أحمد طلب

20

أحمد طلب

20

3,009

توشك الجزائر أن تقع في أزمة مالية، ربما تكون حادة ومختلفة عن أية أزمة سابقة، وبالرغم من التعليمات الصارمة من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بعدم اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، إلا أنه في نفس الوقت وافق على قانون ربما تكون نتائجه المستقبلية على اقتصاد البلاد أسوأ من الاقتراض الخارجي: إذ وافق على مسودة تعديلات قانون النقد والقرض؛ ليسمح لبنك الجزائر (المركزي) بإقراض الخزينة العمومية مباشرة؛ لتمكينها من تمويل العجز في ميزانية الدولة، وتمويل الديون العمومية الداخلية، ومنح موارد للصندوق الوطني للاستثمار، وهو ما يعني أن المركزي سيقوم بطباعة النقود لمصلحة الحكومة لسد العجز.

في السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، صادقت الحكومة الجزائرية على مسودة تعديلات قانون يهدف لتأمين مصادر تمويل جديدة لتغطية عجز الموزانة، وذلك ضمن سعيها لمواجهة التراجع الحاد في إيرادات الطاقة، والتي تشكل 60% من ميزانية الدولة، إذ تمت المصادقة على تعديلات قانون النقد والقرض في اجتماع للحكومة برئاسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والذي جرت خلاله مناقشة خطط الحكومة الجديدة برئاسة أحمد أويحيى، وبحسب التعديلات فإن هذا النمط من «التمويل الاستثنائي» سيتم إرساؤه لمدة خمس سنوات، وبالرغم من أن التعديلات وخطط الحكومة ستحتاج لموافقة نهائية من البرلمان، إلا أن هذا الأمر لا يشكل عائقًا، في ظل سيطرة ساحقة بالبرلمان لأنصار بوتفليقة.

تأتي تلك التعديلات بعد أن دعا بوتفليقة في يونيو (حزيران) الماضي إلى «تمويل داخلي غير تقليدي» لتجنب اللجوء إلى الدين الخارجي الذي يقدر الآن بأقل من أربعة مليارات دولار، وذلك بالتزامن مع فشل الدولة في تطبيق إصلاحات هيكلية وتنويع موارد الاقتصاد وتقليص اعتماده على النفط والغاز اللذين يشكلان 94% من إيرادات التصدير، في البلاد التي تتوقع عجزًا في الموازنة نسبته 8% في عام 2017، انخفاضًا من 15% في 2016، وذلك بعد أن خفضت الإنفاق العام 14% في العام الحالي بعد خفضه 6% في 2016.

ما مدى خطورة طباعة النقود على الاقتصاد الجزائري؟

في البداية يجب أن نعرف الضوابط الاقتصادية لطباعة النقود حتى نتمكن من معرفة المخاطر، إذ إن عملية طباعة النقود معقدة اقتصاديًا إلى درجة بعيدة، ولكن لها شروط أساسية يجب أن يلتزم بها المركزي، وتتلخص هذه الشروط في أن كل وحدة نقدية مطبوعة يجب أن يقابلها، إما رصيد من احتياطي النقد الأجنبي أو رصيد ذهبي، وإما سلع وخدمات تم إنتاجها في المجتمع، وبدون هذه الشروط تصبح النقود المتداولة في السوق بدون قيمة حقيقية، بل مجرد أوراق مطبوعة، وهذا الأمر الذي يجعل التضخم الاقتصادي ظاهرة أساسية بالدول النامية؛ لأنه يتم التجاوز عن هذه الشروط ويتم طباعة نقود بمعدلات تفوق المسموح به.

ويكمن دور الحكومات أو البنوك المركزية بالتحديد، في هذا الصدد، في العمل على استقرار قيمة العملة من خلال ضخ سيولة تتناسب مع حجم الاقتصاد وحجم النمو، بمعنى أن الدولة يمكن أن تلجأ للطباعة في حالات معينية، وهي: إحلال الهالك من العملات بعملة أخرى تحل محلها، وهذه الحالة تعتبر إجراءً اقتصاديًا طبيعيًا ليس له أثر على الاقتصاد، أما الحالة الثانية فتتمثل في تحفيز النمو الاقتصادي، وذلك لتحفز الطلب على السلع والخدمات لإنعاش الاقتصاد، وذلك مع مراعاة وجود إنتاج مقابل الوحدات المطبوعة، لكن ما سيحدث بالجزائر حالة ثالثة تسمى بالتمويل بالعجز، وذلك من خلال طبع النقود لتغطية النفقات العامة للدولة بسبب نضوب الإيرادات.

ذكرنا أن الطباعة يجب أن يقابلها احتياطي من النقد الأجنبي أو رصيد ذهبي، وإما سلع وخدمات تم إنتاجها في المجتمع، ولكن يشير الواقع الاقتصادي بالجزائر إلى التالي:

الاحتياطي يواصل التراجع

تواصل احتياطات النقد الأجنبي للجزائر تراجعها على مدار السنوات الماضية وذلك في ظل هبوط أسعار النفط المستمر، ففي يوليو (تموز) 2017، هبط الاحتياطي إلى نحو 105 مليارات دولار من 193 مليار دولار في مايو (أيار) 2014، بينما نفد صندوق ضبط الإيرادات كلية في شهر فبراير (شباط) الماضي، حسب ما تشير إليه الوثيقة المتضمنة برنامج عمل الحكومة الجزائرية الجديدة.

