراحًا وأتراحًا من الشاي الصحراوي؛ إذ به تطيب النفوس ويحلو الحديث على رشفاته المنغمة، ويتساوى في عشقه الجزائريون، صغارًا وكبارًا، نساءً ورجالًا، الوجهاء والفقراء. ويقدمه الجزائريون بفخر للضيوف والأجانب خصوصًا في الجنوب الجزائري، بوصفه تقليدًا اجتماعيًّا يحيل إلى جزء كبير من هوية أهل الجنوب الجزائري؛ واستطاع بسرعةٍ أن يخطف موائد الجزائريين ويتوَّج عليها ملكًا بتاج رغوته التي تستحوذ على نصف الكأس.

في  هذا التقرير نسافر معًا في رحلة التعرف إلى الشاي الصحراوي أو «التاي» الجزائري، وطريقة وصوله إلى الجزائر، وكيفية تحضيره، ومدى حضوره في حياة الجزائريين سلمًا وحربًا.

ظهر في الصين أولًا ونشره الإنجليز حول العالم!

يعد الشاي أحد أشهر المشروبات المنبهة في العالم. فشهرته الواسعة تمتدُّ من الهند إلى إنجلترا، ومن أفغانستان إلى الجزائر، وإن كان لكل ثقافة تقاليدها الخاصة. يعود الشاي إلى قرون طويلة ضاربةٍ في أعماق التاريخ؛ فهو نباتٌ موجود بالنطاقات المدارية وشبه المدارية منذ القدم، وانتشر استهلاكه في العالم في العصر المركنتيلي بفضل التجار الإنجليز.

مزج الشاي مع السكر من حوالي متر ونصف ، مصدر الصورة ( ساسة بوست)

مزج الشاي الصحراوي مع السكر – مصدر الصورة ( ساسة بوست)

وهو مشروب مستخرج من نبتة الشاي المعروفة باللاتينية بـ«Thea sinensis»، وهو من أكثر المشروبات المنعشة أهمية، وقد كان يستهلك عند الصينيين القدامى منذ القرن الرابع الميلادي، ثم انتشر في اليابان بعد قرنين من ذلك.

لم يصل الشاي إلى أوروبا سوى سنة 1610، بواسطة التجار الهولنديين الذين كانوا على احتكاك بالسواحل الشرقية لآسيا؛ وبداية من النصف الثاني من القرن 17، انتشر في إنجلترا وأصبح يباع في المقاهي ويستهلك في المنازل، إلى درجة أنه أصبح مشروبًا وطنيًّا، وقد ساهم الإنجليز في نشر استهلاكه في باقي أصقاع العالم.

دخل مع العثمانيين وأخذ شهرته مع الفرنسيين

لكن متى دخل الشاي إلى الجزائر؟ لا تجيبنا المصادر التاريخية الجزائرية أو حتى الفرنسية عن هذا السؤال بدقة؛ غير أنَّ الواضح أن استهلاك الشاي في الجزائر بوصفه مشروبًا منعشًا وترفيهيًّا كان قبل فترة الاحتلال الفرنسي سنة 1830، حين كان المشروب حكرًا على الطبقة الحاكمة وكبار العائلات الجزائرية.

بالرغم من أن القهوة كانت هي المشروب الأول للأتراك؛ فإن الشاي بدأ يتسرَّب شيئًا فشيئًا لدى الفئة الحاكمة للجزائر، ثمَّ وصل إلى عامة الشعب الجزائري فكان الشاي مرتبطًا في البداية إلى حدٍ كبير باحتفالات الجزائريين، فكان يقدَّم في حفلات الزواج مع عدَّة أنواعٍ من الحلويات التركية، وما تزال الآثار العثمانية بالجزائر من قصورٍ ومبانٍ إدارية شاهدة على مكانة الشاي في تلك الفترة.

وهناك روايةٌ تاريخية أخرى تحكي قصة دخول الشاي إلى الجزائر؛ فبعض المؤرخين يرجعون وصول الشاي الجزائر إلى التجارة وإلى التجار اليهود الذين سيطروا على الاقتصاد مع بداية القرن التاسع عشر؛ بحيث كانوا يصدِّرون القمح إلى أوروبا ويستوردون منها مختلف السلع والبضائع، ومنها الشاي.

الشاي دخل إلى الجزائر منذ عهد العثمانيين ، مصدر الصورة ( مواقع التواصل)
الشاي دخل إلى الجزائر منذ عهد العثمانيين ، مصدر الصورة ( مواقع التواصل)

ومع الاحتلال الفرنسي للجزائر، أخذ الشاي يستحوذ على مكانة القهوة التركية لدى الجزائريين، بحكم أنَّ الشاي كان المشروب الأول للفرنسيين، وزرعوه في الأراضي الجزائرية واستوردوه بكثرة.

رافق الشاي الأمير عبد القادر الجزائري في مقاومته للمحتل  الفرنسي؛ وكان يقدَّم له حتى في فترة اعتقاله في سجن امبواز، وحتى الطرق الصوفية بالجزائر كان لها أثر في انتشار الشاي بالجزائر، فيذكر المؤرخ عبد الملك مرتاض في كتابه « فنون النثر الجزائري» أنّه «كان لهذه الطرق الصوفية الرئيسية نوادٍ في الأسواق يأوي إليها الأشياع ويشربون الشاي ويذكرون الله على طريقتهم، ويتلقون بعض المبادئ الصوفية».

ورافق الشاي مسار تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي؛ فمعظم قادة الحركة الوطنية والثورة الجزائرية كانوا من مدمني الشاي؛ حتى يمكن القول بأن الشاي كان «العضو السابع» في مجموعة الستة التي فجَّرت الثورة الجزائرية؛ إذ كان يحتسيه على الدوام كلٌّ من المناضل محمد العربي بن مهيدي، والمناضل مصطفى بن بولعيد، كما كان زعيم الحركة الوطنية الجزائرية مصالي الحاج؛ لا يجلس في مجلسٍ دون أن يحتسي كوبًا من الشاي؛ حتى تحوَّل الشاي سريعًا إلى المنبه الأوَّل للجزائريين.

وللشاي في الجزائر تسميتان فهو «الشاي» في لغة الرسمية، و«آتَّاي» في الاستعمال العامِّي الرائج عند  الجزائريين، وقد يكون ذلك تعريبًا مباشرًا لكلمة الشاي في الفرنسية «thé» أو في الإنجليزية «tea».

طريقة تحضير الشاي الصحراوي الجزائري المميَّزة

لونه البني في الأكواب الشفافة يُغريك لتذوقه؛ ومظهر الرغوة الطاغية عليه والتي تطفو على سطح الكأس تدفعك للتعلق بشكله. وتشتهر كل مناطق الصحراء الجزائرية خصوصًا غارداية، وتمنراست، وتيميمون، وبشار بطريقتها المميزة في إعداد الشاي.

يتوارث الجزائريون أبًا عن جد طرق تحضير الشاي الصحراوي الجزائري الذي يتمتَّع بجودته وروعة إتقانه؛ فيمكنك أن تشم عبقه على بعد أمتار عديدة؛ ورشفة واحدة من الشاي الصحراوي فقط كافية لتجعلك تتعلق به​.

«عمي كلغلغ» أحد باعة الشاي المشهورين في ولاية غارداية؛ والذي تقابلك خيمته مباشرة عند دخول مدينة متليلي الشعانبة؛ يقول في حديثه مع «ساسة بوست» إنَّه ورث حرفة بيع الشاي عن جدِّه؛ ويضيف بأنه تعلَّم طريقة تحضيره منذ كان عمره سبع سنوات.

وعن طريقة تحضير الشاي الجزائري يقول محدثنا: «يوضع الماء في الإناء لدرجة الغليان؛ بعد ذلك نأخذ قليلًا من الشاي على حسب الكمية المطلوبة، ونقوم بتشليل (غسل) الشاي بقليل من الماء الساخن ثم نسكبه في الماء المغلى ونتركه يغلي​ على نار هادئة لمدة 10 دقائق. بعد ذلك نأخذ إناء آخر نضع فيه قليلًا من النعناع ثم نسكب الشاي عن طريق «القلايا» فوق النعناع ونتركه لمدة دقيقتين، ثم نصفي الشاي والنعناع داخل الإبريق الذي يوجد فيه كمية من السكر ونقوم بعملية المزج».

مزج الشاي مع السكر من حوالي متر ونصف ، مصدر الصورة ( ساسة بوست)
مزج الشاي مع السكر من حوالي متر ونصف، مصدر الصورة (ساسة بوست)

تعد هذه الطريقة هي العامل المشترك بين جميع عمليات تحضير الشاي في الجزائر؛ غير أنَّ الفرق في تحضير الشاي بين أهل الجنوب الجزائري وشماله تكمن في عملية المزج بين السكر والشاي، بحيث يبدع أهل الجنوب في عملية المزج. ويصل مدى ارتفاع الإبريق عن الكأس الذي ستشربها أثناء  عملية التقديم متر ونصف في مشهد بديع يزيد من تعلُّقك بالشاي الصحراوي الجزائري.

وتحوَّل بيع الشاي إلى مهنةٍ تدرُّ أرباحًا مهمة؛ بحيث ينتشر باعة الشاي في كل زاويةٍ من زوايا العاصمة وكبرى المدن الشمالية، بعد أن قدموا من مدن الجنوب هربًا من البطالة، فلم يجدوا إلا بيع الشاي الصحراوي موردًا لرزقهم.