الودارات ترتفع والصادرات غائبة

تكاد تكون المنتجات بالجزائر محدودة جدًا، إذ بلغت قيمة واردات المواد الغذائية بالجزائر 17. 5 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2017، مسجلة زيادة قدرها 10.13% مقارنة بذات الفترة العام الماضي، وذلك بحسب المديرية العامة للجمارك بالجزائر، بينما فشلت تقريبًا كل خطط البلاد لدعم الصادرات؛ مما يجعلها غائبة عن المشهد في السنوات الماضية.

إذًا الاحتياطي يتراجع، والإنتاج غائب، وهذا مخالف لشروط طباعة النقود، فماذا سيحدث حال قامت الحكومة بطباعة النقود دون النظر إلى هذه المعطيات؟

قفزة كبيرة متوقعة بالتضخم

لا شك أن ارتفاع التضخم سيكون نتيجة حتمية لطباعة النقود، خاصة أنه بلغ 7% حتى نهاية أبريل (نيسان) ارتفاعًا من 4.8% قبل عام، بحسب ما قال الديوان الوطني للإحصائيات بالجزائر، وذلك في الوقت الذي تحاول فيه الدولة التأقلم مع الضغوط المالية الناجمة عن انخفاض إيرادات الطاقة، أقرت قيودًا على الواردات؛ مما أدى إلى تعطل إمدادات وارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية نظرًا لعدم كفاية الإنتاج المحلي، بينما بلغ معدل التضخم السنوي في الجزائر 6.4% في عام 2016 بأكمله ارتفاعًا من 4.8% في العام السابق عليه.

هل هناك بديل عن طبع النقود؟

قد يقول قائل: إن الدولة مجبرة على هذا الإجراء فعلى كل حال يجب تمويل عجز الموازنة، وفي الواقع بالفعل لا مفر من تمويل عجز الموانة، ولكن ليس من المعقول أن يتم علاج أزمة حالية، بحلول هي بمثابة أزمات مستقبلية، وبالنظر إلى سياسة رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون، نجد أنه كان لديه علاج للعجز ربما ستكون نتائجه السلبية أقل بكثير من طباعة النقود، إذ أظهرت وثيقة رسمية نشرت في 20 يونيو (حزيران) الماضي، أن حكومة «تبون» كانت تعد الإطار القانوني لتمويل إسلامي وصكوك جديدة، إذ ستعد الإطارين القانوني والتنظيمي «للتمويل التشاركي» وستطرح سندات سيادية لهذا النوع من التمويل.

وعلى ما يبدو فإن هذا الحل لم يكن هو المفضل بالنسبة لحكومة «أويحيى» الجديدة، ويمكن أيضًا اعتبار الاقتراض من الخارج بنسب فائدة معقولة حل أفضل من طبع النقود، ولكن في الغالب ترفض الرئاسة الجزائرية هذا الحل بشكل قاطع، بينما تتمثل الحلول الأخرى في دعم الصادرات وتنويع الدخل، ومحاربة الفساد الذي يعرض الدولة لخسائر كبيرة.

وعلى كلٍ، وبحسب ما قال وزير المالية الأسبق عبد الرحمن بن خالفة، في تصريح لجريدة «الشروق» الجزائرية، فإن تعديل قانون القرض والنقد وفتح المجال أمام بنك الجزائر لتمويل الخزينة العمومية، يعتبر في حد ذاته حلًا، لكن يجب أن ترافقه إعادة ترتيب شاملة للبيت الاقتصادي الجزائري، وإذا لم يحدث ذلك فالبلاد ستدخل في الدوامة التضخمية على الشاكلة الفنزويلية.

والخلاصة أنه إذا لم يتم إرفاق طباعة النقود باستدراك اقتصادي حقيقي، فلن تستطيع الجزائر الخروج من دوامة الأزمات الاقتصادية بعد هذا الإجراء بسهولة، فلا تزال نحو 95% من الإيرادات تأتي بشكل مباشر أو غير مباشر من قطاع الطاقة، وحوالي 83% من النسيج الإنتاجي يتكون من صغار التجار أو الخدمات، بالمقابل فإن القطاع الإنتاجي يبقي هامشيًا، ويمثل أقل من 5% من الناتج الداخلي، خاصة أن 95% من النسيج الصناعي عبارة عن شركات صغيرة غير مبتكرة، وهو ما يصعب من مهمة خفض الواردات لتلبية الحاجيات الاستهلاكية للمواطنين وتشغيل الأداة الإنتاجية، وهو ما يجعلنا أمام اقتصاد يعاني من مشاكل هيكلية لن تعالجها الطباعة، بل ستجعل هذه المشاكل كارثية على المدى الطويل.