موسى أحد باعة الشاي الصحراوي بحي القصبة الشعبي العريق بالعاصمة الجزائر؛ والذي قدم من منطقة تيميمون بولاية أدرار بالجنوب الجزائري هربًا من البطالة المنتشرة بالولاية وبالجنوب عمومًا؛ يقول لـ«ساسة بوست» عن مهنة بيع الشاي بأنَّها مهنة مدرة للربح، خصوصًا في المواسم السياحية فتصل أرباح موسى اليومية من بيع الشاي إلى أزيد من 80 دولار؛ وذلك بسبب الإقبال الكبير للجزائريين على شرب الشاي الصحراوي.

بين الحرب والفن.. الشاي الصحراوي ليس مشروبًا فقط

يشاع بين الجزائريين أنَّك حين ترتشف كوبًا من الشاي الجزائري بالنعناع لأوَّل مرَّة تبقى حبيس مكانك وزمانك؛ وتسبح في رحلةٍ غيبية مجهولة المعالم.

فالشاي الجزائري اكتسى طابع الثقافة والفن وحتى السياسة، فقبل أن نشرع في سرد تقاطع الشاي الجزائري مع الفن والموسيقى، يجب أن نعرِّج على أكبر أزمة سياسية وحتى عسكرية شهدتها الجزائر بعد الاستقلال، حين دخلت في حربٍ عسكرية مع جارتها الغربية المغرب.

ففي أحد خطابات العاهل المغربي، الحسن الثاني، اتهم الجزائر بدفع المقاتلين الصحراويين لمهاجمة الجيش المغربي واستقبالهم في مدينة تندوف، وهدد باجتياح المدينة في ساعات، بل ادعى أنه سيعيدها إلى «حاضنة المغرب» حيث قال: «بإذن الله غدًا سأشرب الشاي في تندوف (ولاية جزائرية على الحدود مع المغرب)»، وحين وصلت المقولة إلى أسماع الرئيس الجزائري، هواري بومدين، ردَّ عليه بسخرية: «إذا شربت الشاي فيها سأعطيك شلاغمي – أي شواربي- نعناعًا».

النعناع ؛ أبرز مكونات الشاي الصحراوي الجزائري؛ مصدر الصورة (ساسة بوست)
النعناع أبرز مكونات الشاي الصحراوي الجزائري؛ مصدر الصورة (ساسة بوست)

وبعيدًا عن الحرب والسياسة؛ كان الشاي موضوع عدَّة أغانٍ في التراث الجزائري لعل أبرزها أغنية «يا الزينة سربي لا تاي» والتي تعني: «أيَّتها الحسناء اسكبي كوب الشاي» وهي الأغنية التي غنتها فرقة «راينا راي» الجزائرية، إحدى أشهر فرق الغناء الشعبي بالجزائر سنة 1983، وما تزال تحظى الشهرة نفسها بين الجزائريين.

أمَّا فنان الغناء الشعبي الشهير الحاج مريزق فقد مزج بين القهوة والشاي في إحدى أغانيه؛ والتي تحكي تنازعًا بين كلٍّ من الشاي والقهوة؛ يتم التحكيم فيه من طرف قاضٍ عادل ونزيه، وتبادل الحجج يتمثَّل في تمجيد النفس وشتم الخصم. في النهاية يعترف القاضي بعدم قدرته على إصدار حكم، أي يدرك أنه أمام حجج لا يمكن الحكم بينها إلا بظلم أحد الطرفين؛  فتتساوى القهوة مع الشاي في  أغنية «القهوة ولاتاي» الشعبية.

فرقة «تيناروين» العالمية هي  الأخرى جعلت من الشاي الصحراوي الجزائري موضوعًا لإحدى أشهر أغانيها وهي أغنية «إسويغ أتاي» والتي تعني «شربت الشاي» باللهجة الطوارقية؛ ويقول فيها الفنان الجزائري الشهير إبراهيم بريبون: «لقد شربت كوبًا من الشاي؛ وقد صفى قلبي قبل كل شيء».

فإذا ساقتك أقدارك يومًا إلى الجزائر سائحًا أو مقيمًا، فلا بدَّ لك من الاستمتاع بكأس من الشاي الصحراوي الجزائري ذائع الصيت، بتاج رغوته المميزة، وحلاوة مذاقه ورائحة النعناع العبقة التي تزكيه؛ لتحجز به مكانًا في ذاكرتك العطرية حول الجزائر.

طعام

منذ 11 شهر
هل أخذه المغاربة عن الإسبان حقًا؟ تعرف على تاريخ طبق «الكسكس» المثير

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد